أن تكون مدينة القدس هي
الحاضنة لأحد أهم المهرجانات الفنية/الثقافية
العربية، القدس، المدينة التي أَسكن فيها الاحتلال
الإسرائيلي كل أسباب القلق لأي مشروع فني ثقافي
فلسطيني قد يقام فيها، أن تكون رغم عمليات التهويد
والاستيطان
سمعت موسيقى "تريو جبران"
أكثر من غيرها، وكان لرعشات أوتار العود بتراقص
أصابعهم عليها، كان لها صوت أزاح من رأسي جميع
الأصوات الأخرى فترة، وسمح لبعضها بالرجوع مع
الاعتراف بيسادة موسيقاهم عليها، وكلامي هذا يشمل،
فيما يشمل، الأصوات الأنثوية.
حملتُ الكتاب إليها حيث
كانت جالسة، تلف ساقا على ساق وراحة يدها على خدها
وعينيها تشفّ بأشعة الشمس المبعثرة على ملامح
وجهها وخصلات شعرها. خشيت أن أقطع عنها صلاتها، عن
الشمس أقصد. صلاة الشمس التي اتخذت لنفسها صلاةَ
زهر عبّادها. عبّاد الشمس ييمّم وجهه شطر
لن أكون مغاليا في انتمائي
القومي لو أني فكرت بأن أحصل على الموافقة الأمنية
– العسكرية والسياسية- من حزب البعث العربي
الاشتراكي على كتابة هذا المقال، ومجرد التفكير
بهذه الموافقة يحضر الاطمئنان إلى نفسي بأني، في
وعيي ولاوعيي وفي مرحلة
المابين، أمتلك ولو الحد الأدنى
"ريحتك زعتر"، قلت لها
حالما رأيتهما وغمرتهما هي وليونيد في لوبي
الأوتيل. لم أكن أتخيل أن بإمكان أحد ما حمل وطنا
كفلسطين أينما حلّ، فلسطين المثقلة والمخضّبة
بالآلام وما ترسب عنها من آمال. نظرت إلى وجهها،
أردت البكاء قليلا، تكثفت قطرات الدمع على حواف
تنازل المؤلف الموسيقي
والمغني السياسي اللبناني ويليام نصار – دكتوراه
في العلوم الموسيقية - عن جائزة أفضل مقطوعة
موسيقية في مهرجان الموسيقى العالمية في كيبيك حيث
كان عليه مصافحة الموسيقية الصهيونية أيلينا
أنحايل إثر
سمعت صوتها أول مرة حين
أرسلت لي صديقة من عكا ملفا صوتيا عبر الإميل.
عنونتْه بـ (لو رحل صوتي.. تيريز سليمان). عرفتُ
بأنها أغنية وبصوت جديد على مسمعي وعرفت أني
سأحبها، أثق بابنة عكا وبذوقها الموسيقي وأستشيرها
وأتعلم منها الكثير في هذا المجال. فتحتُ الإميل
فورا
أعلنت لها مرة وبلا مقدمات:
- منى.. ما عدت عاشق فاشل، معك عرفت إني أحلى
عاشق. أصبحنا عاشقين وأعلنا ذلك لبعضينا في غضون
ثلاثة أسابيع، المسألة عندي أبعد بكثير من محض هذه
الأسابيع الثلاثة، وأعمق من مجرد عشق متجول
اختارها بيتا دائما يختتم فيه رحلاته.
كادت حكاية فاطمة الهواري
مع النكبة تنحصر في بلدتها ترشيحا، قضاء عكا، وبعض
القرى المجاورة في الجليل الفلسطيني، كرواية فردية
لم تُعطى أبعادها الجمعية الفلسطينية، إلى أن رأى
"عروس الجليل" النور ليحكي عن فاطمة وترشيحا وباقي
القرى والمدن الفلسطينية ولما تعرضت له عام 1948،
بعد أن درتُ على أكثر من
مركز طبي واتصلت بالعديد منها علّني أجد من يعترف
ببطاقة التأمين الصحي التي أحملها في جيبي، وجدت
مركزا يقبل بها، كان في احدى العمارات ضئيلة
الحجم، المعزولة، القديمة، من تلك غير المزودة
بأنظمة تكييف مركزية. دخلت العمارة بجوها غير
الصحي.
لفلسطين أغنيات فولكلورية
منها "عالأوف مشعل"، وفي فلسطين جليليات منهن أمل
مرقس، وأنا كان يكفيني تنصّتي للـ "ممممم" بصوتها
كي أترحّل إلى "الأوف" وأدرك أكثر
ميرون تحمل القمر بين
يديها، تواسيه ربما. ميرون اصبعها على فمها
وتـ"هششش" فلسطين، تحميها من بعض أهلها ربما.
