في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز و الماء و أكف الكدح و نبض القلب...غ.ك

أنشر هنا مقالين لغسان كنفاني كتبهما في ملحق الأنوار باسمه المستعار (فارس فارس)، جمعتا في كتاب يشمل العديد من مقالاته صدر عن دار الآداب, ومقابلة معه أجريت عام 1971، وجزءاً من يومياته عام 1962، ومقتطفات من أقواله روائياً وصحافياً.

عن الأقلام أكتب .. لا عن الكتب!


أضمر حقداً شريراً على رجلين لا أعرفهما، ولكنهما يمثلان بالنسبة لي أبشع أنواع اللصوصية: هذه اليد المزودة بأظافر النهب تحت قفاز من حرير التهذيب، ووراء اليد والقفاز توجد ذراع انعدام المسؤولية، وهذه الذراع هي <<الخيانة>> بعينها!
الأول رجل يلبس قميصا مخططا ويضع نظارة وشعره ميال الى الحمرة (من يجده يتصل بالمخفر وله مكافأة قيمة)، التقيته في مطار بيروت، وكنا على وشك أن نسافر كل الى جهة، حين طلب بتهذيب لا مثيل له أن أعيره قلمي ليملأ به بطاقة المغادرة.
وأعطيته قلمي، بالطبع، شأن أي رجل متحضر يلتقي رجلا متحضرا في مطار ما، فلطشه.
أما الثاني فرجل يلبس قميصا أبيض، التقيته في مكتب البرقيات في بيروت عند منتصف الليل، وكنت ذاهبا لأبعث برقية، فطلب مني بتهذيب لافت للنظر أن أعيره قلمي ليكتب برقية.
وأعرته قلمي بعد محاضرة موجزة ألقيتها عليه، ملخصها أنني أضعت قلما قبل فترة عندما استعاره مني رجل في المطار (في الحقيقة قلت له إنني أضعت عشرة أقلام لأجعل القضية أكثر دراماتيكية وتأثيرا) وقلت له إنني أريد أن أسترد قلمي، ثم نبهته إلى أنني لو نسيت، أو انشغلت، فعليه أن يذكّرني.
ثم أعطيته القلم، فلطشه!
وأنا رجل حساس جدا تجاه أقلام الحبر. وبالرغم من أن أقلامي ليست غالية السعر تماما، إلا أنها تشكل جزءا من حياتي. وحتى ريشتها تتكيف مع أصابعي بصورة حميمة، تعتادني وأعتادها ونشكل معا علاقة تشبه العلاقة التي تتشكل بين أنف الرجل ونظارته.
ومن حقي طبعا أن أحب قلمي، فهذه قضية لا تعارض أية قوانين وضعها الإنسان؛ بل إن امتلاك الإنسان لقلم حبر هو حق من حقوق الملكية لم تنل منه أكثر إجراءات الاشتراكيين إمعانا في التأميم. ومعنى ذلك أنه حق مقدس، يشبه حق احتفاظ الإنسان بمعدته الخاصة.
ولذلك فقد كان لهاتين الحادثتين وقع الكارثة عليّ، وأشعرتاني بغضب حزين مهيض الجناح، شديد العجز. فمن ناحية أولى لا أستطيع أن أطارد السارق، ومن ناحية أخرى لا تستحق المسألة برمتها في عرف الشرطة أن أقدم شكوى.
فاللصوصية في القوانين هي جريمة تتعلق بثمن الشيء لا بقيمته، وسيكون من المضحك أن أشكو إلى الشرطة رجلا مجهولا ذهب إلى مكتب البرقيات دون أن يصطحب معه قلمي، ليلطش قلمي، وثمنه عشر ليرات.
إنه شيء يشبه أن يقوم <<بابلو نيرودا>> برفع دعوى على معين بسيسو، لأن الأخير لطش من الأول صورة شعرية عن <<الأشجار التي تموت واقفة>>.
من الطبيعي أن الشاب الذي لطش قلمي في المطار قد نسي أن يرجعه لي، ووضعه في جيبه بحركة بريئة، وكذلك الرجل الذي استعار قلمي في مكتب البرقيات الليلي في بيروت (كيف يذهب رجل إلى المطار بدون قلم، وكيف يجرؤ رجل ذاهب ليبعث برقية إلى مكتب البرقيات أن يذهب دون قلم؟ إن رجال الشرطة مطالبون بأن يفتشوا كل داخل إلى مكتب البريد، فإذا اكتشفوا أنه لا يحمل قلما منعوه من الدخول). أقول: من الطبيعي أن عمليات اللطش هذه لم تكن مقصودة تماما، ورغم ذلك فيجب أن لا تفر من العقاب، لأن تصرف قائد سلاح الجو العربي فجر 5 حزيران لم يكن مقصودا تماما، ومع ذلك فإن من المضحك أن نتركه يذهب إلى بيته، بالقلم الملطوش، لأنه نسي إرجاعه إلى صاحبه!
