"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

أمام المرآة
إلى غسان كنفاني

 

د.فاروق مواسي



لم تكن بعيدة عنه ، مستلقية بوضع يثير شهيته ، تبدى من ساقها البيضاء جزء يجذب النظر ، كانت قد فرغت من القراءة ، وأرخت أجفانها مستسلمة لهدأة طويلة ، فتوترت أعصابه ، وسمع صوت نبضه .
دخل إلى الغرفة القريبة ، نزع عنه ثيابه ، ثم قرأ الفاتحة وبعض السور القصيرة :
" إذا قرأت سورة الصمد مائة مرة يطلع لك ولي صالح يلي طلباتك وسعده بين يديك " .
ولكنه لم يقرأ السورة إلا ثلاث مرات ، فإذا بثلاثة أولاد يخرجون من الأرض .
- أنت معلم ، علمنا الحساب " !
- لا أتقنه .
- علمنا اللغة العربية ، قواعد ، شعر ...
صفع الأول كفًا ، وركل الثاني برجله ، وضرب الثالث بعنف ،و قعد يدخن. وبعد أن لبس ثيابه عاد ليراقب الفتاة النائمة .
دنا منها بحذر وعلى رؤوس أصابعه .
فتح الراديو ، وأخذ يستمع إلى أخبار فيتنام ... درجات الحرارة المتوقعة ...
لا حاجة .
أغلق الراديو واستمع إلى صوت أخر :
- تعالي إلى شاطئ البحر .
- إن رافقتك هل تُرْكِبُني زورقًا ؟
- نعم . أي زورق ، سنتجول حتى جزيرة قبرص .
ندّت عنها سعلة على أثرها أنطلق إلى المراَة . أخرج لسانه ووقف ينعم النظر في سحنته الغربية ، رسمها بأشكال مختلفة : مبتسمة ، مكشرة ، هازئة ، وكيف تنفرج البسمة إلى ضحكة تطلق بصوت عال .
واختلطت القهقهة بصوت الولد الذي يبكي بعد أن صفع ز
افتقد الولد الثاني الذي ركله في الموضع المناسب ، فقد تسلق هذا على ظهره ، وألقى بيده حول رقبته .
- إني أريد أن أتعلم .
- دعني أسمع أخبارًا .
لن تسمع شيئًا ، والأخبار تعاد للمرة الثامنة .
تناول قرص إسبرين ، وألصقه على جبهته .
لم تتغير الدنيا .
رأى في المرآة عمال المدينة يسيرون في الموعد نفسه ، ويلتقون في المساء مع عشيقاتهم ، يعِدوهن بالزواج ، ويقذفون دموعهم البيضاء بين نهودهن .
يُقتل أبو فايز .
يقتل والجماعة تمارس الرذيلة ، ولا يكلف الواحد منهم أن ينظر إلى مرآة نفسه .
عندما جاء أبو فايز إلى القرية كانت أم مسعود لا تتقن " لخّ " العجين ، وأبو مسعود لا يتقن مضاجعتها .
ومع لك فقد اختار ليلة باردة وكان حزينًا . دنا من أم مسعود ، ولم يبال
بنصيحة مسعود أن يؤجل المسالة ، ولم يبال بصرخة مسعود :
- يا أبي لماذا تنجب جبانًا ؟
ضحك أبو مسعود وقذفه حتى يضبط الحساب ، ويولد مسعود في تشرين مجنيًا عليه . جاء أبو فايز إلى القرية بعد العشاء بقليل ، والسراج مطفًا ومّر على كل الدور ، غنى مسعود لأمه : " يمه اندهي له ، حبي مرق من هين ، وأنا أحكي له بس أطلعي بره " .
اضطجعت النائمة على جانب جديد ، بدا الشكل مغريًا أكثر : شفتان لا حاجة لوصفهما أكثر من أنهما تدعوان إلى طعام خاص ...كل ما في الأمر أن المرآة كانت تنظر إليه هذه المرة .
أخرجت المرآة أوراقها وجعلت تقرأ .
وتعلم الولد الذي كف عن البكاء : راس ، روس ، دار ، دور .
لا راس ولا دار بعد اليوم .
