ارتبط أدب غسان كنفاني بالمقاومة الهادفة إلى تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني ومواجهة عدوانه وإرهابه وقتله للفلسطينيين، مما جعل الموضوع الرئيس في أبحاثه ورواياته وقصصه ومسرحياته فلسطين التي صارت فيها الحياة إلى العذاب والفناء والموت تحت وطأة الصهاينة أعداء هذه الحياة، وتجلت قضية فلسطين ومقاومة الصهيونية والتصهين في أعماله الأدبية كلها، وفي مقدمتها قصصه.
وأوجز القول حول مزايا أدب المقاومة في قصصه المتميزة:
أسس كنفاني لقصة المقاومة وطورها، فصار هناك قصة مقاومة فلسطينية، وهذه مأثرته قاصاً ينهض بالقيم الوطنية والقومية ضمن تشابكاتها التاريخية وتعالقاتها الدلالية عن قلق الوجود والدفاع عن المصير الفلسطيني، وأشير إلى أبرز هذه الدلالات، وأولها التعبير عن معاناة الفلسطيني في المنفى بعامة في قصص مجموعته " موت سرير رقم 12 " التي تستغرق في التحفيز الواقعي وثراء الخطاب القصصي حواراً مع الذات المؤرقة والمعذبة في خضم المشكلات الاجتماعية والسياسية، وثانيها مأساة المنفى الفلسطيني حنيناً وعذاباً لدى استحضار أرض المأساة الفلسطينية ببعديها الوجودي والتاريخي من خلال استخدام تقانات التمثيل الثقافي وتحليل الوجود والتاريخ نشداناً للأمثولة في فعل المقاومة، وهذا واضح في غالبية القصص مجموعته " عالم ليس لنا "، وتفصح الأمثولة عن سبل الخلاص عن المأساة بالمقاومة، وتكاد تستغرق القصص في الترميز من العتبات السردية كعنوانات القصص إلى متنها ورؤاها العميقة، فأبانت قصة " جدران من الحديد " وجع الاحتضار عند التماثل مع طير صغير سرعان ما كف عن الطيران (ص 421)، وتماثل الوصف الفلسطيني مع الصقور التي لا يهمها أين تموت، في قصة " الصقر "، وهذه هي " الغزالات تحب أن تموت عند أهلها " ( ص 436). ووجد الراوي في قصة " عشرة أمتار فقط" أن ما يجري من وقائع مروعة " لن يصلح للعالم قط" (ص467)، وأظهرت قصة " علبة زجاج واحدة " سجن حياة الفلسطيني بالترميز: " نحن نتحرك داخلها، ولكننا لا نغادر.. نحن ننتقل من طابق إلى آخر، ولكننا لا نغادر.." (ص 494)، وتداخل الرمز مع الماء في محاولة الخلاص في قصة " الشاطىء "، فقد " كانت البقعة الجافة تقع على بعد ذراع واحد فقط، ورغم تلك فقد كانت تبدو بعيدة جداً بالنسبة للقطة البيضاء التي كانت تقاوم الغرق بصخب وجنون، فيما بدأت الأجواء تقصف بالرعد " (ص 545).
2- طوع كنفاني من القصة بخصائصه العصية على التاريخ لحاجات قصة المقاومة، من خلال تلازم المبنى الرمزي والمبنى الواقعي، والعناية بالخصوصيات البيئية والمحلية، والتوازن الفني بين الموضوع والتعبير القيمي، وتثمير التواصل بين الفنون والأشكال السردية، والإيماء إلى الإحالات الثقافية الكلامية وعياً بالتاريخ، فقد سمى مجموعته " أرض البرتقال الحزين " ترميزاً لفلسطين، وأفصحت العنوانات عن هذه المدلولات أيضاً، إضاءة لتجارب المقاومة نحو الأمان والسلام.
وتكامل الترميز في المبنى الرمزي والمبنى الواقعي عند التماثل بين فلسطين وأرض البرتقال الحزين: "رأيت في الوقت ذاته المسدس الأسود على الطاولة الواطئة.. وإلى جواره برتقالة.. وكانت البرتقالة جافة يابسة" (ص 375).
وبنيت مجموعته القصصية "عن الرجال والبنادق" على تقانة الاتصال بين الفنون والأشكال السردية بما يجعل منها كتاباً قصصياً يستند إلى مفهوم اللوحة، إذ تشكل الكتاب القصصي من تسع لوحات رسم فيها باقتدار " الأفق الذي أشرف فيه الرجال والبنادق معاً" في مواجهة الاحتلال، وحوت إلى لوحة مشاهد من الصراعات وتصليب الذات الفلسطينية، وألمحت العنوانات نفسها إلى مدلولات الخطاب السردي مثل « الصغير يستعير مرتينة خاله ويشرق إلى صفد» و « الدكتور قاسم يتحدث لإيفا عن منصور الذي وصل إلى صفد».