والفارق بين قلم الشخص، وبين السلاح الجوي لدولة من الدول، ليس كبيرا: فكما أن ضياع السلاح الجوي يفقد الدولة المعنية غطاءها الجوي، فإن ضياع قلم الحبر يفقد الشخص المعني قدرته على الكتابة، حتى إتمام إزالة آثار العدوان.
وهكذا عدت من مكتب البرقيات الليلي دون قلم حبر. فقد شغلني الموظف في جدل لا نهاية له حول عدد الكلمات وأسعارها وبقية الدرجة الأولى والدرجة الثانية، (ذلك المنطق الطبقي الذي لا يمكن التخلص منه)، وانتهز الرجل المجهول الذي استعار قلمي هذه الفرصة لينسى أنه استعار القلم، وبالتالي لطشه دون أي وازع من ضمير.
إنني أدعو الله أن يبتلي أولئك الذين يعتقدون حتى الآن أن هذا الموضوع تافه، بسرقة أقلامهم حين يكونون في أشد الحاجة إليها، كي يدركوا مدى جدية هذه القضية.
فكرت، حين وجدت أنني دون قلم (المرة الأولى في الطائرة، حيث لا توجد دكاكين لبيع أقلم الحبر كما هو معروف، وحيث يتعيّن على المسافر أن يملأ عشرات من الأوراق بالمعلومات؛ والمرة الثانية عند منتصف الليل حيث لا يمكن شراء قلم حبر رغم أنه كان عليّ أن أنجز مقالاً) فكّرت أنني لو كنت مكان الرجل الذي استفاد من فضيلة النسيان إلى هذا الحد، أكنت حملت القلم الملطوش إلى الدار، وقلت لزوجتي: <<اسكتي يا مرا.. لقد لطشنا قلما>>؟
لا!
على الأقل، كنت سألت الموظف المعني عن عنوان صاحب القلم الذي أرسل برقية قبلي، أو كنت تركت القلم عنده ليجده صاحبه حين يعود إليه ليسأل عنه..
وعلى أي حال، كنت قد أحضرت قلمي معي قبل ذلك كله، إذ كنت سأبدو مضحكا جدا لو أنني جئت إلى مكتب البرقيات دون قلم، مثل بطل سباحة ذاهب إلى مكسيكو دون مايوه!
هذا بالذات ما أسميه <<كف اللص داخل قفاز التهذيب الحريري>>، وهو أبشع من كف اللص العارية بما لا يقارن.
وأعترف الآن أن غضباً شديداً انتباني في الحالتين. وحين اكتشفت بيني وبين نفسي أن هذين الدرسين لن يمنعاني في المستقبل من إعارة قلمي إلى من يطلبه، ولن يمنعاه من أن يلطشه، ازداد غضبي إلى حد لا يطاق.
فلو أنني، في المستقبل، رفضت إعارة قلمي إلى شخص يطلبه بحجة أن زميلا له لا يعرفه قد استعار في الماضي قلمي وسرقه (بالنسيان أو بالعمد، سيان) لما كان بوسعه أن يفهم، ولا أن يغفر، وعليّ أن أتحمل نظرة الاحتقار والاتهام بالعجز عن مساعدة الآخرين.
وأنا أعرف أنني سأظل أعير قلمي، وسيظل المستعير يلطشه...
وكل سلواني هو أن يقرأ الرجل الذي استعار قلمي في المطار هذا الكلام، وكذلك الرجل الذي استعاره في مكتب البرقيات، وأن يشعرا بينهما وبين نفسيهما بالخجل والعار، وبعد ذلك ليحتفظا بالقلمين.
هذان القلمان، أيها السادة، كتبا رسائل غرام، وسطرا على هذه الصفحة زبدة الشتائم الأدبية المعروفة في هذا البلد، ووقعا على ذيول عشرات من الكمبيالات والسندات، وقد استعملتهما أحيانا كما يفعل أي شخص آخر أداة أعض عليها حين تعاندني الفكرة. أي إنهما جزء من حياتي، ومع ذلك فبوسعكما الاحتفاظ بهما، علهما يلسعانكما بالذنب كلما حاولتما أن تكتبا بهما بطاقة خروج أو برقية...
فالقلم مثل القتيل، يخرج من ريشته حين يُلطش غراب أسود يظل ينعق: اسقوني، اسقوني، حتى يؤخذ بثأره، أو ربما تتعطل ريشته فينضح في قميصيكما حبره الذي لا يغسل بالماء

