"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

الروابط الفلسطينية في أعمال غسان كنفاني الروائية

 

حسن عليان

 

الصراع العربي اليهودي صراع حضاري، صراع وجود، وليس صراع حدود كما يحلو لبعض النغمات أن تعزف على وتره. لذا فإن القرن العشرين هو الحلقة الأضعف في رحم هذا الصراع، وفي سلسلة الصراعات المقبلة إلى أن يحسم هذا الصراع مستقبلاً لصالح الإنسان العربي على وجه التحديد. فالعدو الصهيوني لا يحتمل هزيمة واحدة، وأية هزيمة كفيلة بإنهاء هذا الكيان المصطنع الغريب الذي ولد من خارج رحم هذه الأمة قسراً وأدخل عنوة في أحشائها في ظل ظروف محلية ودولية متشابكة ومتعددة. وفي ظل هذه الرؤية فإن العدو الصهيوني يعمل بكل طاقاته التقنية والإعلامية والمادية، وبكل الوسائل، ومن خلال تغلغله في شريان الحياة الغريبة، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت أسيرة رؤيته، ورهينة رؤاه ومخططاته، فوجوده مرهون بقوته الذاتية، وبالقوى الأخرى الخارجية التي يوظفها لإمداد وجوده بمتطلبات الحياة. ولكن إلى حين، فالمتغيرات الدولية لا تبقي شيئاً على حاله، وكم من أمة سادت ثم بادت، وكم من حضارة عمرت الأرض وآل مصيرها إلى الزوال. ولنا في الحروب الصليبيبة مثال واضح على الرغم من أنها دامت قرابة قرنين من الزمان أو يزيد. فالأمم الحية لا تقبل الذل، وإن اعتراها الوهن ردحاً من الزمن، فمقوماتها الحضارية تعمل على خلق قوى ذاتية، وظيفتها التعبئة والتطوير والتغيير دائماً.

وفي ظل هذه الرؤية فإن ما يهمنا هنا هو إلقاء الضوء على مجموعة الروابط الفلسطينية في أعمال غسان كنفاني الروائية، وهو الذي نذر نفسه لقضيته في مختلف مناحيها واتجاهاتها ورؤاها، فكان الصحفي، والناقد، والقصاص، والحزبي، والرسام، والمسرحي. لقد كان غسان مسكوناً بحب الوطن والقضية والعروبة، وكان فكره خلاصة هذا الحب. لقد وعى غسان ماذا تعني إسرائيل، وماذا تريد من المنطقة العربية والدولية، فهي تقف في وجه العقل التاريخي، وتحاول أن تغير مساره الفكري وحركته الطبيعية الدائبة نحو المستقبل، وتريد وفق رؤية غسان أن تقيم دولة " عنصرية ودينية. هذا أساس رجعي محكوم عليه بالفشل التاريخي، هذا بالطبع كلام مجرد، حتى يصبح هذا الكلام بحدود الإمكان، عندما تصبح قوة تقدمية تاريخية".

بقراءة أعمال غسان كنفاني الروائية: " رجال في الشمس "، " ما تبقى لكم "، " عائد إلى حيفا "، و " أم سعد " يتبين لنا خط غسان الاستراتيجي الواضح في رصده حركة الإنسان الفلسطيني بعد عام 1948م، بدءاً بالبحث عن الأمن النفسي والاقتصادي والاستقرار، ومروراً بالبحث عن الهوية المستلبة، أو الضائعة، وعن الوضع الضائع، وانتهاءً بالثورة الفلسطينية المسلحة. ثورة الجماهير ـ إن جاز لنا التعبير ـ في فكر غسان كنفاني

كانت روابط الفلسطيني بعد عام 1948م مفككة، وهذا بديهي، ولا يصعب رؤية ذلك بوضوح في روايته " رجال في الشمس "، فإنسان الهزيمة في حالة ذهول، لم يكن يصدق ما يحدث له، وعندما بدأ يستعيد وعيه، ويدرك هول الصدمة والفاجعة بدأ البحث عن الأمن، ولقمة العيش والاستقرار إن تيسر له ذلك.

كان غسان كنفاني حاضر البديهة، واعياً لمأساة الفلسطيني ووضعه الجديد بعد هزيمة عام 1948م. لذا تحرك غسان في ظل إطارين: الإطار الزماني، والإطار المكاني.

