|
حمزة برقاوي
بالدم كتب لفلسطين. بالدم نكتب لفلسطين وللوطن
العربي. هذا هو شعار اتحادنا: الاتحاد العام
للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، الذي عقد مؤتمره
الأول في السادس من أيلول عام 1972، أي بعد أقل من
شهرين من اغتيال غسان كنفاني في الثامن من تموز من
العام نفسه. وقد كان غسان عضواً في لجنته
التحضيرية التي كانت تجتمع برئاسة كمال ناصر.
أدخل هذا المدخل كي
نتذكر أن تلك الفترة كانت من الفترات العصيبة التي
مرت بها ثورتنا المعاصرة والتي استهدف فيها
الأعداء فيما استهدفوا الكلمة الملتزمة والمثقف
الثائر..
فبعد بضعة أيام على
استشهاد غسان، وفي التاسع عشر من الشهر
ذاته جرت محاولة اغتيال الدكتور أنيس صايغ في
مكتبه، وبعده ببضعة أيام أُخَر جرت محاولة اغتيال
بسام أبو شريف الذي خلف غسان كنفاني في رئاسة
تحرير الهدف، مروراً بباسل الكبيسي ووائل زعيتر
ومحمود الهمشري.. ولما يمضي عامان حتى اغتيل كمال
ناصر وأبو يوسف النجار وكمال عدوان.
كل هذه الاغتيالات أو
محاولاتها كان المستهدف هو الكلمة الفلسطينية
الحقة.
ولكن السؤال الذي يفرض
نفسه: لماذا استمر غسان يسكن نفوسنا، ولماذا بقي
حاضراً في ضمائرنا بصورة تلقائية، دون أن نحاول ـ
نحن ـ استحضاره قسراً؟ لماذا غاب غسان جسداً كي
يحضر بروحه حضوراً آخر، هل كان موت الجسد جسراً
لهذا الحضور الجديد؟
الجواب يأتي مباشراً
وبسيطاً، فغسان كان حاضراً في فلسطين، وكانت
فلسطين حاضرة دوماً فيه.. هو وفلسطين توأمان لم
يفترقا إلا بتناثر الجسد المشظى بعيداً عن عكا..
غسان كالمسيح، حمل فلسطينه وبشر بها، هذا جانبٌ من
شخصيته، لكن الجانب المدهش، بل الأكثر إدهاشاً أنه
لم يكن هاوياً بالتأكيد بالفعل والكلمة. إنه وعن
وعي أراد تحويل الكلمة ـ السلاح الذي يملكه، إلى
فعل. فعل يدفع به إلى جدار الصمت، يفتح به ولو
ثغرة. انتزع الكلمة واحتضنها وبها حرض وحذر وأشار
إلى علامات النصر. كان محترفاً، بمعنى ما، بمعنى
أنه كان يعلم أن الكتابة سلاح، وأن عليه أن يستخدم
هذا السلاح، لأن الزمن لا يسمح بالانتظار.
كان محترفاً بمعنى أنه
كان يعيش كل لحظة، دون انتظار المستقبل الذي
يستشرفه، لا يؤجل شيئاً، ولا يقدم شيئاً ناقصاً،
نتساءل مع كثيرين: هل هي البراعة المجردة التي
مكنت غسان من المزاوجة بين المثقف والسياسي؟ أقول
لقد ساعده على ذلك تلك القدرة الاستثنائية على
العطاء النابعة من حيوية ونشاط تكشف عن عميق
إيمانه بقضيته.
من هذه المأساة استمد
غسان نسغ رواياته، وهذه كلها شكلت وقوداً لإبداعه،
ومعيناً لا ينضب من القدرة على العطاء. كان يرى أن
تطور الإبداع وازدهار الشخصيات المبدعة يتغذى على
ظرف معين، فالحياة أغنى المدارس وأكثرها فائدة: هي
منبع المعرفة، الذي تغذيه روافد المقارنة مع تجارب
الآخرين، وقراءة التاريخ ومعرفة الماضي، التي هي
في حد ذاتها معرفة للذات والحاضر وقراءة للمستقبل.
لكن الإشكالية التي لم تأخذ مداها في نقد فكر غسان
ـ الرواية، والقصة، والمسرحية جزء منه، هي التماثل
مع الخطاب الأيديولوجي السائد آنذاك، وبالتحديد
موضوع اليمين واليسار الذي كان غسان يؤمن بها،
والتطابق بين الممارسة والنظرية.. فأحياناً كثيرة
يراد أن يكون لأدب غسان سمة الالتزام بالثوابت
فحسب، تحدونا الرغبة في الحرص على سمة النموذج
والإنسان الرمز، وإسقاط الأسطورة على الشهداء،
نبرىء به أنفسنا، ونتطهر منه.
الواقعية والمثالية تلتقيان كما لم يحصل في شخصية
فذة جعلت منه كما قال جبرا ابراهيم جبرا: «صوتاً
من أهم أصوات هذا العصر».
لا ينتقص من هذا التطابق
أن يقوم غسان المبدع والصحافي والمناضل الواعي،
والقائل بخيار المواجهة والمقاومة أن ينتقد
الإمكانيات المتاحة لأن يقول إن الهدف يجب أن يكون
متطابقاً مع الإمكانيات وأن يخوض معارك يومية يخسر
فيها ويربح.
