"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

صرخة غسان كنفاني تتجدد

 

علي الكردي
 

 

لطالما تحوّل التساؤل الصارخ الذي أطلقه غسان كنفاني في روايته:"رجال في الشمس" "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟!" إلى سؤال رمزي ووجودي في الأدبيات السياسية والفكرية العربية، وحُملّ دلالات كثيرة لم تنفك عن تحليل أبعاد تلك الصرخة بالسؤال:ترى هل كانت ستتغير المعادلة لو قرعوا جدران الخزان؟!

ذهب البعض إلى القول: هم في الحقيقة دقوا جدران الخزان، لكن العرب العارية كانوا غارقين في سبات تخلفهم وعجزهم، وذهب البعض الآخر إلى القول: إنهم لن يستفيقوا حتى ولو أصّمت أصوات القرع أذانهم!

تمضي السنون، وتتعمق آثار الجراح مع تكرار المآسي، والتجارب المريرة التي خلفت شلالات الدماء في فلسطين والعراق ولبنان، حيث استبيح الإنسان العربي في دمه، وماله، وعرضه، وأرضه، وشجره أمام آلة القتل والتدمير الوحشية الصهيونية والأمريكية التي انفلتت من عقالها دون أي رادع، وفيما كانت أصوات القرع تتعالى على جدران الصمت العربي والدولي الكتيم، استمرأ أصحاب الشأن لعبة سد الآذان، وإغماض العيون، بل تبيّن أن النظام العربي الرسمي متورط بالتواطؤ مع الجلاد ضد الضحية، بل أكثر من ذلك بات يشجع الجلاد على أن يوغل أكثر في التمثيل بجسد الضحية، وإلا كيف لنا أن نفسر هذا الصمت المريب تجاه في ما يجري من مجازر رهيبة في لبنان وغزة والمدن الفلسطينية؟!

حينما تجرأ مئات الفلسطينيين العالقين على الحدود المصرية مع غزة....وأحدثوا ثغرة في جدار المعبر المغلق بأوامر إسرائيلية، ليمر من خلالها الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى الذين قضى بعضهم في العراء وهو ينتظر الفرج، ذكرّت هذه العملية أحد الكتّاب بالشهيد غسان كنفاني الذي تمر ذكراه هذه الأيام، معتبراً العملية بمثابة قرع جديد على جدران الخزان، واجهتها طائرات العدو برشقات النيران من رشاشاتها التي لاحقت العابرين لتحصد أرواحهم فيما الصمت العربي الرسمي سيد الموقف.

مع عمليتي "الوهم المتبدد"....و"الوعد الصادق" يبدو أن الضحية تحاول أن تسطّر معنى جديداً لثقافة المقاومة، لأنها تعلّمت من تجاربها المريرة أنه لا يكفي"قرع جدران الخزان" بل لا بدّ من تدميره، وفتح فجواته الكتيمة للتحرر من ظلماته، والانطلاق نحو أفق جديد، فهل سينفتح هذا الأفق أمامها، أم ستغلقه رمال الصحراء العربية، وشمسها اللاهبة؟!

 

عن موقع مركز الغد العربي