وتستطيع أن تدرك بسهولة أن الإطار الزماني في روايته " رجال في الشمس " هو زمن البحث عن الأمن الاقتصادي بالدرجة الأولى، وبعد ذلك الأمن النفسي. ولم يكن الزمن لدى غسان زمناً تقليدياً، بل كان زمن البحث عن تأمين مسيرة الحياة أولاً، بعد أن اقتلع من أرضه، وبعد أن أصبح بلا كيان أو هوية أو ماهية.

وقد جسدت شخصيات الرواية على اختلاف أجيالها الشعب الفلسطيني، وهي: أبو قيس، أسعد، مروان، أبو الخيزران بوضوح، فأبو قيس رجل في الخمسينيات يحلم بغرفتين وعشر شجرات من الزيتون، ليقضي أيامه المتبقية في ظلالها، وليس بغريب أن يختار غسان حلماً لشخصيته القصصية، لدلالة الرمز الذي تعنيه شجرة الزيتون، فهي رمز الأصالة والانتماء والجذور الضاربة في أعماق الزمن والتاريخ والأرض، إنها العمق والامتداد في زمن الاقتلاع والطرد النفي.

أما أسعد فجواز سفره مسحوب، لأنه مشاغب وخطر على الأمن، ويحسُّ بالمطاردة. لذا بدأ البحث عن الأمن النفسي والاقتصادي، ولن يتحقق له ذلك إلا بالهرب من مطاردة رجال الأمن.

ومروان ابن الستة عشر ربيعاً في زمن غير ربيعي، يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه بعد أن تخلى والده عن الأسرة، ليتزوج من امرأة عرجاء، تملك بيتاً. لقد حقق الأب الأمن المكاني والاستقرار النفسي منفرداً دون بقية أفراد أسرته، فالزمن التاريخي يقتضي ذلك. ويشعر مروان كذلك بأعباء الحياة بعد أن توقف أخوه الموجود في الكويت عن إمداد الأسرة بالمال. لقد أصبح مروان معرى ومهدداً بالموت جوعاً هو وأفراد أسرته، ولذا قرر التحرك، ولم يكن أمامه من ملجأ سوى الكويت حيث يقيم أخوه.

وليس بغريب أن يجمع هذه الشخصيات ـ رمز الشعب بمجموعه بعد الاحتلال ـ هم واحد في زمن تخلت فيه عن الطموحات الإنسانية، فكان توجهها نحو الكويت، المغناطيس، أو قطب الدائرة في حقبة الخمسينيات من هذا القرن لمن أراد أن يثري، أو ينهي رحلة التيه والضياع. فهل حققت الشخصيات أحلامها؟ وهل توصلت إلى ما أرادته؟ هذا ما تجيب عنه الرواية، ويثور سؤال جدير بالاهتمام: لماذا أنهى غسان كنفاني رحلة شخصياته بالموت على رمال صحراء الكويت، صحراء الخليج؟ لقد تعمد غسان كنفاني الوصول بشخصياته إلى الموت، تحقيقاً لما يؤمن به من أيديولوجية، أو استراتيجية لما يجب أن تكون عليه مسيرة الإنسان الفلسطيني. صحيح أن الصحراء الشرقية ابتلعت الكثير في رحمها، الطامحين إلى جمع المال، والراكضين خلف بريق الذهب / البترول، وصحيح أن غسان تأثر بهذه الفواجع المتتالية لما سمعه، أو قرأ عنه، أو شاهده بحكم عمله في الكويت آنذاك. ولكن هذا لم يكن المثير الوحيد لفكر غسان.

لقد رسم غسان نهاية الرحلة بتخطيط واعٍ ومسبق لمسيرة شخصياته، كي يثبت أن الاتجاه نحو الشرق هو الاتجاه الخطأ.

وكان بإمكان غسان أن يسير برحلة الشخصيات ليلاً حتى يتجنب المأساة، أو الفاجعة، لنهاية إنسانه الفلسطيني.

