|
أحمد دحبور
بعد
يومين والثالث، يوقظنا غسان كنفاني على وقع ذكراه
الرابعة والثلاثين. ففي الثامن من تموز 1972، وكان
يوم سبت أيضاً كما هو في هذه الذكرى، كان المحامي
العكاوي فايز كنفاني يجلس الى اصدقاء له وزملاء،
عندما تصدر نشرة أخبار لندن نبأ >مقتل قيادي
فلسطيني بارز في بيروت..< ووقف ابو غازي واضعاً
يده على قلبه هامساً: انه ابني.. انه غسان..
اما انا فكنت مستلقيا، في مخيمنا الحمصي، ألتهم
السطور الأخيرة من رواية >عائد الى حيفا< التي
اهدانيها غسان - هي ورواية كانت السماء زرقاء
للكاتب الكويتي اسماعيل فهد اسماعيل - وذلك قبل
يومين من ذلك التاريخ عندما كنت في زيارة لبيروت.
وجاء النبأ فوقفت مذهولا شبه مشلول، ولم تلبث أن
انطلقت صرخة الفجيعة من أحد أزقة المخيم، لتعلن
أمي بعد أقل من دقيقة: إنها أم سمير.. قتل اليهود
ابن شقيق زوجها في بيروت..
أربع وثلاثون سنة يا أبا فايز. ولا يزال دمك أخضر،
طريا، يعبر ابتسامتك الخالدة، وما زلت أنهل فلا
أرتوي من نتاج سنواتك القليلة التي عشتها على
الارض. فمنذا يصدق أن ابن السنوات الست والثلاثين
قد انتج هذا كله: روايات، قصص قصيرة، مسرحيات،
تمثيلية اذاعية، نقد، كتابات سياسية، رسوم، شعر..
وفي كل جنس ادبي حضور وتميز، حتى أن المكان لا
يزال شاغرا ولا أظن كاتبا فلسطينيا يقدر على الزعم
انه ملأ ذلك المكان..
هو ذا انا يا معلمي - ولست الا واحدا من مئات
تتلمذوا على يديك - اعودك في الموعد، في ذكرى
استشهادك، فأضع وردة معنوية، اذ لا أملك الوصول
بوردة برقوق نيسان الذي تحب، فأزرعها على ثراك،
وأزرع مثلها على قبر لميس بنت شقيقتك فايزة،
ومثلها على قبر كمال ناصر، الشاعر الشهيد الحاضر
فينا، الذي اوصى ان يكون الى جانبك فكان له، وهو
البروتستانتي، مكان بين احبائه من المسلمين..
لم أخلف الموعد يا أبا فايز، واذا ساقتني المصادفة
مبكرا يومين او ثلاثة، فلأحقق ما قطعته على نفسي،
من أن أكتب شيئا يتعلق بك، في كل عام، في مثل هذه
الأيام..
هذه المرة يختلف الخطاب ولا يتغير الايقاع. فلست
اقدم نصا ادبيا او فنيا او نقديا، بل اذهب الى
كتيبك الذي بحثت عنه طويلا الى ان اعاد طباعته
رفقاؤك في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هذا
الكتيب هو: >ثورة 63 - 93 في فلسطين: خلفيات
وتفاصيل وتحليل<.. وقد كان طبيعيا ان تخوض غمار
التحليل التاريخي. فأولا لم يكن هذا جديدا عليك،
وثانيا: كنت معنيا بقراءة الماضي لنتمكن من فهم
الراهن واستشراف المستقبل..
ذلك
التاريخ
شأن من يطلبون العبرة من الحدث، يبدأ غسان كنفاني
كتابه هذا بجملة تراجيدية تقول: >بين 1936 و1939
تلقت الحركة الثورية الفلسطينية ضربة ساحقة<.
وهكذا بدأ بالنتائج التي لن تفاجئنا ما دامت قد
اصبحت تاريخا نحن ضحاياه المؤتمنون على تركته.