27\10\1986

 

فن البَهْوَرة في أحسن حالاته

 

إذا أراد أي منكم أن يتعلم <<فن البهورة>> الذي يمكن صبه على رؤوس الناس باسم الوطنية، فعليه أن يذهب إلى مهرجانات بعلبك لهذا الموسم!
سيطلع عليك رجل يفرقع في وجهك كلاما <<من فوق الأساطيح>> كما يقول الشوام. فهو لا يريد فقط أن يشفق القمر خرزا لجيد بغلته، وأن يوقف دوران الشمس مثلما فعل يوشع، ولكن أيضا يقصقص السماء ويخيط من قصاقيصها شرواله!
هناك فرق مهم بين الفن وبين قض المراجل، وهو ذاته أغلب الظن الفرق بين الوطنية والبهورة غير المحسوبة. فكي يكون الإنسان وطنيا لا يعني أنه مضطر ليركع الجبابرة حين يترك الرضاعة إلى الفطام، وكي يبرهن على وطنيته لا يحتاج إلى رفع صوته على أعلى دوزنة...
إن البهورة فن بدائي، أقرب إلى منطق <<السكرجية>> منه الى منطق الفنانين. فكي يكون رجل ما قادرا على أن يرقع حوافر حصانه بشقف من مقلع النجوم، وينطح القدر مثلما تنطح المرسيدس طريق صيدا، معناه فقط أنه كرع ست سبع كاسات من وزن <<كعبو أبيض>> وهذا لا يعني بالضرورة أنه <<وطنجي>> (إلا من الناحية الاقتصادية، بمعنى تصريف المنتجات الوطنية)!
أوبريت <<القلعة>>، التي شهدها مهرجان الفولكلور اللبناني في بعلبك طوال الأسبوع الماضي، تدخل في قاموس البهورة من دون استئذان. ومن هذه الناحية فهي مزعجة. فالشاعر <<موريس أو. أو. سيفن عواد>> يخيب أملنا كشاعر أحببناه وقدرناه لأنه كان دائما يضع خطوطا فاصلة بين البهورة وبين الوطنية وبين الجمال، إلا أنه هذه المرة أدخل الحابل بالنابل فراحت عليه وعلينا وعلى المشاهدين أجمعين.
ما هي القصة؟ (سندق الآن بالقصة، وفي ما بعد بالإخراج والرقص والكلمات والموسيقى). هناك قلعة، كويس؟ حسناً! هذه هي القصة كلها!
سأتهم الآن بأنني أتحامل، فلننظر إلى التفاصيل: القلعة محكومة من قبل أمير لا يظهر (لماذا؟ لا أحد يعرف، وسنخرج من المهرجان ونركب السيارة ونصل إلى بيروت ونحن لا نعرف) وتبدأ الأوبريت بأن شقيقة الأمير المذكور ليلى (صباح) تجيء إلى القلعة بعد غياب عشر سنين (لماذا تجيء؟ أين كانت؟ أيضا لا أحد يعرف، ولا المؤلف). وفجأة يصل إلى القلعة بائع حرير اسمه <<بدر>> مع رجاله، وهو في الواقع أمير متنكر يريد احتلال القلعة (لماذا؟ من هو؟ من أين أتى؟ لا أحد يعرف). ويدخل شقيق بدر الذي اسمه منصور إلى القلعة سراً بمساعدة الفتاة نور التي تحبه (متى أحبته؟ كيف؟ لماذا؟ لا أحد يعرف)، إلا أنهم يلقون القبض عليه ويقرون إعدامه في الساحة. وبعد تحديات بدر وتوسلاته يظهر الأمير الذي لا يظهر على برج القلعة العالي ويأمر بالعفو. في هذه الأثناء تشعرنا الأميرة ليلى أنها تحب <<بدر>> (لماذا؟ وكيف تم الأمر بهذه السرعة؟ لا أحد يعرف). ومع هذا فإن <<بدر>> يهاجم القلعة برجاله، ويظهر الأمير الذي لا يظهر مرة أخرى على البرج العالي، ويتحداه بدر أن ينزل ويحاربه فينزل، وإذا به (استعد للمفاجأة الهتشكوكية) ليلى ما غيرها. وهكذا يرقص الجميع قليلا ويتبهورون كثيرا، ومع السلامة أيها الجمهور الكريم!
من الواضح أن القصة لا تعني شيئا، وهي مفككة، وأهم من ذلك كله: كيف سيأخذ عرضها ساعتين؟ طبعا بالمط والتطويل و<<التمغيط>>، ذلك أن <<نور>> (ناديا جمال) سترقص رقصتين طويلتين، وسيغني الكورس دون سابق إنذار في الوقت غير المناسب، وسيبدأ العرض في الثامنة والنصف بدلا من السابعة والنصف كما تقول التذاكر (أم تراه توقيت بعلبك الصيفي؟) وستمط الاستراحة نصف ساعة بدل العشر دقائق!
وكذلك كان صوت بدر (جوزف عازار) فهو صوت قوي ونقي ولا يبلع نصف الكلمات. وبالإجمال كانت الأصوات جيدة.
أما صوت <<الراوية>> فقد كان غريبا ولكنه لم يكن مزعجا. إلا أن السؤال هو: لماذا الراوية؟ هل كانت القصة معقدة إلى حد احتاجت فيه إلى شروح؟ كان ينقصنا أن تطلع علينا الراوية وتؤشر على الأشياء وتقول: هذه قلعة، وهذا رجل، وهذه امرأة، وهذا صف دفع 25 ليرة ثمن التذكرة!
الموسيقى كانت جيدة، مع أن دوزنتها عالية، ورغم كل العلو فإنها لم تستطع أن تغطي على ثغرات القصة (في المرة القادمة اجعلوا صوت المسجل أوطى، فقد كان أزيز الشريط واضحا!).
وبالاختصار، فقد كان الأحرى بالمهرجانيين أن يكونوا أكثر تقديرا للجمهور (وكذلك الأمر بالنسبة للجمهور: فقد جاء الكثيرون متأخرين، وحجبوا المناظر عن أولئك الذين جاؤوا قبلهم وجلسوا حسب الوعود المرعية الإجراء... وورائي تماما جلست امرأة اكتشفت صديقة لها أمامي، فطلبت مني أن أنكشها، فنكشتها، وحين نكشتها فرقعت من حولي عبارات الترحيب مثل طلقات الرصاص، وتبادلت السيدتان حديثا شيقا طول السهرة، على وقع الموسيقى، عبر أذني الشمال نزولاً إلى تحت ثم عبر أذني اليمين صعوداً إلى فوق، واكتشفت في آخر السهرة أن السيدة الفوقانية التي لها خمسة أولاد أحدهم فتح مؤخرا مكتب ترانزيت عاتبة على صديقة مشتركة لأن تلك الصديقة الغائبة التي حمدت الله أنها لم تكن في المقعد إلى جانبي وإلا انعقدت ندوة على نطاق واسع كانت قد قالت للسيدة التحتانية إن السيدة الفوقانية استغابتها).
إن فن الفولكلور فن صعب، فلا يكفي أن نلبس موريس شفالييه شروالا كي نعلق إعلانا عن الرقص الشعبي. إن الوعاء الشعبي وعاء عميق، شديد العمق، ولا يستطيع أن يغرف منه إلا من كانت له موهبة الغرف من أعماق الحكمة الشعبية العريقة. إن الفولكلور تاريخ من الفلسفة التي تجمع بين البساطة والعمق والجمال؛ والجمع بين هذا الثلاثي لا يمكن إنجازه في جرن كبة، أو لدى مصمم أزياء، أو بكيّ طربوش عتيق.
إنه شيء يحتاج إلى طول بال وصبر وحكمة وفهم عميق للشعب ولتاريخه، وهذا شيء لا يتم بالبهورة. والواقع فإن البهورة هي خدعة غايتها تغطية العجز عن فهم الشعب وإدراك صموده العميق الهادئ ووطنيته الصامتة التي تبذل دون خطابات وتشنجات وصيحات من <<كعب الدست>>.
أشفقوا على الفولكلور. العامية ليست كافية لبناء فن فولكوري. الثقافة والوعي والتعب شروط ملازمة لذلك، ولا يمكن الاستغناء عنها بكأس عرق يغطي السموات بالقبوات...
الحقيقة: أشفقوا علينا!

11\8\1986

 

أجوبة غسان كنفاني على مقابلة أخذت عام 1971, قبل سنة من اغتياله


نص مقابلة أجراها <<جايمس زغبي>> مع غسان كنفاني عام 1971 عن تطور الشعر الفلسطيني . ونذكّر بأن الشهيد غسان يتحدث قبل انتشار الكتابات النقدية عن شعر المقاومة، ونذكّر بأنه هو الذي عرّف بذلك الشعر عام 1964.


