"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

صباح الخير يا غسان كنفاني

 

عادل الأسطة
 

 

سأتذكر متى قرأت غسان كنفاني لأول مرة، ربما كان ذلك وأنا طالب جامعي، وانا خارج الضفة، فحين وقع الاحتلال في العام 1967، لم أكن سمعت به، ولما أنفقت السنوات ما بين 67 و1972 في الضفة، فقد كانت رواياته واعماله عزيزة المنال، عدا انني، صبياً يافعاً، كنت أتابع اخبار المقاومة، هنا وفي الاردن، اكثر مما كنت اهتم بالدراسة، وربما كنت اشارك في التظاهرات، وربما كنت أسر حين نغادر المدرسة ونضرب عن الدراسة، اكثر مما أسر لوجودي فيها، الا في الصف الثالث الاعدادي، اذ احتججت على عدم تدريس استاذ التاريخ وانصرافه الي السياسة اكثر من انصرافه الى التعليم، وكان عليّ يومها ان اجتاز ما كان يسمى بالمترك.
ربما قرأت غسان كنفاني لأول مرة، وانا طالب في الجامعة الاردنية وربما لا. لم اعد اذكر، ولكنني سأذكر جيداً انني قرأت رواية "رجال في الشمس" في العام 1976 لأول مرة، اذ اصدرت منشورات صلاح الدين في القدس طبعة منها كانت هدية الى القراء في الارض المحتلة، وتوالت طباعة اعمال غسان كلها، ما بين 76 و1980، عن دار الاسوار في عكا، وكان ان قرأت غسان كنفاني جيداً، ولم اكتف بقراءتها وحسب، وانما اسهمت في تعريف الاصدقاء به، وحث طلبة الصلاحية في نابلس ايضاً على قراءته، وسأذكر، وربما يتذكر الطلبة الذين علمتهم في حينه، انني شكلت مكتبة صفية من شواكل الطلاب ليقرأوا ما كانت دار صلاح الدين والاسوار تطبعانه، ونقلت هذا ايضاً الى الريف، حين تركت المدرسة الحكومية الى العمل في مدارس وكالة غوث اللاجئين، اذ فعلت الشيء ذاته، رغم اعتراضات مدير المدرسة في حينه، لاحضار مثل هذه الكتب، ولكن ما شجعني، يومها، ان مدير منطقة نابلس ونائبه والطبيب العام في الوكالة كانوا قرروا ايضاً اقامة حلقة اسبوعية للمعلمين لمناقشة كتاب ما. طبعاً عليّ ألا انسى دور مديرة التعليم، في حينه، السيدة لواحظ عبد الهادي.

صباح الخير يا غسان
وسأقرا غسان كنفاني مراراً، سأكتب عنه مقالاً عابراً ربما بدا تكراراً لكتابات اخرين، وسأدرسه في جامعة النجاح الوطنية. سأدرس قصته "الصغير يذهب الى المخيم" وروايته "عائد الى حيفا" و"ما تبقى لكم" و"رجال في الشمس". وحين أكتب عن اليهود في الادب الفلسطيني سأكتب عن روايته "عائد الى حيفا"، وسأرى، وانا أعد اطروحة الدكتوراه، مدى اهتمام الالمان به، دراسة وترجمة، ما شجعني، فيما بعد، على نقل هذه الدراسات، ودراسة اسباب الاهتمام به.

وسأتذكر غسان كنفاني مراراً.
سأتذكر في اثناء غزو العراق الكويت في العام 1990، وما حلّ بالفلسطينيين هناك. لقد حدث معهم ما حدث معهم في العام 1948 غدت الكويت وطنهم، وفجأة هاجروا منها وتركوها، وغدا ما يملكون أثراً بعد عين. لم يدقوا جدران الخزان وهم هناك، وآثروا العمل والاستقرار، وكانت النتيجة ان ماتوا معنوياً، وان الحل الذي نشدوا في تلك الدولة العربية سرعان ما تبخر. وكان غسان في الرواية يقول: ان اي حل خارج فلسطين مصيره الموت والفشل، ولذلك قتل ابطال روايته الثلاثة، لانهم شرقوا ولم يغربوا، اي ابتعدوا عن فلسطين ولم يعودوا اليها. ولانهم ايضاً بحثوا عن حلول فردية.
وسأتذكر غسان منذ انتفاضة الاقصى ايضاً. سأتذكره وانا أرى الفلسطينيين يدقون جدران الخزان منذ 28/9/2000. وسأقول له: ها هم يدقون الجدران، وها نحن نعيش في الخزان. ليس اهل المخيمات هم من يقيمون في الخزان الذي ضاق وضاق وضاق لقد غدت الضفة خزاناً كبيراً، وغدا القطاع خزاناً آخر يزداد ضيقاً بل لقد غدا خزان الضفة يتشكل من خزانات عديدة تضيق بسكانها كما تضيق الارض احياناً، ببعض الناس، بما رحبت.
سأتذكر غسان مراراً، وكلما أتت ذكرى استشهاده لا أفوّت قراءة المقالات التي ينجزها آخرون، وقد لا أفوّت ايضاً ان اشارك في الاحتفال بالذكرى: في ندوة او في كتابة او في قراءة ما.
سأتذكر غسان، وسيلازمني موال واحد هو: ماذا كان غسان سيقول او سيكتب لو رأى ما آل اليه حالنا، ونحن ندق الجدران لم ندق ومتنا، وها نحن ندق ونموت ونحاصر. سأترك الاجابة فأنا حائر.

عن الأيام الفلسطينية