ولكن التاريخ يؤخذ بقراءات مختلفة. وقد اختار
القراءة النقدية المتمحصة، غير مبرأ تماما من نبرة
يسراوية تحتاج الى روية. فقد حدد مصدر الضربة
الساحقة بثلاث نقاط: القيادات الرجعية المحلية،
والأنظمة العربية المحيطة بفلسطين، والحلف
الامبريالي الصهيوني. واذا كانت النقطتان
الأخيرتان غير خلافيتين، فان في النقطة الاولى بعض
التجني على البرجوازية الوطنية الفلسطينية، ولسوف
يستدرك غسان بعد بضعة عشر سطرا فيذكر سببين - هما
في الحقيقة سبب واحد - لوقوف هذه الطبقة في الموقع
الوطني. هذان السببان >او السبب< هما، او هو، ان
الحركة الصهيونية كانت من القوة والفاعلية بما
يكفي لتشكيل خطر مركب، سياسي واقتصادي، وهو ما دفع
الامبريالية البريطانية - في كل مكان من هذه
الصفحة استخدم مصطلحات غسان الا عندما افترق عنه
فأشير الى خلاف ذلك - الى البحث عن عميل ملائم
اكثر من القيادات العائلية، هذا العميل هو الحركة
الصهيونية التي جرى توظيفها بدل تلك الطبقات.
ويبدو ان النبرة اليسراوية قد واصلت عملية
الانزياح النسبي. فالامبريالية البريطانية لم
تفاجأ بقوة الحركة الصهيونية حتى تحلها محل الطبقة
البرجوازية العربية، لأن هذه الامبريالية - كما
سيشرح غسان بكفاءة وصبر موضوعي - هي التي وفرت
للحركة الصهيونية اسباب القوة. ولا نستطيع ان نقر
فكرة تحول المجتمع اليهودي من اقطاعي الى رأسمالي.
وذلك لسبب بسيط، هو انه لم يكن هناك ملاك اقطاعيون
من اليهود، بل أتوا، او جيء بهم عبر التسهيلات
البريطانية، ليسيطروا على مقدرات الانتاج المتوفرة
- وبعضها شديد الأهمية مثل مصفاة حيفا - فكانت
ولادتهم، منذ البداية، رأسمالية في حضن استعماري.
وغسان كنفاني هو الذي يضع بين ايدينا المعلومة
المذهلة القائلة انه >في عام 1935 مثلا، سيطر
اليهود على 872 مؤسسة صناعية في فلسطين من اصل
1212 وهيمنوا على 90% من الامتيازات التي تمنحها
حكومة الانتداب< وهؤلاء اليهود لم يكونوا قبل ذلك
اقطاعيين او فلاحين، بل هم قادمون من مجتمعات
اوروبا الصناعية إثر العسف العنصري الهتلري.
سيورد غسان في هذا السياق نقطتين هامتين: الاولى
ان الغرب الرأسمالي هو المسؤول عن مأساة اليهود في
اوروبا، وهو الذي دفعهم دفعا الى فلسطين عندما
اغلقت امريكا وبريطانيا ابوابهما في وجوه الفارين
من النازي في سنوات الحرب العالمية الثانية وما
سبقها. وهو ما شجع بروز نزعة فاشية لدى اليهود
الذين أتوا الى فلسطين ساخطين على من اضطهدهم وعلى
من لا يفتح لهم ابوابه، وان فتح لهم ابواب الآخرين
- الفلسطينيين.
النقطة الثانية هي أن هذه الاوضاع الشاذة في
فلسطين دفعت القيادات التقليدية الى التزام الكفاح
المسلح حتى انها رفعت شعارات تقدمية، وهذا يتعارض
مع كون هذه القيادات احدى النقاط الثلاث التي ضربت
الحركة الثورية كما جاء في البداية.