كان الشعر العربي في بداية هذا القرن ما يزال يعبّر عن ذاته من خلال معان قديمة وتقليدية جدا. ففي مصر مثلا استخدم الشاعر الشهير أحمد شوقي المعاني القديمة التي استخدمها من قبل، بل واستهلكها، الشعراء العرب القدامى وهي معان تحدثت عن الجمال السطحي والموت ومشاكل تجريدية ما ورائية.
غير أنه في عشرينيات هذا القرن حدثت في فلسطين نهضة أدبية اتخذت منحى كلي المغايرة لما سبقها. ففي ذلك الوقت كان أكثر كتاب البلدان العربية الأخرى يحثون العرب على اللحاق بالغرب، على التعلم من الغرب، واليقظة، ونسيان عاداتهم المتخلفة، وغير ذلك. باختصار، كانوا يدعون العرب في مصر ولبنان إلى أن يصيروا غربيين. لكننا في فلسطين آنذاك كان لدينا شعراء يشرعون فيما يمكن لنا تسميته ب<<الشعر الوطني>>، لما فيه من هجوم على البريطانيين، والحث على الكفاح المسلح، والحديث عن الحرية والمساواة. وبمقدوري أن أذكر ثلاثة شعراء فلسطينيين شديدي الأهمية ينتمون إلى تلك الفترة. أولهم إبراهيم طوقان؛ وإذا قرأت شعره اليوم فإنك تشعر كما لو أنه يصف الوضع الراهن. في شعره تحدث عن ملاّك الأراضي الذين كانوا سيتخلون عن فلسطين للصهاينة.
وثمة شاعر فلسطيني آخر من تلك الفترة هو أبو سلمى الذي كان آنذاك طليعة المقاومة. وإني أذكر أنه كتب في بداية الثلاثينيات قصيدة جميلة جدا عن الفدائيين، وهي قصيدة كانت شعبية جدا ولا تزال حتى اليوم. وحين طلبت الحكومات العربية عام 1936 من الثوريين الفلسطينيين أن يستسلموا للبريطانيين، كتب أبو سلمى قصيدة جعلته من <<المطلوبين>> في البلدان العربية بسبب نقده العنيف لتلك الأنظمة العربية. وأنا أذكر أن تلك القصيدة كانت محط إعجاب شديد بحيث إن كل فلسطيني حفظها عن ظهر قلب. ولو استطعت أن تنشر هذه القصيدة اليوم رغم أنها قد كُتبت عام 1936 فإني لا أظن أن صحيفة عربية واحدة سوف تجرؤ على نشرها، لأن القصيدة تبدو كأنها كُتبت عن الحكومات العربية اليوم وعن أسلوبها في التعاطي مع الثورة الفلسطينية.
وكان لدينا في الثلاثينيات شاعر آخر اسمه إبراهيم محمود. وإبراهيم محمود من الشعراء الذين يذكّروننا ب<<لوركا>>، لا لكونه شاعرا فحسب بل لكونه قد قتل في الثورة أثناء القتال.
إني أذكر هؤلاء الشعراء الثلاثة، غير أن ثمة كتابا وشعراء آخرين حملوا على أكتافهم قضية بعث الأدب العربي، وأدوا دورا وطنيا وتقدميا طليعيا. وبالطبع، فإننا لو نظرنا الى شعرهم اليوم فإننا قد نجد أنه لا يعبّر مئة بالمئة عن طموحات جيلنا هذا. غير أنه يجب عليك بالتأكيد أن تضع أولئك الشعراء في الإطار الذي وُلدوا فيه.
واستمرت الأمور على هذا النحو حتى عام 1948. وبعد 1948 نما نوعان مميزان من الأدب الفلسطيني. نستطيع أن نسمي الأول منهما <<أدب المنفى>> ذاك الذي كتب على يد فلسطينيين يعيشون خارج فلسطين ونسمي الثاني الأدب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي. في الأدب الأول أدب المنفى بإمكاننا أن نلاحظ ثلاث مراحل من التطور. المرحلة الأولى تمتد بين عامي 1949 و1954. وفيها كان الأدب حزينا جدا وسلبيا، باكيا طوال الوقت. وكان الوطن بالنسبة له محض ذاكرة من الماضي من الأندلس المفقود. وبين عامي 1954 و1961/1962، دخل هذا الأدب في ما أسميه مرحلة التبجح، أي التحدث عن شدة بطولة المسيرة الفلسطينية و واعديتها. هذا الأدب قد كان عالي النبرة وفارغا جدا في الوقت نفسه. وحسب تقديري فإنه كان تتمة طبيعية جدا لتلك المرحلة البكاءة، إلا أن البكاء ههنا يبدو بكاء فخورا. لقد كان هذا الأدب شديد السطحية.
و حوالى عام 1961 ابتدأت مرحلة ثالثة وما تزال مستمرة حتى الآن (أجريت المقابلة عام 1971). وكان هذا الأدب مستندا إلى مزيج من الحزن والتفاؤل. وهو الآخر مبالغ بعض الشيء أحيانا، غير أنه مكتوب بأسلوب عميق شديد الرمزية، أسلوب الأدب الحديث. والحق أن ثمة تغييرات أخرى قد طرأت على هذا الشعر مؤخرا وسوف أعود للحديث عنها.
ولكن في فلسطين نلاحظ أن تطور الأدب قد أخذ وجهة مغايرة كليا. فبين عامي 1948 و1952 (تاريخ اندلاع الثورة المصرية) اتجه جميع شعراء فلسطين باستثناء القدامى منهم كحنا أبي حنا نحو الشعر الغزلي لا الشعر السياسي. وفي تلك المرحلة لم يكتب محمود درويش نفسه وهو الذي يعتبر اليوم واحدا من شعراء الأدب المقاوم الطليعيين سوى أشعار ورسائل وقصص غزلية.
وإننا لن نستطيع أن نفهم هذا فهما صحيحا إلا إذا لاحظنا أن الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين بعد 1948 قد كانوا بشكل أساسي أبناء قرى صغيرة. وكانت ثقافتهم وتربيتهم محدودتين، ولم يكن لديهم أي شكل من أشكال الحماية في مواجهة العالم الخارجي باستثناء العلاقات الحميمة التي ربطت واحدهم بالآخر. هذه العلاقات، إذن، كانت شديدة الأهمية بالنسبة لهم في تلك المرحلة من تطورهم. فالحديث عن الحب، إذن، كان بشكل ما عملا سياسيا. فالمرأة في القصيدة، مثلا، لم تعن إنسانا فردا وعلاقة فحسب، بل عنت نوعا معينا من الملاجئ الشخصية والسياسية.
