"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

سامي ميخائيل يلبي نداءنا

 

عادل الأسطة

 

قبل عامين تقريباً دعا احد المهتمين بنتاج الأديب غسان كنفاني كتابنا الى ان يتمموا روايات غسان الناقصة -أي الروايات التي استشهد صاحبها قبل ان يتمها، وقد نشرتها لجنة تخليد آثار الشهيد. وهي روايات >العاشق< و >برقوق نيسان< و >الاعمى والاطرش<. ولا ادري ان كان احد ادبائنا يعكف، الآن، على اتمامها، وإن كنت اعرف ان اعمال غسان قرئت قراءات عديدة يفوق حجمها - اي القراءات- حجم الروايات، ربما ثلاثين مرة. وأعرف ايضاً ان بعض نتاجه اوحى لأدباء فلسطينيين بكتابة روايات، اعتمد اصحابها، في بنائها، على نصوصه، من ذلك مثلاً أفنان القاسم في روايته >النقيض< التي شكل كتاب غسان >في الادب الصهيوني< مادة رئيسة من موادها.
سامي ميخائيل الاديب الاسرائيلي، واليهودي القادم في العام 1949 من العراق، يستجيب للنداء ويلبيه - ولا ادري إن كان قرأه على صفحات صحفنا، بخاصة نشرات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - واستجاب بوعي له. فهو يكتب رواية >حمائم في الطرف الاغر< استناداً الى رواية >عائد الى حيفا<، لا الى الروايات الثلاث غير الكاملة. وفي مقابلة اجرتها معه (داليا كاربل) ظهرت في الملحق الاسبوعي الاخير لصحيفة >هآرتس< (15/4/2005)، ونشرت الايام اجزاء منها، منقولة الى العربية، (19/4/2005) يقول سامي ميخائيل: >اشبه الولد المتروك في >عائد الى حيفا<، وقد اختار المشرفون على صفحات المشهد الاسرائيلي هذه العبارة عنواناً للمقابلة.
والولد المتروك في >عائد الى حيفا<، كما يعرف قراؤها، هو خلدون الذي غدا (دوف)، وقد تركه والداه العربيان، في غمرة حرب العام 1948، في السرير، وربته امرأة يهودية هي (ميريام كوشين) ليغدو صهيونياً. ولا يعرف ان والديه عربيان الا في فترة متأخرة، وحين يزوره هذان، بعد هزيمة العام 1967، يرفض العودة اليهما، ويؤثر المربية على الام.
والقصة اشبه بقصة سيدنا سليمان مع الام والمربية، وأشبه بمسرحية (برتولد بريخت) دائرة الطباشير القوقازية.
ولكن ما هو وجه الشبه بين سامي ميخائيل وخلدون (دوف)؟ هل تركه والداه اليهوديان لتتبناه امرأة عربية مسلمة او مسيحية، يؤثرها على امه الحقيقية؟
وجد سامي ميخائيل نفسه في العام 1949 في دولة اسرائيل، بعد ان غادر بغداد، وغدا موزعاً بين مدينتين بغداد وحيفا، وغدا يهودياً اسرائيلياً، بعد ان كان يهودياً عربياً. مثله مثل (دوف).وعشق حيفا التي قال عنها، عندما رآها من الجو: >سعيد من يسكن هذه المدينة< ولم يقرر، فيما بعد، التنازل عنها، والعودة الى العراق. هذا اذا سمح له بالعودة، واذا استطاع الاندماج هناك، بعد ان تعوّد، في دولة اسرائيل على نمط حياة جديد.
طبعاً يمكن ان يناقش المرء عبارات كثيرة وردت على لسان سامي ميخائيل، منها انه، وهو يقرأ رواية كنفاني، لاحظ ان القصة تخلو من المودة من جانب الاب نحو ابنه. وهذا لم يعجبه. ومن المؤكد ان الاب وابنه يشكلان عالمين متناقضين، لا يمكن ان تكون بينهما مودة، عدا ان الاب ترك ابنه صغيرا، ولم يكونا عاشا معا فترة طويلة، حتى تخلق المودة بينهما.
وما يمكن ان يختلف المرء فيه مع (ميخائيل) قوله انه يختلف مع كنفاني، لأن هذا يرى نفسه الطرف المتضرر الوحيد في الصراع. وربما يرى (ميخائيل) انه طرف متضرر ايضا، بسبب ما آل اليه يهود العراق في فلسطين. ولا اريد ان انفي شيئاً من هذا، ولكن اذا ما قيس ضرر اي طرف من اطراف الصراع العربي- الاسرائيلي، فهل ثمة تقارب بين ضرر اي طرف والضرر الذي لحق بأهل فلسطين من سكانها الاصليين؟
وأنا اقرأ المقابلة تذكرت رواية الياس خوري >باب الشمس<، وما ورد فيها، اعتماداً على كتاب (آمنون كابليوك)، من ان بين ضحايا صبرا وشاتيلا تسع نساء يهوديات. وتذكرت ما كتب بهذا الخصوص: يبدو ان الاسرائيليين استكثروا على الفلسطينيين ان يكونوا ضحية، فجاؤوا ليشاركوهم في هذا، وليسلبوا منهم دور الضحية، وربما لم اقل، كل ما اردت قوله في هذه المقالة.

عن الأيام الفلسطينية