عمال وفلاحون
وقفت الصهيونية في فلسطين، بالتحالف مع
البريطانيين، في وجه نشوء حركة بروليتارية يهودية
تقدمية. فقد كان شعار >اليد العاملة العبرية فقط،
والانتاج العبري فقط< يبلور نزعة فاشية لدى العمال
اليهود. وكانت السياسة المتبعة هي تحويل الاقتصاد
الزراعي العربي الى اقتصاد صناعي يهودي. وحين كانت
عاملة النسيج الفلسطينية تحصل على ثلاثين قرشا في
الاسبوع، كانت العاملة اليهودية في شركات التبغ
تحصل يوميا على ما يتراوح بين 170 و230 قرشا.
ويورد غسان ارقاما لأعداد المهاجرين اليهود
والأموال التي معهم، تثير الفزع. فيقول مثلا إن
150 الف يهودي قد هاجروا الى فلسطين بين عامي 1933
و1935، وبعد ذلك دخل 1380 من اليهود يملكون الف
ليرة فلسطينية، وبعدهم 17119 ممن يعتمدون عليهم،
ثم دخل 130 الف يهودي وصفوا رسميا بأنهم قادمون
للاستخدام او انهم معتمدون على من سبقوهم. ونشأ
تناقض بين الأيدي العاملة الوافدة والأيدي
الفلسطينية التي تراجعت أجورها بنسب توضحها
المقارنة بين هؤلاء واولئك. فالمعدل العام في
زيادة اجور اليهود وصل الى 731 في المئة واحيانا
الى 334 في المئة. وبالاجمال هبطت اجور العرب
بنسبة 10% وهي النسبة التي تحولت الى زيادة في
اجور اليهود.
لقد بدا واضحا ان الانتداب البريطاني كان يسهل
لرأس المال اليهودي ويمكنه من السيطرة على البنية
التحتية للاقتصاد الفلسطيني.
فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل من عمال يافا عام
5391 سبعين ومئتين والفين عندما كان عدد سكان
المدينة، حسب الاحصاءات الرسمية، لا يتجاوز الواحد
والسبعين الفا. ويقتطف غسان من اوراق الزعيم
العمالي جورج منصور ان تلك الفترة قد شهدت زيادة
في عدد عمال الهستدروت حتى اصبحوا واحدا واربعين
الف عامل في تسعة اشهر فقط. ووصل عددهم - حسب
صحيفة دافار الصهيونية عام 1936 - 150 الف عامل
بينما نزل عدد العمال العرب في اربع قرى فقط، هي
ملبس وديران ووادي حنين والخضيرة، من 6214 الى 677
فقط.
اما الفلاحون الفلسطينيون فقد كانوا يعيشون اوضاعا
مزرية يحسدهم عليها العمال. زد على ذلك ان الوعي
الفقير كان يدفع بالفلاح الى المدينة، وكان صغار
الملاكين يبيعون اراضيهم المحدودة للاغنياء بهدف
شراء السلاح للدفاع عن النفس. وكان هؤلاء الأغنياء
بمعظمهم من الأسر العربية غير الفلسطينية التي
اقطعها السلطان العثماني ارضا في فلسطين لقاء
خدماتها، ولم يتردد هؤلاء في بيع بعض الأراضي
لليهود. كما فعلت اسرة سرسق اللبنانية في ارض مرج
ابن عامر بين حيفا وجنين، وتلك حقائق موثقة في
السجلات ومثبتة تاريخيا.
رافق هذا الوضع المزري تدن في الوعي الطبقي، عبر
عنه غياب دور الحزب الشيوعي، وضعف البرجوازية
العربية الصاعدة، وهو ما رشح القيادات الاقطاعية -
كما يؤكد غسان كنفاني - للعب دور رئيس عندما
تصاعدت الأحداث الى انفجار 1936.