لقد هيأ غسان كنفاني كل أسباب الموت لشخصياته بدءاً بالصهريج وسيلة الموت، ومروراً بالقيادة العاجزة، ويمثلها السائق أبو الخيزران، وانتهاءً برجال الجمارك على أرض الصحراء الشرقية، فكانت النهاية حتمية، وهي الموت. ولم يتخط غسان الواقعية في رسم حركة شخصياته والأجواء الروائية، ولم تكن واقعية تسجيلية، بل هي واقعية حية لإنسان المنفى بأبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وبهمومها الإنسانية، ومعاناتها، وألوان عذاباتها. كما اعتمد لها الرمز الحي الشفاف الذي يلقي الضوء على واقع الإنسان، إنسان المنفى، والإنسان العربي. فالأجواء العربية على تعدديتها لم تكن ملائمة للتحرك الفعلي والعملي لتغيير وقائع الأمور والحقائق على الأرض. وتتضح الرموز في شخصية أبي الخيزران، القيادية الفلسطينية العتيدة، فأبو الخيزران الذي انفجر فيه لغم أفقده رجولته، يصر على قيادة الإنسان الفلسطيني في المنفى على الرغم من إخفاقه في قيادة دفة المعركة عام 1948م، وفي الصهريج رمز الوطن العربي الكبير الذي لم يقبل فكرة الهزيمة، ولا إنسان المنفى بسهولة في بداية الاحتلال. ولم يكن الوطن العربي بأجوائه النفسية والاجتماعية والاقتصادية مهيأ لتقبل أبعاد اللعبة الدولية، ولعل لقلة التعليم، والإعلام الغربي، والإعلام الصهيوني آنذاك دوراً في عدم تقبل إنسان المنفى بسهولة. ولذا فقد واجه إنسان المنفى في بداية رحلته الصعاب على اختلافها، ومن ثم الموت عندما ألقيت الجثث على مزبلة في صحراء الكويت.

ويتبادر سؤال: ما الذي أراده غسان كنفاني من رحلة الموت في "رجال في الشمس "؟ لقد أراد غسان تغيير حركة الفلسطيني، فبدلاً من التوجه شرقاً ـ الطريق الخطأ لإثبات الهوية والوجود والأمن ـ عليه التوجه غرباً. على الرغم من وعي غسان أن الإنسان الفلسطيني غير مهيأ بداية لهذا التوجه، كما أراد تغيير القيادة الفلسطينية التي يمثلها أبو الخيزران، فغسان يريد قيادة شابة جديدة واعدة غير عنينة، قيادة واعية لحركة التاريخ، والتفاعلات المحلية والدولية. لذا حاول غسان تغيير القيادة في رواية " ما تبقى لكم "؟ فكانت شخصية حامد ابن السبعة عشر ربيعاً، غير مؤهلة، وليست بذات خبرة. وقد قصد غسان انتقاء شخصيته عمداً، فهي مرحلة انتقالية بين قيادتين: إحداهما عاجزة، والأخرى فاعلة. وقد فرض غسان على شخصيته الاتجاه شرقاً عن عمد، نحو الصحراء العربية، لتحقيق الوحدة العربية. فالقضية لن يتحقق لها النصر إلا بالوحدة بين دفتي الأردن: الخطة الأولى نحو الوحدة العربية. لذا انتقل ببطله حامد، بطل رواية " ما تبقى لكم "؟ من غزة إلى الضفة الغربية مروراً بصحراء النقب، ولكن غسان توقف ببطله في صحراء النقب ليواجه العدو الصهيوني، وليبدأ زمن الفعل، زمن مواجهة العدو بعد مرحلة البحث عن الهوية. فالزمن الخارجي الحقيقي لم يعد يشكل حيزاً في ذهن البطل الروائي، لأن المرحلة هي مرحلة إثبات الذات، وزمن البحث عن الهوية المفقودة، بالمواجهة الحقيقية مع العدو، ولأجل تحقيق هذه الهوية فقد القى حامد بساعته أرضاً لتدق أو لتعزف لحن الزمن الخارجي منفردة. ويشير هذا الفعل إلى أن زمن البحث عن الأمن والاستقرار الاقتصاي والنفسي لم يعد له ما يبرره في فكر حامد بطل الرواية. ولكن هذا الزمن، زمن البحث عن الهوية، كان بحاجة إلى مراجعة الذات، فكانت رواية " عائد إلى حيفا " مرحلة المراجعة وتقييم الذات، مرحلة التيقن من أن صلة الإنسان بالوطن ليست مجموعة الذكريات والمقتنيات، والأثاث، والريشات السبع التي خلفها إنسان المنفى فيى الأرض المحتلة، بل هي روابط تاريخية وإنسانية وحضارية لا تقف عند حدود الماضي والحاضر، إنما تتعداه إلى المستقبل والأرض. فالعلاقة بالوطن ليست خاضعة لقانون النسبية، بل هي علاقة ثابتة على الدوام.