سنلاحظ أن أدب المقاومة الفلسطينية، بعد عشر سنوات (1952 1962) من القصص والأشعار الغارقة في السياسة، سيعود إلى تلك المعاني الغزلية. غير أن موضوع الغزل هذه المرة هو فلسطين لا امرأة فردية بعينها. فإذا رجعت الآن إلى تلك الأشعار التي كُتبت بين عامي 1948 و1952، فإنك ستجد أن المرأة المشار إليها لم تكن هي الأخرى امرأة بعينها. غير أن هذا ما لم يكن الشعراء يودونه آنذاك؛ إلا أننا على ضوء ما حدث بعد عشر سنوات على كتابتهم تلك الأشعار نستطيع أن نرى ما كانوا قد قصدوا إليه.
فلمحمود درويش، مثلاً، قصيدة مشهورة لعلها أن تكون أفضل قصائده <<عاشق من فلسطين>>. في هذه القصيدة يتحدث عن فلسطين كامرأة، فيصفها بأنها فلسطينية العينين، وفلسطينية الشعر، وفلسطينية الثوب،... بل إنه لا يكف عن قول <<فلسطينية، فلسطينية، فلسطينية>> حتى تنسى في النهاية كل ما يتعلق بامرأة فردية بذاتها. وهكذا يتضح لك أن هذا الرجل يمارس الحب مع أرضه. والقصيدة تبدأ بقوله إن عينيها شوكة في قلبه وهو مع ذلك يحبها. وبكلمات أخرى: فالأرض تسبب له عذاب الجحيم لأنه يعشقها لكنها تحت الاحتلال.
إن علينا بالطبع أن نأخذ في الحسبان أن الأشعار قد اتخذت ذلك الشكل الشديد الرهافة لأن على جميع الأشعار وجميع أشكال الأدب المكتوبة تحت الاحتلال والفاشية أن تُكتب متنكرة على هذا النحو. فكثيرا ما يتحدث الشاعر عن امرأة، لكنه يعني فلسطين؛ ويتحدث عن أبيه، لكنه يعني الأمة العربية؛ ويتحدث عن أمه، لكنه يعني أرضه وتاريخها.
ثمة أشعار أخرى، مثلا، يتحدث فيها الشاعر عن امرأة يسميها <<ريتا>>. و<<ريتا>> اسم يهودي؛ فحين تسمع القصيدة تشعر بأن الشاعر يتحدث عن الصهاينة. وفي إحدى القصائد، مثلاً، تطلق <<ريتا>> الكثير من الوعود، لكنها في النهاية تخونها جميعها.
إن شعراء الأدب المقاوم هؤلاء، إذ يكتبون في ظل ظروف صعبة، قد وجدوا طريقة لإيصال أفكارهم السياسية وتطويرها. إن الفارق الأساسي الذي نستطيع أن نتبيّنه بين أفكار هؤلاء الشعراء السياسية وشعراء المنفى هو أن شعر الأوائل قد كان منذ البداية شديد التفاؤل والإيجابية والاجتماعية. لقد تحدثوا على الدوام بنبرة شديدة الإيجابية عن كفاح الفلاحين من أجل أرضهم، وعن حاجات البروليتاريا، وغير ذلك. وعلينا أن نلاحظ أن غالبية هؤلاء الشعراء هم من القرى التي دمرها الإسرائيليون وجرفوها. إنه ليس من المصادفة، إذن، أن يكون أكثر هؤلاء الشعراء قد تمحوروا حول الحزب الشيوعي الإسرائيلي أو تلقوا تربيتهم السياسية فيه.
أود أن أذكر شيئا عن نوع آخر من أدب المقاومة في فلسطين. فعندما تحدثت عن أشعار الغزل كنت أتحدث عن أشعار مكتوبة باللغة الفصحى. غير أن شعب فلسطين حين تُركوا وحدهم عام 1948 كانوا من دون ثقافة مدنية متطورة ومن دون تسهيلات نشرية، وغير ذلك. لقد كان الشكل الأساسي لإنتاجهم الأدبي في تلك المرحلة ما ندعوه بالأدب الشعبي، أي الشعر العامي البسيط.
وإنها لعادة منتشرة في العالم العربي أن يتلو الشعراء العاميون المحليون (الذين يكونون في أكثر الأحيان أميين) أشعارهم في الأعراس وفي مناسبات طقوسية أساسية مماثلة. وإنها لعادة فلسطينية قديمة موجودة في أكثر البلاد العربية كذلك أن يأتي الأهالي بشاعرين من أولئك الشعراء إلى العرس. فيقدم شاعر منهما العروس، فيما يقدم الآخر العريس. وإنه لجزء من الاحتفال أن يقوم الشاعر الذي يمثل العروس فيرتجل أبياتا تمتدحها، وذلك بالتحدث عن خيرها وجمالها وغير ذلك. فينبري الشاعر الآخر ليتحدث عن خير العريس وجماله،... فتحصل مسابقة حول من من الطرفين أفضل، ولا تنتهي إلا بعد مضي عدة ساعات.
لقد تحوّل دور هؤلاء الشعراء بعد عام 1948 بطريقة عفوية إلى دور سياسي، فصاروا يذهبون في ظل الاحتلال إلى الأعراس في قرى عربية و يبدأون بتلاوة قصائدهم؛ فيستهلونها بمدح الفتاة، غير أنهم يقولون عبارات من نوع: <<سوف نريكم أن الفتاة كانت ستكون أفضل بكثير لو كانت الظروف أفضل، ولو كنا لا نعاني التمييز ضدنا، ولو لم تصادر أرض أبيها، إلخ...>>. فيجيب الشاعر الآخر إجابات مماثلة عن العريس. ويتحول كل هذا، وسط تصفيق الناس وحماستهم، إلى مناسبة سياسية.
فجأة صار هؤلاء الشعراء، الذين كانوا يعتبرون على الدوام نوعا من المرتزقة، يؤدون دورا قائدا في القتال ضد الاحتلال. وتحول كل تجمع، كل عرس، كل مأتم، كل حدث أساسي في القرى، وبسرعة لا يمكن لأي إنسان أن يلحظها، إلى تظاهرة سياسية.
لقد أنبئت أن واحدا من هؤلاء الشعراء، اسمه إبراهيم، من <<أم الفحم>>، صار عام 1951/1952 من التأثير والشهرة بحيث إن الإسرائيليين قتلوه ذات يوم حين كان يقود تظاهرة خارجة من عرس! فحتى لو وضعنا المعاني الإنسانية لتلك الأشعار جانباً، فإن حوادث كهذه ترينا مدى أهمية الفولكلور في يقظة الشعب السياسية.
ونتيجة لهذا النوع من الشعر، فقد سن الإسرائيليون قانونا عام 1961 يمنع هؤلاء الشعراء من تلاوة شعرهم علناً. وإني لا أظن أن أي قوة احتلالية أخرى في العالم تجرؤ على سن مثل هذا القانون!