احوال المثقفين
يربط غسان كنفاني، تلقائيا، اوضاع التعليم في
فلسطين النصف الاول من القرن العشرين بالاوضاع
الثقافية. فما كان للمثقفين ان يظهروا ما لم
يكونوا متعلمين. وقد كانت احوال التعليم الفلسطيني
في الويل عام 0391، عندما رفضت الحكومة البريطانية
14% من طلبات الالتحاق بالمدارس العربية. وفي 008
قرية فلسطينية كان هناك خمس عشرة مدرسة للبنات
وتسع وستون ومئتا مدرسة للذكور. ووصلت خمس عشرة
فتاة قروية فقط الى الصف السابع الابتدائي. وكان
هناك 715 قرية فلسطينية ليس فيها أي نوع من
المدارس لأي من الجنسين. اما في عام 1391 فلم
تتجاوز نسبة المتعلمين الذكور لدى المسلمين 52%
اما الفتيات فقد كانت المتعلمات منهن ثلاثاً
وثلاثين من كل ألف فتاة. واذا ارتفعت النسبة بين
المسيحيين الى 517 في الألف بين الذكور و144 في
الألف بين الإناث فان 439 في الألف بين اولاد
اليهود كانوا متعلمين و787 في الألف من بناتهم كن
متعلمات.
ويضيف غسان الى هذه الأرقام المهولة ان الثقافة
الريفية السائدة في فلسطين كانت مثقلة بالوعي
البائس الذي تحبطه الأمثال والعادات الشعبية التي
تمجد الحاكم وتدعو الى الخضوع له. وهو ما أفرز،
بالضرورة، أعدادا من الشعراء الشعبيين والقوالين
المتمردين الذين كانوا يحثون على الثورة ورفض
الواقع.
ولكن المفارقة التي يثبتها غسان كنفاني بكل فخر،
هي أن عوامل كثيرة مع ذلك قد جعلت من فلسطين مركزا
ثقافيا عربيا.. >وكانت الحركة الدائبة للمثقفين
المهاجرين من والى فلسطين عاملا اساسا في ترسيخ
الدور الثقافي< وكذلك الارساليات، وحركة الترجمة،
ونشاط الصحافة، حيث بلغ عدد الصحف الفلسطينية في
عام واحد خمسين جريدة عدا المجلات والدوريات، وقبل
انفجار ثورة 1936 اضيفت عشر صحف جديدة على الأقل.
كان رواجها واسعاً.
ويتوقف غسان مطولا نسبيا، عند شخصية الشاعر
اللبناني وديع البستاني الذي عاش في فلسطين وكان
له دور ثقافي وطني، رد خلاله على الشاعر العراقي
معروف الرصافي الذي مالأ المهاجرين اليهود. وكان
الانصاف يقتضي الاشارة الى محدودية الوعي في تلك
المرحلة الملتبسة. فالرصافي الذي لم يفهم المشروع
الصهيوني ومخاطره هو الذي بشر باعتناق الأفكار
البلشفية في قصيدة له لم يشر اليها غسان، وفيها:
للاجنبي مطامع في ارضكم لا تنتهي الا بأن تتبلشفوا
لكن غسان سجل، بكل اعتزاز، دور الشعراء
الفلسطينيين الرواد في ايقاظ الوعي الوطني كما عبر
عنه المعلمون الثلاثة ابراهيم طوقان وعبد الكريم
الكرمي >ابو سلمى< وعبد الرحيم محمود الذي ربط
القول بالفعل فامتشق البندقية واستشهد في معركة
الشجرة يوم 31/7/8491.
كما نوه بدور فريق من المثقفين الفلسطينيين الرواد
مثل خليل السكاكيني واسعاف النشاشيبي ونجاتي صدقي،
وفيهم المثقف الثوري، والبرجوازي الوطني،
والماركسي الرائد، كما اشار الى النضال النقابي
وشهدائه من امثال ميشيل متري وسامي طه ولكن اتهام
غسان للقيادات التقليدية الفلسطينية بتصفية هذين
القائدين هو اتهام يحتاج الى كثير من التحقيق
والتحقيق لأن جماعة الحاج امين بدورها تتهم
اليسار..! فيا لأخطاء التهم الجزافية..
والعجيب ان غسان لم يتعرض للدور البارز الذي جسده
الشاعر الشعبي نوح ابراهيم في الدعوة الى الثورة،
ومواكبة احداثها، وهو ما انتهى باستشهاد هذا
الشاعر في معركة طمرة الجليلية عام 1937.