ويمكن القول إن شخصيات غسان في روايتيه " رجال في الشمس "، " وما تبقى لكم؟" بينت أن الإنسان لا يمكن أن يعيش في الحياة دون جسر، ومن ثم لا يمكن أن يكون للحياة معنى، إلا بوجود رابط، وإذا فقد الإنسان هذا الجسر، أو الرابط أصبحت حياته مهددة بالموت إذا لم يقم علاقة جيدة بالحياة. ولذا انفصمت عرى الحياة بين أبطال " رجال في الشمس " وبين الواقع القائم لافتقادهم الجسر الذي يربطهم، وأصبح الموت هو البديل الطبيعي لحياتهم كما يرى د. إحسان عباس (غسان كنفاني إنساناً وأديباً ومناضلاً. ص 16).

وقد حاول حامد أن يخرج على قانون النسبية في رواية " ما تبقى لكم؟" إلى المستوى الفكري الفلسفي، ولكنه أثبت أخيراً أن علاقة الإنسان بالأرض من وجهة نظره الفلسطينية، وبالنسبة له ولكل فلسطيني ـ علاقة ثابتة ودائمة.

لقد تحول الإنسان الفلسطيني في رواية " عائد إلى حيفا " بعد تحوله نحو الأرض الفلسطينية، إلى قضية لأسباب كثيرة أهمها ولده خلدون أو دوف اليهودي بالتبني والتربية، وولده خالد الذي تمنى أن يلتحق بالثورة في أثناء غيابه.

أما المكان في رواية " ما تبقى لكم؟" فإنه غزة والصحراء الفلسطينية، صحراء النقب. لقد تيقن غسان من خلال بطله حامد أن غزة وحدها لا تكفي للحركة والتحرير، ولذا توجه بحامد نحو الشرق ـ صحراء النقب.

وتجدر الإشارة إلى المفارقة بين نمطين من الصحراء في فكر غسان ورؤيته، ففي الوقت الذي كانت فيها الصحراء الكويتية أرضاً لافظة ومدمرة لإنسان المنفى، فإن صحراء النقب احتضنت حامد الصغير ابن السبعة عشر ربيعاً. لقد أحست الصحراء بوقع أقدامه في أحشائها كما شعرت إزاءه بحنو عجيب، لذا لا نفارق الحقيقة إذا قلنا أن غسان أراد أن يحقق المرحلة الثانية من حركة الفلسطيني في علاقته بالأرض، حيث بدأ زمن الفعل.

أما المكان في رواية " عائد إلى حيفا " فقد كان بداية حب واشتياق وتوق إلى معرفة ما طرأ من متغيرات على ممتلكات الإنسان الفلسطيني، وكان لهفة ومعانقة، ولكنه تحول إلى رغبة حميمة في العمل المباشر، لتعديل ميزان القوى، ولقلب سياسة الأمر الواقع السياسية والعسكرية. وقد يبلور المكان مرحلة الصراع الحضاري والتاريخي والإنساني والجغرافي والهوية..الخ، بين الدخيل المغتصب وبين ابن الجغرافيا، الإنسان الفلسطيني والعربي، فالجغرافيا عند غسان غير محددة بأطر مكانية، إنها حضارة الإنسان العربي منذ القدم، تلك الحضارة الضاربة جذورها في أعماق الزمن والتاريخ والجغرافيا.

ويمكن القول إن غسان كنفاني أراد من المكان (الجغرافيا) التوعية والتعبئة وخوض المعركة. وهذا ما بينته رواية " أم سعد " ملحمة الإنسان والشعب الحقيقية.

وتمثل رواية " عائد إلى حيفا " بقوة محاكمة الروابط الفلسطينية، والدفاع عن القضية، ففي الوقت الذي عاد فيه إنسان المنفى: سعيد وفارس وغيرهما الكثير إلى حيفا، ليلقي نظرة على بيته، أو ليطلب شربة ماء، أو ليتفقد أثاث منزله. في الوقت نفسه فإن إنسان المعتقل يرى أن عودة إنسان المنفى على هذه الصورة عودة غير طبيعية ولا منطقية، فسعيد العائد إلى حيفا كان يعتقد أن جميع الأبواب يجب أن تفتح من جهة واحدة فقط، وإذا فتحت من الناحية الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة.