ميرون تقص جدلتيها الطويلتين، حزينة على قمرها
وفلسطينتها ربما. ظننته، "ميرون"، اسما لتلك
الطفلة- ابنة التاسعة كما أراها- بجدلتيها
الطويلتين وقامتها الممشوقة
كلما حاولت وضع المفتاح في
قفل الباب لفتحه، كان عليّ سحبه وإدخاله ثانية
بالوضع المطلوب، لأني، ودائما، أدخله بالوضع
المقلوب في كل محاولة أولى لفتح أي باب. وكلما
حاولت فتح ستارة سحبت حبل إغلاقها، فكان عليّ أن
أجرب الطريقة الأخرى، والوحيدة والحمدلله، كي
أفتحها، وهي سحب
عرض إميل حبيبي في روايته
(الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس
المتشائل) تَناقض منهجين للحياة، تجسد أحدهما في
شخصية سعيد، والآخر في الشيوعيين، كما تجسد هذا
الآخر في شقيقته يعاد وزوجته باقية وابنه ولاء؛
يعاد- وكأن اسمها يقول بوجوب عودتها- التي هُجّرت
من أرضها وتصر على العودة.
في سوريا، خرجت في رحلات
إلى الريف والساحل هناك، رحلات فلسطينية بكل
تفاصيلها، من أغاني مارسيل والشيخ وزياد، وأكثر من
ذلك أغان فلسطينية، منها الثورية والحزبية
والتراثية، إلى الدبكة والمشاوي والتبولة وأحاديث
تتناول الأوضاع في الأرض المحتلة، ويتخلل ذلك نكات
تُلصق
كأنه، غسان زقطان، بمقاله
("موطني" والعودة إلى البيت!) نبش قي قبور ثقافتنا
الفلسطينية محاولا إحياء وإعادة نشيدنا الوطني إلى
وطنه. أماط اللثام عن احدى السرقات التي طالت
هويتنا وتراثنا وثقافتنا الفلسطينية. ليس السارق
هنا "إسرائيل"، ولا أنا أتكلم عن الثوب الفلسطيني
الذي اتخذوه كلباس
قلت مرة لابنة خالتي
الصغيرة: أنا مخاصمك. فردت بسرعة ارتسمت فيها
تكشيرة على جبينها: بتخاصمني؟ يعني بتخاصم الله..
بتصالح الشيطان! معلش، سوف أحط عقلي إلى عقلها، هي
فتاة في صفها الثالث، وعليها بذلك أن تكون أكثر
وعيا، وأن تبني مواقفها بطريقة أرقى من تلك التي
صبية، بان من أطراف وجهها
ما يكفيني للقول يقينا بأنها جميلة. شعرها أسود
مضرج بالأحمر، طويل ومموج، لمعانه آت من الدماء
على ما أظن، ليس الجل. ملقاة أرضا، على جنبها
الأيمن، وعلى بطنها، في احدى الساحات. تحاول أن
تحمي وجهها بيديها خوفا وتفاديا للضربات. أحدهم
يرفع
لا أغاني لها في محال
الموسيقى في مخيم العائدين في حمص، ذهبتُ إلى مخيم
النيرب في حلب فلم أجدها. درت كثيرا بين المحال في
مخيم اليرموك في دمشق، إلى أن وجدت محلا
طبيعة السؤال لا تسمح لنا
بالتعميم ونظم قواعد أو خطوات معينة، على الكاتب
أن يلجأ إليها ليصل إلى نص إبداعي. برأيي أن من
يحاول القول بخطوات وطقوس معينة على الكاتب أن يمر
بها، إنما يحاول أن يسقط تجربته الشخصية
اقتادوها إلى الحجز لعدة
ساعات حين استوقف وضايق جنودُ الاحتلال مجموعةً من
المتضامنين الأجانب عند حاجز عسكري في الخليل
وكانت معهم. أجابت رنا على سؤالهم بنبرة
دفاعية\هجومية بأنهم، المتضامنين، قدموا من كل
العالم. سحبوا أسلحمهم عليها لشعورهم بخطر ما
وسألوها من أين تكون.
مازحتُ مرة صديقة من
ترشيحا- بلدتي في الجليل الفلسطيني- مؤكداً بأن
الكبة النية التي يعدّونها هناك في البلد، إن لم
تكن تماماً، بمذاقها وشكلها ولونها ورائحتها،
كالتي تعدها عمتي التي تعلمتْ ذلك في مخيمات
اللجوء، إن لم تكن لها طريقة التحضير والجبل
والأكل ذاتها، وإن لم تكن بذات اللذة، فلتعذرني،
اتصلتُ بها..