تصورْ أن تكون جثة بلا رأس ، شخصًا بلا دار ، وريقك جف ولا تشرب سوسًا ، ويقال لك " قم عن الأكل وبك خصاصة " ويحفظ الولد (إذا زلزلت الأرض زلزالها ) . فيقول الإنسان (مالها ؟؟؟!) متلهفًا قبل إتمام الآيات والجواب :
( إن ربك أوحى لها ) .
(يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليًُرَوا أعمالهم ) .
والذي أوحى يعرف قطعًاَ أنهم صدروا أشتاتًا قبل أن تُحْرج الأرض أثقالها ، وهو يعرف أن أبا فايز عندما مر وحيّا من أثقالها ، وهو يعرف أن أبا فايز عندما مر وحيّا من بعيد أو قريب لم يحفل به أحد ، والرب لم يحتمل هذا التعبير " شريك له " إلاّ في حالة واحدة : عندما اشترك مع أبي فايز في مشروع السنوات العشرين .
تقلبت النائمة بشكل أجمل ، نفر الآن صدرها العامر الأبيض . وعندما دنا منها أكثر ضغط الولد – الذي ما زال متعلقًا على ظهره – على حلقومه .
- قومي نرقص .
- يا الله ، ولكن احضنّي بقسوة ، وبعد ذلك تلقمني ، تشربني ، سنرقص ، وها
يدي على خاصرتك ، والثانية على كتفك .
الأنوار انطفأت ، الموسيقى صارخة ، الفم يتجول في مناطق أوربية جديدة ، مكث طويلاً في سويسرة ، تسلق أدغال المناطق الشمالية ، وامتص رحيق أزهار ضفاف الراين .
لم يكن أبو فايز جاهلاً بالشرَك ، كان يتوقعه يومًا يومًا ، كان يعرف أنه لا بد من أن يقتل . قبّل فايزًا واحتضنه وأوصاه خيرًا : أن يطيع المعلم ، ويحترم أمه ، ولا يضرب أخته ، وأن يجتهد ، ومضى .
صَحَت من نومها ، قالت : " لا إله إلاّ الله " ورسمت الصليب في الهواء ، وسلّمت وقالت " يا أبانا يسوع " ، بينما كان هو يحك رأسه ويستمع إلى الأخبار : انسحاب همفري من قائمة المرشحين .
محاكمة الياباني .
لسعته نحلة في أذنه ، سب الدين بلا شعور ، وعلى أثرها غضبت الفتاة و ... الله يلعنك ...
- استغفر الله .
من هذا الولد الراكب على ظهرك ؟
هذا جحش لم يفارقني ، يدّعي أنه ابني . أقول له : يا جحش انزل ، يهددني بالخنق . يذكرني بقصة العلجوم في كليلة ودمنة .
أعجبت الفتاة بالصبي الجحش وأغرته ، وبعد لحظات كان في طيات اللحم يلعق بطنها وظهرها ، وينقل لها أخبار الجسم أولاً بأول : بض ، غض ، له رائحة كل دقيقة بلون بطعم ........ فاكهة .
عندما أدار أبو فايز يده نحو اليمين افتقد يده ، اشتعلت الدنيا لحظة ، واللحم الشهي يلعقه طفل .
المنافسة غريبة .
مرة في شاطئ البحر كانت سائحتان ، وكان معه صبي في الثالثة عشرة ، انفرد كل منهما بسائحة ، وانشغل هو في الحديث عن الاقتصاد والاجتماع وقضايا السياسة ، وانشغل الصبي بها .
كانت المرآة قد اسودت في هذه الأثناء ، وأوراقها تبعثرت ، وكان الولد قد أتقن القراءة والكتابة وأخذ يطالب بالزواج .
- هل تدري لماذا قتل أبو فايز ؟
- لأن النساء تهالكن عليه في ليلة صيف. ولأن الحروف عرفت أن بقاءها معه هلاك .
والولد الأول ما زال ينهب اللذات من حضن أميرته .
والثاني يفرز قيحًا .
وأبو فايز في المرآة ، يده كانت أطول من السماء . كانت على ظهر الحائط تحتضن عشبتين متعانقتين . تحتضن دارًا ، ولا تعرف كيف تقبض عليها ، تتشبث بها ،
ولو أعطوها مجالاً لصافحت كل من في الدار .

عن موقع أفق