ويحاكم إنسان المعتقل / الإنسان الذي آثر البقاء في الوطن بعد نكبة عام 1948م علاقة الفلسطينية خارج الوطن، بوطنه وقضيته، ليبين تفسخ العلاقة بعد أن ترك إنسان المنفى مواجهة القضية، وبالتالي الالتزام بهذه القضية، وهو يريه لماذا احتفظ بصورة أخيه الشهيد بدر. يقول إنسان المعتقل لفارس الذي جاء من خارج حدود الوطن: " حين جئت إلى البيت كانت الصورة أول شيء شاهدته، وربما كنت قد استأجرت البيت بسببها، ذلك شيء معقد ". فالصورة لدى إنسان المعتقل التزام ورمز مرحلة تاريخية ونضالية، والاحتفاظ بها وفاء لتاريخ الثورة والقضية، وهي شاهد على تشتت شعب ورمز بما تبعثه على مر الزمن من تحفيز لأجل العودة إلى وحدة الإنسان والأرض، كما تحتل مرحلة زمنية، وذكرى وجد فيها إنسان المعتقل سلوى عن أحزان واقعه وآلامه تحت وطأة الاحتلال، ووجد فيها رفيقاً يخاطبه ويتحادث إليه ويذكره بأمور يعتز بها. يقول لفارس شقيق الشهيد بدر: : في ذلك الوقت تماماً كما هو الأمر الآن ـ كما يبدو لي ـ أن يكون الإنسان مع رفيق له حمل السلاح، ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه ".

ويبين إنسان المعتقل الذي يسكن منزل فارس، التزامه بالوطن والقضية عندما استأجر البيت من الاحتلال بقوله: " كنت أشعر لو أنني تركته، لكنت ارتكبت جناية لا اغتفرها لنفسي.. هكذا ظلت الصورة هنا. ظلت جزءاً من حياتنا.. أنا وزوجتي وابني بدر وابني سعدز نحن وأخوك بدر عائلة واحدة. عشنا عشرين سنة معاً كان ذلك شيئاً مهماً بالنسبة لنا ".

وترينا الصورة معنى الوفاء في أيديولوجية الالتحام بين الإنسان والقضية، وبين الماضي ومكوناته، وبين الحاضر وما يرمز إليه من كفاح إلى أن يتحقق ما استشهد لأجله الشهيد بدر، وكذلك في العلاقة القائمة بين الماضي والحاضر. ففي الوقت الذي تقف فيه صورة الشهيد بدر شاهداً على مرحلة كفاح في تاريخ الإنسان الفلسطيني، فإن الطفل بدر يعني امتداداً لمرحلة تاريخية. كما يعني أن يظل هذا التاريخ مفتوحاً على صفحة النضال، يستقي الجديد في حياته ومادته من ينابيع الماضي، ويمدد بالأمل نحو الحرية والتحرير.

ويبين غسان أن فقد الارتباط بالماضي، إنما هو فقد الأصالة والرمز والصمود بالنسبة للذين عايشوها أقوى من رابطة الدم، يقول إنسان المعتقل عندما أخذ إنسان المنفى فارس، صورة أخيه الشهيد: " وقد بكت زوجتي، وأصيب طفلاي بذهول أدهشني. لقد ندمت لأنني سمحت لك باسترداد الصورة، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا. عشنا معه، وعاش معنا، وصار جزءاً منا ". ويوضح إنسان المعتقل أن الصورة لا تكون على الشكل الذي تمت به، بل بالقوة، بالباب الطبيعي للعودة. فالصورة لا تعيد وطناً مسلوباً، ولا تلغي احتلالاً، ولا توحد أمة. يقول لفارس: " وفي الليل قلت لزوجتي يتعين عليكم إن أردتم استرداده."أن تستردوا البيت ويافا ونحن. الصورة لا تحل مشكلتكم، ولكنها  بالنسبة إلينا جسركم إلينا، وجسرنا إليكم".

مرحلة الدفاع عن القضية

وضع غسان كنفاني بطله سعيد في رواية " عائد إلى حيفا " في دائرة مشاعره المضطربة، وهو يرى بيته الذي ينكره لأول مرة بعد عشرين عاماً، ثم يتطور بمشاعره وأفكاره ليتمكن من محاورة الإسرائيلي دوف ـ اليهودي بالتبنيـ  أو خلدون ولده ـ وهو على اقتناع بأن ولده خلدون أو دوف سينكره كما أنكرته الأرض. لقد دفع الكاتب بطله إلى قضية أخرى ساهمت إلى حد كبير في تشكيل رؤية الجانب العربي من الحوار، وهو يرد على دوف الذي أنحى عليه باللائمة، لأنه تخلى عنه وهو صغير، كما اتهمه بالقصور، لأنه تخلى عن محاولات البحث عنه كغيره من الآباء الذين نزحوا، وتركوا أبناءهم خلفهم، بل رماه بالجبن كما رمى غيره من العرب الذين كفوا عن محاولة العودة. كما أثار دوف في وجهه الإنسان العربي، وذرفه الدموع ليسترد مفقوداً أو ليجترح معجزة تعيد إليه طفلاً أو وطناً.

