لم تكن بعيدة عنه ،
مستلقية بوضع يثير شهيته
، تبدى من ساقها البيضاء
جزء يجذب النظر ، كانت قد
فرغت من القراءة ، وأرخت
أجفانها مستسلمة لهدأة
طويلة ، فتوترت أعصابه ،
وسمع صوت نبضه .
دخل إلى الغرفة القريبة ،
نزع عنه ثيابه ، ثم قرأ
الفاتحة وبعض السور
القصيرة :
" إذا قرأت سورة الصمد
مائة مرة يطلع لك ولي
صالح يلي طلباتك وسعده
بين يديك " .
ولكنه لم يقرأ السورة إلا
ثلاث مرات ، فإذا بثلاثة
أولاد يخرجون من الأرض .
- أنت معلم ، علمنا
الحساب " !
- لا أتقنه .
- علمنا اللغة العربية ،
قواعد ، شعر ...
صفع الأول كفًا ، وركل
الثاني برجله ، وضرب
الثالث بعنف ،و قعد يدخن.
وبعد أن لبس ثيابه عاد
ليراقب الفتاة النائمة .
دنا منها بحذر وعلى رؤوس
أصابعه .
فتح الراديو ، وأخذ يستمع
إلى أخبار فيتنام ...
درجات الحرارة المتوقعة
...
لا حاجة .
أغلق الراديو واستمع إلى
صوت أخر :
- تعالي إلى شاطئ البحر .
- إن رافقتك هل
تُرْكِبُني زورقًا ؟
- نعم . أي زورق ، سنتجول
حتى جزيرة قبرص .
ندّت عنها سعلة على أثرها
أنطلق إلى المراَة . أخرج
لسانه ووقف ينعم النظر في
سحنته الغربية ، رسمها
بأشكال مختلفة : مبتسمة ،
مكشرة ، هازئة ، وكيف
تنفرج البسمة إلى ضحكة
تطلق بصوت عال .
واختلطت القهقهة بصوت
الولد الذي يبكي بعد أن
صفع ز
افتقد الولد الثاني الذي
ركله في الموضع المناسب ،
فقد تسلق هذا على ظهره ،
وألقى بيده حول رقبته .
- إني أريد أن أتعلم .
- دعني أسمع أخبارًا .
لن تسمع شيئًا ، والأخبار
تعاد للمرة الثامنة .
تناول قرص إسبرين ،
وألصقه على جبهته .
لم تتغير الدنيا .
رأى في المرآة عمال
المدينة يسيرون في الموعد
نفسه ، ويلتقون في المساء
مع عشيقاتهم ، يعِدوهن
بالزواج ، ويقذفون دموعهم
البيضاء بين نهودهن .
يُقتل أبو فايز .
يقتل والجماعة تمارس
الرذيلة ، ولا يكلف
الواحد منهم أن ينظر إلى
مرآة نفسه .
عندما جاء أبو فايز إلى
القرية كانت أم مسعود لا
تتقن " لخّ " العجين ،
وأبو مسعود لا يتقن
مضاجعتها .
ومع لك فقد اختار ليلة
باردة وكان حزينًا . دنا
من أم مسعود ، ولم يبال
بنصيحة مسعود أن يؤجل
المسالة ، ولم يبال بصرخة
مسعود :
- يا أبي لماذا تنجب
جبانًا ؟
ضحك أبو مسعود وقذفه حتى
يضبط الحساب ، ويولد
مسعود في تشرين مجنيًا
عليه . جاء أبو فايز إلى
القرية بعد العشاء بقليل
، والسراج مطفًا ومّر على
كل الدور ، غنى مسعود
لأمه : " يمه اندهي له ،
حبي مرق من هين ، وأنا
أحكي له بس أطلعي بره " .
اضطجعت النائمة على جانب
جديد ، بدا الشكل مغريًا
أكثر : شفتان لا حاجة
لوصفهما أكثر من أنهما
تدعوان إلى طعام خاص
...كل ما في الأمر أن
المرآة كانت تنظر إليه
هذه المرة .
أخرجت المرآة أوراقها
وجعلت تقرأ .
وتعلم الولد الذي كف عن
البكاء : راس ، روس ، دار
، دور .
لا راس ولا دار بعد اليوم
.