لم أكن
أعرف بأن قراراً كهذا ما كان ليأتي لو لم تسبقه
مساحات واحتمالات من الوقت والقلق. لم أشعر
بأصابعي و هي تلاحق اسماً يبشّر بالليل، كمساء بين
الماء و السماء. ليَظهر خلسة على شاشة الهاتف. لم
يتبقّ الآن إلا كبسة واحدة
حدث تاريخي نعم، إن غضضنا
الطرف أو أعمينا أعيننا عن عدة أمور. شاعرنا
الفلسطيني الأهم عربيا ومن الأهم عالميا يقيم
أمسية أتوقعها الأقرب إلى قلبه مما سبقها،
فالجمهور هنا يتوقعه شاعرُنا أن يكون جمهور حيفا
ويافا وعكا وجميع مدن وقرى الـ 48، وأن يكون من
مختلف الاتجاهات
هنالك حيث أعمل، فرّاش هندي
اسمه عسكر. لست أكيداً من لفظة الاسم في الهندية،
ولكننا بالعربي نناديه عسكر، كما أنني لست أكيداً
إن كان الاسم هذا هو اسمه في بطاقة الهوية أم أنه
اسم "حركي". كلما احتدّ عدوان العسكر الاسرائيلي
على شعبي في الضفة الغربية وقطاع غزة كنت أغني
لعسكر:
تركتُ البيت فجأة. رميتُ ما
كان بين يدي. نزلتُ إلى السيارة، أدرتُ المحرك و
مضيت. وصلت إلى منطقة الكاسر في أبو ظبي، حيث لا
أمواج للبحر هناك. مياه مالحة راكدة مشتدٌ أزرقها،
تتحرش بصخورٍ تتمنع أحياناً، و أحياناً يتكسر
الحياء فيها فتمارس حباً مع مياه متسللة من بين
انكسارات بحرها
أكاد أسمعه الآن من مكانه
يلعن سلسفيل المجلة. قلت مرة، و لم أكن مازحاً،
لأصدقاء لي منتمين لحزب غسان: يمكنكم، و بكل رضى
عن النفس، اعتبار مجلة الهدف- صحيفة الحزب
الرسمية- نشرة حزبية داخلية، و بامتياز. يشتري
أعضاء الحزب أعداداً من المجلة، إما يوزعونها
كهدية أو يجهدون
جاء جدي سليم محمود البيك،
و كأنه للتو وصل من هناك. في كل مرة يصل فيها أراه
قادماً من ترشيحا. جاء و رائحة البلد و بارود
معاركها عام النكبة، و زيتونها و زعترها و تبغها
تجول في جيوب و بطانة جاكيته الترابي اللون و
عكازه المعقوف رأسه و طاقيته البيضاء المزخرَفة
كقبة مسجد تعبوا في نحتها.
لامتني مرة صديقة من الداخل
الفلسطيني، أرض الـ 48، في حوار عبر المسنجر،
لامتني لصورة فلسطين فيّ. الصورة التي تعبتْ
مخيلتي في تكوينها عبر ما قرأت، و ما رأيت من صور
أُخذت هناك، و ما سمعت من حكايا جدي. قالت بأن
فلسطين - أي الجليل في حديثنا - ليست كما الصورة
اللتي
ليس من الغريب أن تستدعي
فقراتٌ من رواية (زهرة الطين) للكاتب الفلسطيني
مروان عبد العال فقراتٍ من قصة (أبعد من الحدود)
للشهيد غسان كنفاني، فكلا الروائيين ترعرعا في
مدرسة الحكيم، جورج حبش، و كلاهما حملا على
عاتقيهما عضوية المكتب السياسي للجبهة الشعبية.
لست أحاول
قد يحوم الجمال حولي و لا
أراه. أحيانا أراه و لا أدركه. و قد أدركه و تسيطر
حيرتي بأسبابه، عليّ، فلا أعود أدركه. أدرك جمالا
شُبّه الأول لي به. لم أكن أناديها باسمها، كثيراً
ما ناديتها رجاء، و المرأة إن لم تنادها باسمها
خدشتَ أنوثتها. كانت بشعرها الأسود المنسكب على
كتفين بلون الرغبة.
كنت جالساً ألاحق الأخبار،
أستنطقها من أفواه المذيعين. بلدتي تقصف ثانية،
باغتني ذات الشعور الذي صاحب القصف السابق..
الأول، الأول منذ عام 48، حين لم تكن أمي قد وُلدت
بعد. و في الفرق بين القصفين أجدني باسماً، كم
جميلٌ
تجاهل الكثير من الكتّاب
الفلسطينيين و العرب وجهاً من أوجه المعاناة التي
نهشت كاهل الفلسطيني منذ اللجوء الأول. لن أخوض في
أسباب هذا التجاهل و إنما سأشير فقط إلى الوجه
المذكور، الملطخ بالعار و الحاد كملح عربي على
حرية..
صفحات معتقة. جُبلت بتراب المخيم الرطب، بنسيم
خريفي- لاجئ هو الآخر- أحاط الغرفة من الداخل، بصورة
فلسطين مبتسمة، مكتملة، تقابل صورة شهيد لا يعبأ بنظرته
إلي، بكوفية مرمية على حافة سرير، و خبر عاجل أُرمى به، و
فنجان قهوة ملّ الانتظار على
كومة من الكتب و الصفحات...