ويدرك غسان كنفاني ضرورة قطع صلاته بالماضي القريب ـ دوف ـ في طريق منظوره نحو المستقبل ـ ولده خلدون ـ وهو يعكس أزمته الراهنة بوعي وثبات. ويشكل هذا الموقف نظرة غسان المتفائلة بالمستقبل، وبحركته التاريخية، وبالتاريخ نفسه، وبأن الإنسان في نهاية الأمر هو مسار تاريخي.

وفي ظل فهم غسان كنفاني للمسار التاريخي يقتنع بطله سعيد بأن العجز العربي لا يعطي العدو مبرراً لاستغلال مصالحه، كما لا يخوله الحق في استغلال الأخطاء العربية ليبني عليها أخطاءه في القتل والتوسع والاحتلال، وظلم الآخرين. يقول سعيد لدوف الإسرائيلي: " ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزانكم؟ لقد اهترأت هذه الأقوال الضيقة. هذه المعادلات الحسابية المترعة بالأخاديع. مرة تقولون إن أخطاءنا تبرر أخطاءكم ومرة تقولون أن الظلم لا يصحح بظلم. تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه ". ويعي سعيد بطل رواية " عائد إلى حيفا " القضية، وأن الإنسان قضية، ويعي طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي. وقد أرجع غسان الصراع مع العدو إلى التاريخ ليعطي حكمه فيه، فهو متفائل بالمستقبل، وبأن التاريخ سيحسم أمر الصراع إلى جانب الحق العربي. ويعي غسان ماذا تعني إسرائيل. وماذا تريد من المنطقة العربية والدولية، فهي تقف في وجه الفعل التاريخي، وتحاول أن تغير مساره الفكري وحركته الطبيعية الدائبة نحو المستقبل، وتجيره لصالحها.

ولإيمان غسان بحركة التاريخ تجاوز بطله علاقته بالماضي، لأن هذه العلاقة كانت عابرة، وحاول أن يتخطى حدود الحاضر بعد أن هزته الصدمة القوية في ولده خلدون أو دوف، وأجبرته على التساؤل: ما معنى الأبوة؟ الإنسان قضية. أية قضية؟ ما هو الوطن؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدران؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن بالنسبة لفارس. وما هو الوطن. أهو صورة أخيه معلقة على الجدار؟

ووفق هذه التساؤلات فإن " سعيداً" تمنى أن يلتحق ولده خالد بالثورة في أثناء غيابه. ويتعدى غسان كنفاني ببطله سعيد ـ مشفوعاً برؤيته التاريخية، واستشرافه آفاق المستقبل، واقعه الاجتماعي والسياسي إلى ما قد تكون عليه الحالة عندما تتحقق الصحوة العربية، إذ استغل الفكر الصهيوني، وستحول دون ممارسته التوسعية، وسلوكه الإجرامي على حساب الأخطاء العربية. يقول سعيد لدوف: وأنت، أتعتقد أننا سنظل نخطىْ، وإذا كففنا ذات يوم عن الخطأ فما الذي يتبقى لديكم؟

وقد أدرك غسان كنفاني منذ البداية أن لغة الحوار لن تجدي مع العدو، فالأقوى هو الذي يفرض لغته. لذا اتجه غسان بعد هذه المراحل إلى لغة القوة، لغة الفعل بعد أن تخطى الإنسان الفلسطيني مرحلة البحث عن لقمة العيش، ومرحلة البحث عن هوية، ومرحلة الشوق إلى الوطن المتمثل في الذكريات، والقرية والمدينة، والأثاث والمقتنيات، فهذه المراحل السابقة لا تحرك ساكناً، ولا تعيد وطناً. لقد هيأ غسان كنفاني إنسانه الفلسطيني نفسياً وإنسانياً ليتقبل العمل، والتضحية بالنفس، بعد أن غرسه في دوامة اللجوء وتجرعه مرارة الذل في المخيمات، بما تعنيه من قسوة في العيش، ومن مرارة في الحياة، ومن فقد للهوية والكرامة الإنسانية. فالعمل الوطني، والالتحاق بالثورة بات ضرورة لا مفر منها ليجد الإنسان نفسه، وليشعر بحريته وكرامته، فأمر المقاومة ومقارعة المحتل في زمن أجهضت فيه الجيوش العربية لا يحتمل المجادلة أو المناورة، وبخاصة في ظل حركة الجماهير المستعدة للبذل والعطاء، وفي ظل المناخ الثوري لحركة الإنسان الفلسطيني مدعوماً بتأييد حركة القوى العربية التقدمية.