عبر هذا الشعر العامي نما شعراء المقاومة الفلسطينية العظام، أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. إنهم شعراء جيدون جدا، لا سياسيا فحسب بل فنيا كذلك. غير أن <<أباهم>> لم يكن المدرسة التقليدية؛ فهم لم يكتسبوا علمهم من خلال الأدب العربي التقليدي والكتب العربية التقليدية ولا من خلال النظام التعليمي الإسرائيلي. بل إن أباهم قد كان في الحقيقة الفولكلور شعر الشعب. وهذا يفسر لماذا نحس بالدفء والتفاؤل في جميع أشعارهم.
وفي الوقت الذي كان فيه شعر المنفى يغدو سلبيا أكثر فأكثر، كان شعر الأراضي المحتلة يغدو أكثر شجاعة وتحديا. وكان هذا الشعر كذلك ينمو بسرعة على الصعيد الفني.
أما بالنسبة لشعراء المنفى فإن شعرهم لم يتغير إلا بعد الخامس من حزيران عام 1967. ففي البدء، عقب هزيمة الأنظمة العربية ذلك العام، بدأ شعراء المنفى بمن فيهم شاعر مثل نزار قباني قضى اثنتين وعشرين سنة يكتب أشعارا غزلية بكتابة نوع غريب جدا من الشعر. فقباني كتب بعد الهزيمة قصيدة هاجم فيها كل العرب حكومات وشعبا. غير أن الشاعر، بقصيدة من مثل هذا النوع، ما يزال سلبيا؛ ذلك أنه كان يحاول أن يضع نفسه خارج الحكاية، شاتما الناس كلهم، قائلا لهم <<لقد أخطأتم خطأ عظيما>> و<<يجب أن تخجلوا من أنفسكم>>، وهلم جراً.
إن شعر المنفى قد بدأ بالتحول في السنوات الأخيرة فحسب (أواخر الستينيات)؛ فالكثير من الشعراء العرب اليوم يشعرون منذ بداية حركة المقاومة بأن في إمكانهم هم أيضا قول أشعارهم بشجاعة وتفاؤل. إن المواجهة اليومية مع العدو هي التي تجعل ذلك الفن متفائلا. وأما في المنفى فإن الشاعر أو الروائي لم يجد أمامه طوال عشرين عاما سوى نفسه ومشاكله الخاصة؛ وهذا ما لن ينتج فناً متفائلاً.
وأعتقد أن أدب المقاومة الفلسطينية في المنفى يتطور الآن تطورا سريعا جدا. فالشعراء الجدد أولئك التلاميذ الذين يدرسون في جامعة دمشق أو جامعة الأردن أو غيرهما هم الذين التحقوا بالثورة حين بدأت في حزيران. والواقع أن مواهبهم قد تفتحت حين كانوا على الجبهة، وفي المخيمات، وفي معسكرات التدريب. فإنك لتشعر، إذ تقرأ أشعارهم، بنبرة شديدة التفاؤل والشجاعة. إنها النبرة عينها، في الواقع، التي سمعناها وقتا طويلا قادمة من داخل الأراضي المحتلة والتي افتقدناها لحد الآن في أدب المنفيين.
تلك هي بشكل عام صورة تطور شعر المقاومة بين الفلسطينيين المنفيين. الغريب في الأمر أن الشعر القادم من الأراضي المحتلة كان كلي المغايرة. فبعد حزيران 1967 لم يمر هذا الشعر في مرحلة سلبية. وإني لأذكر، مثلا، قصيدة لمحمود درويش في نهاية حزيران، بعد عشرين يوما من الهزيمة. (كان محمود آنذاك ما يزال في فلسطين- الآداب). وفيها يقول ما مفاده أنه سوف ينتظر إثمار حقله رغم أن هذا لم يحصل في الموسم الماضي. وأما توفيق زياد فقد كتب قصيدة يقول فيها إن الحصان لم يكمل السبق لكنه سوف يفعل هذا بعد هنيهة.
وهكذا نجد أن الشعراء لم يتخلوا عن الأمل لأنهم كانوا منخرطين في النضال منذ بدئه. علينا أن نلاحظ أنه على الرغم من حصول تلك التحولات الإيجابية فإن ثمة حملة حقيقية في إسرائيل حملة تربوية تهدف إلى التقليل من أهمية تراث الأدب العربي. فالحكومة الإسرائيلية قد نشرت أدبا عربيا سخيفا و عدميا، ومجلات وروايات جنسية، بهدف الحط من قدر الأدب العربي.
وبالطبع يقول الإسرائيليون أن ليس ثمة مشكلة في أن ينشر كاتب عربي جيدا أعماله الأدبية؛ فالحق أن هذا هو المنطق الإسرائيلي في تبرير وجوده. الإسرائيليون يقولون أن لا مانع لديهم في أن يعبّر العرب أو أي أناس آخرين عن أنفسهم شعراً ورواية وغير ذلك. غير أن الحكومة الإسرائيلية تتدخل حين يصل شكل المعارضة هذا إلى مرحلة التعبئة السياسية. علاوة على ذلك فإننا يجب أن نلاحظ أن الإسرائيليين حين يسمحون بنشر هذه الأشعار فإن ثمة رقابة لا تزول عنها فرضها الحاكم العسكري. فأنت لو نظرت إلى الكتب التي ينشرها الشعراء الفلسطينيون في الأراضي المحتلة فإنك ستجد في الغالب أن ثمة مقطعا ناقصا، أو أن ثمة شعرا لا خاتمة له! وفي قصيدة لدرويش مثلا يطلب من امرأة يحبها أن تأخذه تحت عينيه، وأن تجعل منه حجرا في بيتها؛ غير أن هذا ما تقرأه منشورا فحسب؛ فالواقع أنني تلقيت نسخة أصلية من القصيدة واكتشفت أن لها نهاية يطلب الشاعر فيها من حبيبته أن تجعل منه حجرا لبيتها من أجل أن يعرف الجيل القادم السبيل للعودة إلى البيت. وهكذا تجد أن الرقابة حذفت البيتين الآخرين اللذين أعطيا للقصيدة كلها معناها الحقيقي.
وأحيانا يرفض الحاكم العسكري كتابا كاملا. وإذا أصر الفنان على عمله فإن من الممكن أن يعتقل. بل إن معظم شعراء الأرض المحتلة قد قضوا زمنا في السجن أو تحت الإقامة الجبرية. أحيانا يرسلون بشعرهم خارج الوطن لننشره نحن. وكان هذا أمرا صعبا جدا أول الأمر، لأن العرب داخل الأراضي المحتلة لم يثقوا كثيرا بأولئك العرب الذين يحيون خارجا. وكنت أنا أول من عرّف بأدب الأراضي الفلسطينية المحتلة في العالم العربي، عام 1964/1965. وكان كتابي آنذاك صدمة؛ فلم يقبل به أحد أول الأمر لأن الجميع ظنوا أن ثمة خدعة ما. لكن أعمال شعراء الأرض المحتلة ما لبثت أن قُبلت ورُحب بها ترحيبا عظيما.