الثورة وتداعياتها
يورد غسان كنفاني ثلاثة اسباب اجرائية لانطلاقة
ثورة 1936 في فلسطين، لكنه يعتصم بالسبب الجوهري
الذي لا ينكره مؤرخ منصف. أما الأسباب الاجرائية
فهي واقعة 19/4/1936 عندما هاجمت حشود من العرب
مجموعات من اليهود في يافا. وواقعة الشيخين
القساميين فرحان السعدي ومحمد الديراوي اللذين
قادا هجوما على حافلات بين عنبتا ونور شمس،
والواقعة الثالثة سابقة زمنيا فقد طوقت حامية
عربية، مؤسسة لمقاولين صهاينة في يافا وذلك في
شباط من العام نفسه. اما السبب الجوهري فهو ان
ثورة الشيخ الشهيد عز الدين القسام الذي استشهد في
يعبد، قضاء جنين، في شهر تشرين الثاني من عام
1935، قد اعطت أكلها، وحان قطاف ثمارها يوم
19/4/1936.
اما العوامل الذاتية والموضوعية للثورة، فهي - حسب
غسان - انتشار الروح القومية العربية، وازدياد
هجرة اليهود، وتنامي تأثير الحركة الصهيونية في
السياسة البريطانية، وفزع العرب من انتقال الاراضي
الى ايدي اليهود، وعدم وضوح المقاصد النهائية
للانتداب البريطاني. ولهذا تجسدت المطالب
الفلسطينية في وقف الهجرة اليهودية، وحظر نقل
ملكية الأراضي الى اليهود، واقامة حكومة ديمقراطية
يكون النصيب الأكبر فيها للفلسطينيين العرب وفقا
لغالبيتهم العددية.
بالعودة الى ظاهرة القسام، يشرح غسان عناصر شعبية
هذا الشيخ الأزهري، العربي السوري، المجاهد مشيرا
الى ان القسام شارك في ثورة سورية ضد الفرنسيين في
حوران، والواقع أن القسام شارك في هبة السيد عمر
البيطار في دمشق، وثورة الشيخ صالح العلي في
الساحل السوري. ومن الصحيح الأكيد ان القسام الذي
أسس تنظيم الجهادية في فلسطين لم يكن ينوي
الاشتباك في معركة يعبد، لكنه وقع في كمين، فكان
عليه ان يقاتل حتى الاستشهاد، هو الذي كان قادرا
على الفرار والنجاة. وقد خرج عشرات الألوف في
جنازته من حيفا الى قرية بلد الشيخ، وليست قرية
الياجور كما ذكر غسان. وشاركت طبقات الشعب كلها في
مسيرة الجنازة ولم تقتصر على الفقراء كما كتب غسان
الذي قال ان القسام قد استشار الحاج امين الحسيني
في الثورة لكن هذا نصحه بالتريث حتى تنضج الظروف.
والواقع أن هذا رأي القسام أيضا، بدليل أن أبا
ابراهيم الكبير قد انشق - فترة محدودة ثم عاد -
احتجاجا على تريث القسام.
حين انطلقت الثورة كان هناك ستة أحزاب فلسطينية
ذات طبيعة مدنية، وقد شاركت هذه الأحزاب، كل على
طريقته وحسب امكاناته في هذا العمل الوطني الذي
استمر ثلاث سنوات. وكانت الحركة الوطنية قد توجت
ثورتها بالعصيان المدني الذي شل البلاد في اضراب
شامل استمر ستة اشهر، وهو ما يوصف بأطول اضراب
مدني في التاريخ.
ويأخذ غسان على بعض الاحزاب والشخصيات الوطنية
انها حاولت زيارة لندن لرفع مطالب الشعب. والواقع
ان تلك حركة مألوفة في سياق زمنها، فقد كان
الفلسطينيون يرون في حركة الوفد المصري بزعامة سعد
زغلول اسوة حسنة. ولكن المحاولة الفلسطينية أخفقت.
وانخدع الفلسطينيون، بقيادة حركتهم الوطنية التي
كان يتزعمها الحاج امين الحسيني، بنداء الملوك
العرب لايقاف الاضرار ابداء لحسن النوايا تجاه
الانتداب البريطاني ذي الكلام المعسول والدور
الشنيع المنحاز الى الطرف الصهيوني.