لقد برهن غسان كنفاني في رواية " أم سعد " إن الإنسان موقف وقضية في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وبين أن معنى القضية لم يعد مشكلة فردية تتعلق بمنزل، أو شجرة، أو ولد، سواء لإنسان المعتقل، أو لإنسان المنفى.

ولم يفت غسان كنفاني أن يرمز للثورة الجديدة بعد عام 1967م بعرق الدالية الذي غرسته أم سعد، ونما في رواية " أم سعد ". كما لم يفته تصنيف شخصياته الروائية في أعماله إلى مراتب تتناسب وضرورة التكوين، والتطور السياسي والعسكري في المنطقة، وقد بينا ذلك في أعماله الروائية. وقد بين إنسانه الفلسطيني في رواية " عائد إلى حيفا " و " أم سعد " درجة الوعي، والقدرة على الارتفاع الواعي فيما هو شخصي وخاضع للصدفة في مصيرها إلى مستوى معين من العمومية.

ويمكن أن نطرح السؤال التالي: هل نجح غسان كنفاني في الوصول بإنسانه الفلسطيني إلى مستوى النموذج الذي يمكن تعميمه على إنسان القضية بعد عام 1967م، وهل ارتفع هذا الإنسان إلى مستوى التخطيط الذي رسمه غسان وفق أيديولوجيته لإنسان القضية؟ وللإجابة عن ذلك يجب فهم مسار رواية " أم سعد " وبخاصة دور " أم سعد " المرأة البسيطة، ابنة المخيم، صاحبة السقف الواطىء، نموذج الجماهير الفلسطينية في زمن الثورة، ووقودها. لقد بينت رواية " أم سعد " كعمل فني رؤية الكاتب التاريخية للقضية، بما تعنيه من رؤية متكاملة ومتوازنة للعالم. وقد التحمت فيها مشكلة الذات بمشكلة المجتمع. كما بينت أنها امتداد لخطواته وهو يسجل تاريخ القضية الفلسطينية، إلى درجة يمكن معها القول، إن أعماله الفنية سجل خالد لمسيرة الإنسان الفلسطيني بدءاً بالهزيمة، ومروراً بمحاولات الوعي، والعمل، وانتهاءً بحشد الطاقات والإمكانات النفسية والاجتماعية، لإشعال فتيل الثورة، فكانت رواية " أم سعد " رمزاً لحركة الجماهير الفلسطينية والتحامها في وحدة عمل جماهيري ثوري، غايته مقاومة العدو الصهيوني، وفسح المجال لإبراز الهوية الفلسطينية بما تعنيه من كرامة وحياة ووجود.

وتجدر الإشارة إلى أن أبطال أعمال غسان كنفاني الروائية ليسوا أبطالاً بالمفهوم التقليدي، بل كانوا من البسطاء الذين لا يفلسفون الأمور، وبمعنى آخر كانوا من عامة الشعب ـ الفقراء ـ وليسوا من المثقفين الذين يجعلون معتقداتهم الفكرية خشبة قفز إلى حومة العمل الفني.

لقد حاول غسان كنفاني أن يلفت أنظارنا من خلال شخصية " أم سعد " نحو تغير البطل في رؤيته وحركته وتوجهه، فبعد أن كان محصوراً ومطارداً ومكبوتاً في رواية " رجال في الشمس " وكما كان يعاني طيلة عمره من وهم تخيله أمامه طيلة خمسة عشر عاماً نسي خلالها أن يبني من نفسه رجلاً في رواية " ما تبقى لكم ؟"، وبعد أن عاد إلى وطنه في ظل الاحتلال ليرى على الطبيعة أحلامه وآماله وأمجاده السابقة سراباً في رواية " عائد إلى حيفا "، أصبح لحياة هذا البطل معنى وقيمة في نطاق ثورته في رواية " أم سعد ".