إنه الحرص على استمرار
الثورة، فليس بالضرورة أن يكون المستوى الثقافي
الإبداعي مطابقاً تماماً لما يجري على الأرض ولما
تتبناه السلطة أو القيادة. فغسان لم يكن خارج
الحياة بل في معتركها الأهم واليومي.. كان يعي
تماماً أن الأهم هو الحيلولة دون هزيمتنا على
الجبهة الثقافية. في كتاباته وبصورة خاصة زاويته
في جريدة الأنوار «أنوار على الطريق» أمسك بمفاصل
الثورة، وعالج مشاكلها. كانت هذه المقالات مثلها
مثل كل مقالاته السياسية تعايش همه بصورة مباشرة
وتثبت أن الحياة أغنى من كل الأيديولوجيات، وأكثر
ثراء من نسق أي منها وقوالبها الجامدة. كان شعاره:
الثورة لا تتحمل المواقف الوسط، ولا المهادنة، ولا
التأجيل، ولا الاستراحة، وإن الكلمة الثائرة لا
تعرف المواربة ولا الدبلوماسية ولا التلفيق، أو
الاصطناع. كان بالإضافة إلى ذلك يصر وينادي
باستمرار المقاومة والتصدي، يقول: واصلوا بناء
جبهة التحرير وليس المؤسسة أو الدولة، واستمروا
بالصلة مع الجماهير وتعبئتها وارتقوا بوعيها.
ثلاث قضايا رئيسية كانت
تتكرر دائماً ويتم التركيز عليها لدى غسان:
المسألة الأولى: التنبه
إلى التآمر الذي تتعرض له الثورة والإشارة إلى
الأعداء الذين يتربصون بها، فهو كان يدرك أن الأمر
ليس هيناً.
المسألة الثانية: هي
الإشارة إلى إمكانيات الثورة والمجابهة.. وهنا كان
التركيز يتم على توفير المستلزمات، مثل: طرح
المهمات، ومنها كانت القضية الثالثة، وهي: موضوع
الشعارات فكان يربط بين إمكانيات الثورة وبين
صناعة شعاراتها، فكان يرفض الارتجال في طرح
الشعارات أو إطلاقها في الهواء، ويقول: الشعار
الحقيقي هو الذي يتلاءم وإمكانيات الجماهير على
تحقيقه، والشعار لا يجوز أن يبقى معزولاً عن
الجماهير.
منذ العام 1954 تنقل
غسان بين نشرتي الرأي والثأر في دمشق، ثم صحيفة
الفجر في الكويت، والحرية، فالمحرر، وملحق المحرر،
ثم الأنوار إلى أن حط رحاله أخيراً في مجلة الهدف.
عبر هذه الرحلة كان غسان
حارساً لذاكرة الوطن الذي لا يضيع بالاحتلال ولا
يستبدل بالمنفى، شاهد على مرحلة لا زالت محاكمتها
جارية.
يا حبذا لو تولت جهة ما
ـ مؤسسة غسان كنفاني، منتدى غسان كنفاني، أو
الاتحاد ـ جمع ما كتبه غسان بما فيها تلك التي لم
تذيل باسمه ووضعها بين يدي النقاد كي تدرس غسان
سياسياً وإعلامياً فتضاف إلى الدراسات التي اهتمت
بدراسة عطائه في المجال الإبداعي.
اليوم ندرك مع غسان كم
كان حجم التآمر كبيراً ولا زال ..
اليوم ندرك مع غسان كم
كانت الإمكانيات التي وضعت بيد المقاومة محدودة،
مما جعلتها صعبة وأدت إلى أن تكون الضريبة التي
دفعها ويدفعها شعبنا باهظة.
فما الذي حدث؟ حدث الذي
حذر منه غسان، أصبحت الثورة مؤسسة وسلطة.. لا تتقن
مهماتها سوى حشد الشرطة، ورجال الأمن وكرست
الانحراف السياسي الخطير باتجاه السير في نهج
التسوية والتفريط المدمرين.
أصبح الشعار أكثر
ارتجالاً وغاب النقد الهادف، نقد المثقف الوطني،
وتراجع مفهوم الثقافة التي مثلها غسان: ثقافة
التحرر والمقاومة، ثقافة النقد والبحث وإعداد
البرامج.
ازدادت المشاكل وكبرت..
الوطن غارق بدماء أبنائه، وسوق التنازلات
والمساومات والحفاظ على الامتيازات في ازدياد
والشعب بين مطرقة إسرائيل وسندان وتنازلات سلطته.
مهما اختلفنا مع غسان،
وحول غسان، فلقد كان فذاً، كان مخزوناً هائلاً من
الإحساس بالوطن وحب الوطن، والقدرة على منح هذا
الحب.
غسان فصل هام من رواية
عصرنا، عصرنا المليء بالمآسي، عبر نهاية كان من
الممكن أن لا تقتنع بها لولا أن المأساة أكبر ولا
تكتمل إلا بمثل هذه النهايات.
كان كمن يهوى المغامرة.
إلا أن مغامرته كانت بمثابة نقاط علام يستدل بها
التائه للوصول إلى الحقيقة، بما فيها المنارة
الأكثر سطوعاً: استشهاده الذي شاءه له القدر
وانتهى إليه فارتقى به إلى مصاف الكرماء.
في الذكرى الرابعة
والثلاثين لاستشهاد غسان وأمام مشهد الدم
الفلسطيني الذي يراق يومياً لا نملك إلا أن نجدد
العهد بالوفاء والاستمرار على خطاه، والتمسك
بالثوابت والمبادىء والأهداف السامية التي آمن بها
وصولاً لحرية الأرض وعودة الأهل للديار وإقامة
الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
عن
الهدف الفلسطينية |