تصورْ أن تكون جثة بلا
رأس ، شخصًا بلا دار ،
وريقك جف ولا تشرب سوسًا
، ويقال لك " قم عن الأكل
وبك خصاصة " ويحفظ الولد
(إذا زلزلت الأرض زلزالها
) . فيقول الإنسان (مالها
؟؟؟!) متلهفًا قبل إتمام
الآيات والجواب :
( إن ربك أوحى لها ) .
(يومئذ يصدر الناس
أشتاتًا ليًُرَوا أعمالهم
) .
والذي أوحى يعرف قطعًاَ
أنهم صدروا أشتاتًا قبل
أن تُحْرج الأرض أثقالها
، وهو يعرف أن أبا فايز
عندما مر وحيّا من
أثقالها ، وهو يعرف أن
أبا فايز عندما مر وحيّا
من بعيد أو قريب لم يحفل
به أحد ، والرب لم يحتمل
هذا التعبير " شريك له "
إلاّ في حالة واحدة :
عندما اشترك مع أبي فايز
في مشروع السنوات العشرين
.
تقلبت النائمة بشكل أجمل
، نفر الآن صدرها العامر
الأبيض . وعندما دنا منها
أكثر ضغط الولد – الذي ما
زال متعلقًا على ظهره –
على حلقومه .
- قومي نرقص .
- يا الله ، ولكن احضنّي
بقسوة ، وبعد ذلك تلقمني
، تشربني ، سنرقص ، وها
يدي على خاصرتك ،
والثانية على كتفك .
الأنوار انطفأت ،
الموسيقى صارخة ، الفم
يتجول في مناطق أوربية
جديدة ، مكث طويلاً في
سويسرة ، تسلق أدغال
المناطق الشمالية ، وامتص
رحيق أزهار ضفاف الراين .
لم يكن أبو فايز جاهلاً
بالشرَك ، كان يتوقعه
يومًا يومًا ، كان يعرف
أنه لا بد من أن يقتل .
قبّل فايزًا واحتضنه
وأوصاه خيرًا : أن يطيع
المعلم ، ويحترم أمه ،
ولا يضرب أخته ، وأن
يجتهد ، ومضى .
صَحَت من نومها ، قالت :
" لا إله إلاّ الله "
ورسمت الصليب في الهواء ،
وسلّمت وقالت " يا أبانا
يسوع " ، بينما كان هو
يحك رأسه ويستمع إلى
الأخبار : انسحاب همفري
من قائمة المرشحين .
محاكمة الياباني .
لسعته نحلة في أذنه ، سب
الدين بلا شعور ، وعلى
أثرها غضبت الفتاة و ...
الله يلعنك ...
- استغفر الله .
من هذا الولد الراكب على
ظهرك ؟
هذا جحش لم يفارقني ،
يدّعي أنه ابني . أقول له
: يا جحش انزل ، يهددني
بالخنق . يذكرني بقصة
العلجوم في كليلة ودمنة .
أعجبت الفتاة بالصبي
الجحش وأغرته ، وبعد
لحظات كان في طيات اللحم
يلعق بطنها وظهرها ،
وينقل لها أخبار الجسم
أولاً بأول : بض ، غض ،
له رائحة كل دقيقة بلون
بطعم ........ فاكهة .
عندما أدار أبو فايز يده
نحو اليمين افتقد يده ،
اشتعلت الدنيا لحظة ،
واللحم الشهي يلعقه طفل .
المنافسة غريبة .
مرة في شاطئ البحر كانت
سائحتان ، وكان معه صبي
في الثالثة عشرة ، انفرد
كل منهما بسائحة ، وانشغل
هو في الحديث عن الاقتصاد
والاجتماع وقضايا السياسة
، وانشغل الصبي بها .
كانت المرآة قد اسودت في
هذه الأثناء ، وأوراقها
تبعثرت ، وكان الولد قد
أتقن القراءة والكتابة
وأخذ يطالب بالزواج .
- هل تدري لماذا قتل أبو
فايز ؟
- لأن النساء تهالكن عليه
في ليلة صيف. ولأن الحروف
عرفت أن بقاءها معه هلاك
.
والولد الأول ما زال ينهب
اللذات من حضن أميرته .
والثاني يفرز قيحًا .
وأبو فايز في المرآة ،
يده كانت أطول من السماء
. كانت على ظهر الحائط
تحتضن عشبتين متعانقتين .
تحتضن دارًا ، ولا تعرف
كيف تقبض عليها ، تتشبث
بها ،
ولو أعطوها مجالاً لصافحت
كل من في الدار .