الميدل إيست انترناشونال،
نيسان 1975، ص 25 28
ترجمة الآداب

 

حين وُلد فائز ... أطالب نفسي بحقك عليّ!


قبل منتصف الليل بساعة ونصف الساعة ولد فائز..
وحين هتفت الممرضة تقول <<مبروك>>، أحسست به، فائز، يقع فوق كتفي.. وللحظات أحسست بشيء يشبه الدوار، وفي صخب المشاعر التي كانت تجتاحني أحسست بأنني مرتبط أكثر بهذه الأرض التي أمشي عليها؛ كأن وقوعه فوق كتفي قد غرسني عميقا في التراب..
وفي الصبح حملته الممرضة وعرضته أمام عينيّ من وراء الزجاج، وبدا لي قطعة لحم حمراء غبية، مغلقة العينين مفتوحة الفم راعشة الكفين.. عينان أمامهما الكثير لترياه.. وفم عليه أن يمضغ طويلاً، وكفان لا يدري أحد أهما للعطاء أم للأخذ أم لكليهما؟
قال لي الطبيب الواقف إلى جانبي:
ما هو شعورك؟
لا شعور لديّ..
أبدا؟
أبدا..
كأنني كنت أقول لنفسي إن في الوقت متسعا لملايين من المشاعر، متسعا للغضب والفرح والمفاجأة والخيبة والسعادة والشقاء والضحك والأسى والحب والكره والانتظار والملل.. ملايين من اللحظات المترعة بغزارة كل ما في هذه الأرض من تناقض..
وفي الغرفة الأخرى كانت أمه ملقاة فوق الفراش. لقد نسيت كل الآلام التي اجترعتها في سبيل أن يولد، نسيت كل الدموع التي أهرقتها في العشرين ساعة الماضية، نسيت كل شيء. كأن الحب الجديد الذي ملأها فجأة، حين قالوا لها إنها وضعت، الحب الغزير الذي لا يمكن أن يحمله إنسان لإنسان إلا الأم لابنها.. كأن هذا الحب قد غسل كل شيء بيد أسطورية..
وبينهما، هو بين يدي الممرضة وراء الزجاج، وهي في سريرها غير قادرة على أن تخطو لتراه معي، كنت أقف أنا مغسولا بالحب والخوف، صافيا كأنني من زجاج: ليس ثمة أي شيء أفكر به أو أهتم له، مجرد رجل يقف مثل ملايين الرجال الذين لا يعرفون حقيقة المستقبل، عاجزا ضئيلا صغيرا أمام المجهول الذي يطوقه بزوجة يريد أن يعطيها ماء عينيه، وولد يريد أن يهبه نبض شرايينه.. واقفا هناك كما لو أن المشاعر الجديرة بأن يحملها أثقل من أن يحملها، فتركها تحوّم حوله كهواء له صوت وله رائحة وله ثقل، تمسه كما تمس الحجر وتغوص في كيانه حتى ليجهل أهو الذي نفثها أم هي التي نفثته.
وحين أنامته الممرضة من جديد خطوت عائدا إلى غرفة زوجتي.. ولكن ما إن سمعت صوت خطواتي حتى عدت إلى عالمي، عالم جديد مطوّق بشيء اسمه حب حقيقي.. حب لا إلزام فيه ولا جزاء.. حب لذاته، بلا تعويض بلا بديل بلا ثمن بلا خوف، حب صاف لم أحس به أبدا من قبل، أبدا أبدا، حب لذلك الطفل الذي ولد مني، بسببي ومن أجلي، وكان ثمنه حبي لها، وحبها لي، ليس غير.. حب لا غاية له ولا هدف، حب مترع بالعطاء، يطوف في صدري حتى أحسه ينسكب في جسدي كما لو أنه ينضح ندى فيبتعث في فرحة العطاء الحقيقي الذي لم يلوث بعد بتعقيدات الحياة، بقانون <<خذ وهات>>، وقانون <<أنت وأنا>> وقانون <<أين ولماذا وكيف>>.. مجرد عطاء محض غير مشوب بأي سؤال أو طلب أو انتظار أو تلكؤ أو تردد.. مثل ماذا؟ مثل لا شيء، مثل ذاته ليس غير.. لو قدّر لنبعة الماء أن تحس، إذن لأحسست ذلك الشعور، العطاء المحض الذي يخلق من جديد كلما شرب عابر من مائها..
وحين نظرت في عيني آني فهمتهما، ولست أدري لماذا أوشكت أن أبكي، بل إنني أحسست بالدموع تطوّف في حلقي مثل الغصة.. وبذلت كل طاقتي لأقول أي شيء. عبثا! لم يكن في لساني إلا ذلك التساؤل الغبي: إذا أعطيتم الطفل حق البكاء حين يولد، أفلا تعطونني هذا الحق حين أولد أنا بولادته؟ أليست كل الأيام التي خلفتها وراء ظهري قد ذابت الآن؟ ألا يحق لي أن أفعل كل الذي أشاء وقد عثرت على قطعة السكر في قاع الكأس الذي اجترعت مرارته كل شبابي؟؟
ولكنك كنت وراء الزجاج يا فائز، بيني وبين لمسك مثل ما بين اليوم واليوم.. نائما هناك في غطائك الأبيض، تعني للمستشفى رقما مربوطا إلى زندك ليميزك من بين عشرات المواليد الذين يشاطرونك الغرفة.. وأما بالنسبة لي فإنك تعني الحياة المزدوجة، حياتك، وحياتنا: أمك وأنا..
أوتدري متى بدأت أفكر بك؟ أقول <<أفكر بك>>، وقد أحسست بك كل الوقت؟
حدث ذلك حين دخلت الممرضة لتأخذ أمك إلى غرفة أخرى:
لماذا؟
لأن هذه الغرفة خاصة بالدرجة الثانية، وأريد أن آخذ زوجتك إلى غرفة الدرجة الأولى..
ولكنها مسجلة في الدرجة الثالثة!؟
الثالثة؟ أوه، عفواً إذاً، لقد حسبت أنها مسجلة في الدرجة الأولى..
عندها فقط جعلوني أحس بأنني فقير.. وبأنني لن أعطيك الحياة التي يستطيع غيري أن يعطيها لابنه.. ولأن هذا كله قد يعني لديك غدا شيئا..
لا تحسب أنني لا أريد أن يعني هذا لديك أي شيء! الأمر لا يتعلق بك، إنه يتعلق بي أنا فقط.. لست أريد أن يشوب عطائي أي ندم..
أنا، يا فايز، لا أطالبك بحق الأبوة في المستقبل.. هذا الحق الذي لا قيمة له إذا طالب المرء به. إنما أطالب نفسي بحقك عليّ، وهذا هو كل شيء عندي الآن.. لقد اكتشفت الآن فقط أن كل شيء سيبدو تافها لو طالبتك بأن تعوّض لي سعادتي بأبوتي لك.. ولكنني لن أغفر لنفسي تقصيري بالمضي في هذه السعادة حتى آخر الشوط، بلا مقابل، بلا تعويض. هذه قضيتي أنا... أتعرف معنى هذا؟
.. وأنا أخرج من غرفة أمك عرفت أيضا معنى الهمّ.. ذلك العبء الذي يثقل أكتاف الرجال لأنه ينبع من الداخل، عميقا من الداخل، والذي يعطي الحياة ذلك الحافز النبيل الذي يفتقر إليه رجل لا يعرف معنى العبء الذي ينبع من الداخل.