وتعاضد الاتصال بين الفنون والأشكال السردية مع وفرة الإحالات الثقافية والكلامية لتعميق الوعي بالتاريخ مثل الملاحظة الأخيرة في المجموعة: تقول أم سعد: "خيمة عن خيمة.. تفرق!، وهو المثل الشعبي الدا ل إلى كنه المواقف المختلفة وتشكلها للصراعات وللدفاع عن الوطن بالفداء. واعتمد الاتصال إياه على التناص، لتعزيز أفعال المقاومة والبطولة بالتجارب البشرية العريقة والراهنة في التاريخ. وقد أشار في المدخل إلى قول صيني عاش قبل الميلاد بعدة مئات من السنين، عن أن "الحرب حيلة" و"سطوة المعنويات"، و "أن الانتصار هو أن تتوقع كل شيء، وألا تجعل عدوك يتوقع.." (ص 615)، وربط التناص بالوقائع التاريخية كإلماحه إلى بعض وقائع عام 1949 المعبرة عن حلم الحرية بالوعي وتصليب الذات الفلسطينية.
3- الاستجابة للذات الفلسطينية وتطور أوضاع الفلسطينيين، حتى أن بعض القصص أقرب إلى قراءة استشراقية أو استباقية أو تعليق على ما يحدث أو ما حدث، كقصة "قرار موجز"، على سبيل المثال (المكتوبة في 21/7/1958)، والمنشورة في دورية عربية، ولم توضع في إحدى مجموعاته القصصية، إلى أن جمعتها لجنة تخليد غسان كنفاني في المجلد الثاني من آثاره الكاملة، ناهيك عن النظر الرئيس إلى المجموعات الأربع، فالقصص شهادة عن حال الفلسطيني في زمنه وعذاباته المؤرقة وعزيمته على المواجهة والبطولة والفداء والشهادة.
القصص القصيرة أسلوب تعبير في مشروع كنفاني عن إيجاز ثقافة مقاومة، يتكامل مع أساليب التعبير الأخرى في الرواية والمسرح والبحث والنقد والدراسة، فقد درس الآخر وأدبه في كتابه " الأدب الصهيوني " (1967)، ودرس الذات وأدبها في الداخل في كتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال" (1968)، وحلل أوضاع فلسطين والمقاومة ومعضلاتها الداخلية والخارجية في كتابه " أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" (1966).
عني كنفاني بالنزوع الملحمي الشعبي في قصصه اللاحقة، ومثالها مجموعته "عن الرجال والبنادق" التي يتلاقى فيها استحضار الماضي مع الواقع الفعلي، وتقارب شعرية رؤى الحماسة البطولية، حدود الأسطرة والأمثولة عند التوكيد على الحقائق، وثمة اعتماد على الدرامية في البنية القصصية الملحمية بوفرة الحوارية وإخبارها عن الأحداث والوقائع من الماضي إلى الحاضر والاستشراقات المستقبلية. وتنامت الملحمية في درامية اللوحة المشهدية نحو انبثاق الذاكرة الجمعية وانطباقها على الذاكرة الفردية، وتطورت الدرامية في الكتاب القصصي إلى رحابة المنظور السردي في النص الروائي "أم سعد" (1969)، وتمثلت المأثورات وسيرورة التقاليد في البنية السردية بعامة، وفي قصص " عن الرجال والبنادق" بخاصة.
مراعاة حاجات الإيصال وحاجات التلقي في أفعال المقاومة، بتوظيف الحوافز (الوحدات القصصية) في المنظور القصصي لدى اندغام الدلالية في التداولية لاحتضان المقاصد والأغراض في مكابدة تجارب العيش المقهور، وتجلى ذلك في العناية بالسرد ولا سيما توازن الوصف مع الحوارية، وبالمحاكاة، فعلاً ومكاناً وزماناً لتشكل الفضاء القصصي الشامل للعدوان الداخلي والخارجي على القضية الفلسطينية وشعبها تحت الاحتلال، أو في المنفى والشتات.
انبثاق الذاتي من الموضوعي، إذ تتحدث القصص عن الفلسطيني ووضعه وعذاباته وأشواقه إلى الحرية والتحقق الذاتي الحر والمستقل. يتبدى ذلك في نبذ الوصف الشخصي والذاتي لذاته الخاصة، بل يتماهى الخاص مع العام بالتمثيل والمجازية نحو الأمثولة في إدغام الذات الخاصة بالذات العامة على أنه الفلسطيني المحتل المدافع عن حريته وكرامته، فلا نقرأ قصة عن تجربة شخصية أو ذاتية بعيدة عن عذاب الفلسطيني وتمثله أو تمثيله.
حرص كنفاني على بلاغة السرد على الرغم من اهتمامه المطلق بإبلاغية الموضوع القومي الفلسطيني، وبدت هذه البلاغة في التخييل المستند إلى الوقائع، وفي اقتصاد الحوافز والعناية بالتحفيز الواقع بالدرجة ألأولى، كما أشرنا، ولجأ كنفاني إلى اللغة المجازية في صلب هذا التحفيز، وإن جنح به التخييل إلى مبنى رمزي أحياناً، وتؤشر قصص " رأس الأسد الحجري " و " عطش الأفعى " و " كفر المنجم " إلى هذه المجازية اللغوية وتجنيح التخييل على سبيل التمكن من التلقي والتأويل، وبما ينفع في اندغام القصص في أطروحاتها الفكرية والفنية عن المقاومة في تحولاتها السياسية والاجتماعية والحضارية، لئلا يسمح للتجريب لذاته، أو لشهوة التعبير السياسي وحده، لأننا نقرأ في قصة كنفاني إرادة المقاومة وأفعالها في أحوال الفلسطينيين بخاصة، والعرب بعامة تحت وطأة الصهيونية والتصهين.