ملاحظتان هامتان
هما ملاحظتان يسميهما غسان كنفاني مسألتين. اما
الاولى فهي ان العرب اتصلوا باليهود مقترحين
التوصل الى نوع من الاتفاق على اساس قطع علاقتيهما
مع بريطانيا، وان اليهود رفضوا ذلك باعتبار ان
علاقتهم ببريطانيا جوهرية. وقد ترافق ذلك مع
ارتفاع عدد نشطائهم الذين يخدمون في سلك الشرطة،
وفي اواخر عام 1936 اذنت الحكومة بتجنيد اربعين
ومئتين والف من اليهود كبوليس اضافي مسلح ببنادق
حربية، وارتفع العدد بعد شهر الى ثلاثة وستين
وثمانمئة والفي مجند، ولعب ضباط بريطانيون دورا
بارزا في قيادة مجموعات يهودية للهجوم على قرى
عربية.
ان هذه المعلومة الخطيرة تكشف عن سذاجة الاقتراح
العربي الفلسطيني الذي لم يدرك من قدموه عمق الصلة
التي تربط هؤلاء المهاجرين الغزاة بالمستعمر
البريطاني من جهة، وتفضح من جهة ثانية اسطورة
الرواية الصهيونية التي تقول ان اليهود قد حققوا
الاستقلال عن بريطانيا بفعل المقاومة، مع ان الأمر
لا يعدو حقيقة ان الانتداب البريطاني قد قام
بتسليم فلسطين لليهود على حساب أهلها العرب.
وعندما كان الانتداب يغذي اليهود الصهاينة بالسلاح
ويشاركهم هجومهم على العرب، كان يسن قوانين مشهورة
جدا، ذكرها غسان في كتابه هذا، تنزل اشد العقوبات
بالعربي الذي يحمل اي نوع من السلاح حتى لو كان
مجرد عصا.
اما الملاحظة - او المسألة - الثانية، فهي ان وجود
زعامة الثورة خارج فلسطين، في دمشق، جعل دور
القيادات المحلية المنحدرة من الفلاحين دورا اكبر
مما كان في الحقبة المنصرمة. ويضرب مثلا على ذلك
ببروز شخصية القائد الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد.
ولا ادري كيف واتت غسان، رحمه الله، جرأة على هذه
المبالغة العجيبة. وليست هذه المرة الاولى التي
يقع فيها اسيرا للنبرة اليسراوية الطبقجلية، فقد
سبق له ان اشار - سامحه الله - الى ارتباك الحاج
امين الحسيني من اغتيال اندروز حاكم الجليل عام
1937. واستطيع ان اشهد امام الله والتاريخ انني
كثيرا ما اجتمعت الى المجاهد المرحوم احمد التوبة
الشهير بأبي غازي الذي قام بتصفية الجنرال اندروز،
وقد اخبرني وأخبر كثيرين غيري انه انما كان ينفذ
بذلك امرا مباشرا من الحاج امين، وان كان هذا لا
ينفي ان اللجنة العربية العليا كانت مضطرة الى
اعلان استنكار العملية لاسباب تكتيكية.
ويورد غسان اسباب اخفاق الثورة، كما حددها الحزب
الشيوعي الفلسطيني، بغياب القيادة الثورية، وفردية
قادة الثورة وانتهازيتهم، وعدم وجود قيادة مركزية،
وضعف الحزب الشيوعي نفسه.. وهذه الاسباب التي
اوردها هذا الحزب كفيلة بالرد على ان الشيوعيين هم
الذين ايدوا قيادة الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد،
اما التاريخ المنصف فسوف يتكفل، كما ارجح، بتأكيد
مباركة الحاج امين لدور الحاج محمد ورفقائه، حتى
ان كثيرين من منتقدي قسوة القيادات المحلية للثورة
والاحكام السريعة بالاعدام، كانوا يضعون المسؤولية
في ذلك على الحاج امين الحسيني، باعتباره المسؤول
الاول عن تلك القيادات المحلية.