عثرنا على هذه المقالة في بعض يوميات غسان كنفاني؛ وليس للمقالة عنوان.

 

مقتطفات..

 

إن موجة النقد الموجهة الآن، وأحياناً بلا رحمة، إلى حركة المقاومة ينبغي ألا تخيفنا. فالثورات تشبه أحياناً الإنسان نفسه: إنه حين يكون في القمة يحاط بالدفء والدعم والتصفيق ويبدو مقدساً وبعيداً عن اللمس؛ وأما حين يتراجع إلى السفح فإنه يعاني من برودة الوحدة المؤلمة ويستمتع الآخرون بنقده وإيذائه، بل قد يرون الصواب فيه خطأ!
الهدف



<<كنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية ولا الصورة، ولا السلم، ولا الحليصة، ولا خلدون (أخاه الذي صار في الجيش الإسرائيلي). ومع ذلك، فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها. وبالنسبة لنا، أنا وأنتِ، فلسطين مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة. وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار.. غبارا جديدا أيضاً!>>.
سعيد س. مخاطباً زوجته، عائد إلى حيفا



غني عن القول أن العامل الأهم في كسب التأييد لقضية ثورة معينة هو بالدرجة الأولى إنجازاتها في ميدان القتال وصلابتها النضالية.
الهدف 27/2/1971



<<لقد رأيته ينزف حياته بعيني. كانوا يحملونه ملفوفاً بمعطفين ملوثين فوق الدرج. وأخذت ذراعه المتدلية بين الرجال، عارية صفراء، تهتز جيئة وذهابا كأنها تدعوني إلى اللحاق به. فارتقيت الدرج وأنا أنشج، بين خطوات الرجال الثقيلة الثابتة>>.
حامد، ما تبقى لكم



<<الحبوس أنواع يا ابن العم! أنواع! المخيم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والراديو حبس، والباص والشارع وعيون الناس.. أعمارنا حبس، والعشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس. تتكلم أنت عن الحبوس؟ طول عمرك محبوس... لماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس؟ محبوس لأنه لم يوقع ورقة تقول إنه <<آدمي>>؟ آدمي؟ من منكم آدمي؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى، ومع ذلك فأنتم محبوسون>>!
أم سعد



<< إن هذه الكيلومترات المئة والخمسين (في الصحراء الفاصلة بين العراق والكويت) أشبّهها بيني وبين نفسي بالصراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار. فمن سقط عن الصراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة. أما الملائكة هنا فهم رجال الحدود>>!
أبو الخيزران، رجال في الشمس



<<ومتى تكفّون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيّرة لحساب ميزاتكم؟... مرة تقولون إن أخطاءنا تبرّر أخطاءكم، ومرة تقولون إن الظلم لا يصحح بظلم آخر. تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه..!>>.
سعيد س. مخاطباً يهوداً احتلوا بيته، عائد إلى حيفا



إن الزوجة هي قيمة اجتماعية رائعة. ولكن، لكي تظل أنثى فإنه يتوجب علينا أن نعرفها أقل. وكي نجعلها تتوقد أكثر يجب أن نحوّلها كلما مضت للفراش إلى امرأة أخرى، امرأة ثانية.
صالح، في من قتل ليلى الحايك؟



<<أريد أن أعيش حتى أراها (أي فلسطين). لا أريد أن أموت هنا، في الوحل ووسخ المطابخ... أنت تعرف كيف تكتب الأشياء. أنا لم أذهب إلى مدرسة في عمري، ولكننا نحس مثل بعضنا. يا ربي! ماذا أقول؟ أمس في الليل فكّرت بذلك جيداً، ووجدت الكلمات المناسبة، وفي الصباح نسيتها! طيب! أنت تكتب رأيك. أنا لا أعرف الكتابة. ولكني أرسلت ابني إلى هناك (مع الفدائيين). قلت بذلك ما تقوله أنت. أليس كذلك؟>>.
أم سعد



<<سأظل أنتقد: في حدود ما يستطيع صبري أن يكتب والورق أن يحتمل وعبر هذا الانتقاد سأزيد في ولائي للقضية التي نعيش جميعنا من أجلها وسنموت وهي تنبض لما تزل فينا>>.
ملحق الأنوار 14/7/1968



<<أنا الذي أعرف أن الكلمة عندنا وسيلة، وأنها إن لم تستطع أن تتحول إلى حجر في يد الأعزل، إلى جواد تحت رجل طريد، إلى رمح في يد فارس، إلى ضوء في عيني أعمى، فلتسقط إلى النسيان والغبار والصدأ>>.
ملحق الأنوار 21/1/1968



<<الحجاب القديم صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين. وذات يوم قلت لنفسي: <<ذلك رجل دجال بلا شك>>. حجاب؟ إنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنين؛ ظللنا فقراء، وظللنا نهترئ بالشغل، وتشردنا، وعشنا هنا (في المخيم) عشرين سنة. حجاب؟ هناك أناس ينتفعون بالضحك على لحى الناس! ذلك الصباح قلت لنفسي: إذا مع الحجاب هيك، فكيف بدونه؟ أيمكن أن يكون هنالك ما هو أسوأ؟>>.
أم سعد



<< يزوّجه ندى! من الذي قال له إنه يريد أن يتزوج ندى؟ لمجرد أن أباه قرأ معه الفاتحة حين وُلد هو ووُلدت هي في يوم واحد؟ إن عمه يعتبر ذلك قدراً، بل انه رفض مئة خاطب قدموا ليتزوجوا ابنته، وقال لهم إنها مخطوبة!>>.
أسعد، رجال في الشمس

 

 

كل ما ورد أعلاه منقول عن مجلة الآداب- العدد الخاص عن الشهيد كنفاني

 

 

 

 

 


تصاميم غسان هذه ليست لي