لقد بدت أم سعد في الرواية الشعب ـ المدرسة، وبقدر ما كانت أم سعد شخصية حقيقية، فقيرة في المخيم، بقدر ما كانت رمزاً للثورة الفلسطينية الكادحة والثائرة في داخل المخيم وفي الوطن المحتل، ورمزاً للشعب المعلم، ورمزاً لاختيار غسان الواعي شخصياته عن عمق الفئات الكادحة التي تدفع دون مقابل أو تفلسف، فالجماهير تتحرك وتمنع وتدخل النضال لأنها لا تخسر شيئاً، وتتعلم من تجاربها وأخطائها لتصحح المسار التاريخي على الرغم من الواقع المر الذي تحياه الجماهير، وتدفع لتحس معنى وجودها وكرامتها، ولسد مزراب التصدع والهزيمة الذي أغرق الإنسان الفلسطيني في الوحل.

وفي إطار رؤية غسان الجديدة في رواية " أم سعد " حركة الجماهير الفلسطينية في المخيم وهي تعمل وتتحرك وتبني واقعاً جديداً جاءت شخصياته، وبخاصة أم سعد، مزيجاً من الأسطورة والإنسان العادل في حياته الواقعي.

وكان التوازن كما ترى رضوى عاشور " بالتصوير الواقعي للشخصية من ناحية، ويربطها من ناحية أخرى بمجموعة من الصور الدالة التي ترقى بها إلى مستوى الرمز". وكأني بغسان كنفاني يذكرنا بموقف أم غوركي البطل الواقعي الاشتراكي، وبالنموذج الشعبي في مسرحية " الأم" لبريخت. فقد بين بريخت تحول الأم من امرأة عادية إلى مناضلة ثورية بفعل العلاقة الجدلية بين الإنسان والجماهير، وبين الجماهير والظروف الموضوعية التي أنتجت عملاً ثورياً وإرادة قوية في إطار ثوريتها. (غسان إنساناً وأديباً ومناضلاً، ص 124 ـ 125).

وتجدر الإشارة إلى تخطي غسان كنفاني القيادات العاجزة ـ التي قادت مسيرة الإنسان الفلسطيني في رواية " رجال في الشمس " والقيادات الشابة غير الواعية أو المدركة لما يجب أن يكون عليه المنهج الثوري، والقيادات المترهلة التي لا تعرف من الوطن إلا الصور، ومجموعة ذكريات وتحفي ومقتنيات ـ إلى قيادات شابة واعية للظروف الموضوعية التي تحيط بعملها الثوري، وللعلاقات المتشابكة بين العمل الثوري والمحيط الخارجي للثورة، ولألوان الصراع الداخلي والخارجي، وواعية لمسيرتها في مقاومة العدو ولحركتها نحو الأرض المحتلة، وفي خروجها على السياسة التقليدية، ونبذ القيادات التقليدية. لقد طرحت القيادات الشابة في رواية " أم سعد " القضايا من منظار جديد قوامه الجماهير الكادحة، والثورة المسلحة بعيداً عن القيادات البرجوازية التي تضح مصلحتها الشخصية فوق الاعتبارات الوطنية، والمصلحة القومية. ويدل هذا المنظار على تعلم القيادات الشابة من أخطاء القيادات البرجوازية. لذا عملت على تنحية القيادات التقليدية وتجاوزها، كما يدل على نوعيتها الجديدة في إطار التعامل مع القضية من منطلق مفاهيم جديدة، ومن موقف الحيلولة دون أن تتصدر القيادات البرجوازية الحركة الوطنية، أو التعامل من جديد بمقدرات القيادات الشابة وتقرير مصيرها. ووفق هذا التصور فإن غسان كنفاني نجح في رسم مساره الفكري لحركة الإنسان الفلسطيني بدءاً باللجوء ومروراً بالجوع والفقر والقهر والبحث عن الهوية الضائعة، وتلمس مواطن وجوده القديمة التي تشعره بأنه كان شيئاً، أو إنساناً له مكانته، وانتهاء بإثبات الذات وبالقدرة على الحركة والتفكير والعمل، ورسم الخطط، والثورة المسلحة ضد العدو الصهيوني الذي احتل الأرض وشرد الشعب، وتدل هذه الرؤية الواعية والتخطيط الواعي لمسيرة الإنسان الفلسطيني على مدى نضج فكر غسان كنفاني الذي نذر نفسه لقضيته واستشهد في سبيلها.

عن الهدف الفلسطينية