الخسائر البشرية
يعتمد غسان كنفاني على الوثائق البريطانية - فخير
الوثائق ما يعترف بها الاعداء - لاجمال الخسائر
الفلسطينية بين شهيد وجريح في ثورة 1936 - 1937،
بعدد لا يقل عن اثنين وتسعين وسبعمئة وتسعة عشر
الفا، وتثبت الاحصاءات انه في عام 1936 استشهد
1200 عربي فلسطيني، و120عام 1937، و1200 عام 1938،
ومثل هذا العدد عام 9391، كما اعدمت حكومة
الانتداب اثني عشر ومئة عربي فلسطيني. وذلك يجعل
عددد الشهداء في تلك الثورة اثنين وثلاثين وخمسة
آلاف، وعدد الجرحى ستين وسبعمئة واربعة عشر الف
عربي فلسطيني. اما اعداد المعتقلين فكانت تتصاعد
من ستة عشر وثمانمئة عام 1936 الى تسعة وسبعين
وستة وخمسين الف معتقل عام 1936. وحتى ندرك حجم
هذه الخسائر اقام غسان كنفاني مقارنة نسبية، فوصل
الى ان عدد هؤلاء الشهداء والجرحى في شعب صغير
كالشعب الفلسطيني، يعادل وقوع مئتي الف قتيل
وستمئة الف جريح في بريطانيا مع مليون واربعة
وعشرين ومئتي الف معتقل. اما بالنسبة الى
الامريكيين فانها توازي مقتل مليون امريكي واصابة
3 ملايين بجروح واعتقال مليون و120 الف مواطن!!
على ان الخسارة الحقيقية، كما يرى غسان بحق، كانت
في ذلك النمو السريع لأسس الوجود الاستيطاني في
فلسطين عسكريا واقتصاديا. ويذهب احد المؤرخين
الاسرائيليين الى حد الاقرار بأن ظروف الانتصار في
8491 كانت قد تبلورت إبان فترة ثورة 1936. اما
خسائر اليهود في تلك الفترة كما تجملها مجلة
معراخوت الصهيونية فتقدر بخمسة عشر واربعمئة قتيل
من تجمع يهودي بلغ تعداد افراده وقتذاك 045 الف
نسمة.
هل معنى ذلك ان ثورة 1936 - 1937 كانت مشروعا
خاسرا للفلسطينيين العرب؟.. ان الأمور لا تقاس
بهذه الميكانيكية، ولكنها تكشف انحياز الانتداب
البريطاني الاعمى الى المشروع الصهيوني حتى بدا
شريكا فيما هو عدو للعرب. ولا أدل على ذلك من ان
الاعدامات التي اوقعها هذا الانتداب في صفوف العرب
الفلسطينيين لم تقابلها حالة واحدة في صفوف
اليهود.
وخلال سنوات الثورة الثلاث، عندما كان المجتمع
المدني يعاني من تبعة الاضراب المستمر، كان اليهود
يتمتعون بامتيازات مفتوحة من حكومة الانتداب، وقد
تم تعبيد الطرق الرئيسة بين حيفا وتل ابيب، وجرى
توسيع ميناء حيفا، وبناء ميناء تل ابيب، ما قضى
على حيوية ميناء يافا، وتأسست خمسون مستعمرة خلال
تلك السنوات الثلاث. ومقابل ذلك الدعم البريطاني
كان هناك تقاعس عربي كلي حتى ليمكن القول ان
الاسهام العربي الرسمي الوحيد في تلك الثورة هو
نصيحة الحكام العرب بطي تلك الصفحة وانهاء الاضراب..
انه درس الدروس القاسية.. ولكن هل تعلم
الفلسطينيون؟ ليس معنى هذا السؤال دعوة الى
انعزالية فلسطينية، ولكنه تأكيد لانتمائنا العربي
بفهم راديكالي يضع النقاط على الحروف. رحم الله
أبا فايز..
عن
الحياة الجديدة الفلسطينية |