"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

للشهيد و الأديب غسان كنفاني

 

إدريس علوش

 

غسان كنفاني السياسي، و الصحفي، و الفنان،  والأديب، والمبدع، الناقد،  والمناضل  والشهيد...

الناقم حياً و شهيداً على غطرسة كيان يتوهم أن له وجوداً بيننا، ولأجل هذا الوهم فتح دولاب الدم، والمجازر،  والمكر،  والخداع،  والدسيسة،  وزور الذاكرة،  والتاريخ، واستهزأ بالجغرافيا...

غسان كان يعرف من موقعه النقدي كل هذا وأكثر...

لهذا الاعتبار تواجد في كل الأماكن، والمواقع، والأزقة، والشوارع، والمخيمات، والخنادق حتى لا يدع مجالاً اوثقباً يتسرب عبره هذا الكيان المندس في شأن ليس له... في القصة القصيرة.. والرواية.. والمسرح.. والرسم.. والجريدة.. والمجلة.. والبيان.. والملصق.. والنص.. والفقرة.. والسطر.. والنقطة.. والفاصلة.. كان غسان بلمسته الثاقبة يقول لن ندعك تعيش بيننا بسلام ما دمت محتلاً وغازياً وعدوانياً. لأنك لست منا وعليك أن ترحل وإن لم يكن اليوم ماهم ولو بعد مائة سنة.المهم هو أن ترحل ونحن لك بالمرصاد احياءً وشهداء بالدم، بالحديد، بالرصاص، بالحجر، بالفكر، بالإ بداع فلا مجال لك بيننا فارحل..ارحل..ارحل...

غسان كان بمثابة حبة وجود...

نحيف ونحيل وخفيف كفراشة تماما..

يمسك بالقلم وكأنه يمسك بالزناد..لا فرق كان عنده..

المهم إنه كان يصوب نحو الهدف الذي يقود إلى تحرير فلسطين..

تحرير الإنسان، والأرض، والذاكرة من التشويه والتاريخ من النسيان والجغرافية من التلوث وفلسطين من الاحتلال...

لم يكن غسان يفصل بين الهدف المجلة، والجبهة الحزب. لكنه كان يراهن كثيراً على ذاك الخيط الرفيع الذي يجمع بينهما ويؤسس للجدل القائم بين الفكر والثورة والوعي النقدي.رحلة عمر قصيرة عاشها بكثافة وكانت حافلة ومليئة بالعطاء، والفعل، والتفاني، والحب، والجرأة، والشهامة، والشجاعة، والاجتهاد، والمثابرة فقط لتستمر المقاومة وليستمر النهج المكافح لتحرير فلسطين..

عندما صوّب العدو رصاص الغدر والمؤامرة لينال من غسان كان يستهدف بالأساس فيه روح الإبداع، والقدرة الخلاقة على تدبير إشكال المقاومة الفعالة لإنهاء الاحتلال في اقرب وقت ممكن حتى لا يتمادى هذا الوباء والسرطان إلى أقصى مداه...كان يستهدف فيه الشموخ الذي لا يهادن مهما تخاذلت سبل وملابسات المرحلة...كان يستهدف فيه بعد الرؤية وعمق التحليل...

هل كان يعرف الناس والعالم ونحن كم من الساعات كان يشتعل غسان لتصمد فلسطين في وجه الكيان الصهيوني.هل أجازف إذا قلت أنه كان يولد ساعات إضافية لعقارب الزمن.وإذا كان اليوم بليله ونهاره يعادل الأربعة وعشرين ساعة، فاليوم عند غسان سبعة وعشرون ساعة...من أين إذن كان غسان يضيف هذه الساعات الثلاث إلى عمر اليوم.. وهذا معطى موضوعي وحقيقة ساطعة وليس مجالا للاستعارات أو الخيال..من الحب  العميق لفلسطين، والناس، وللمعذبين في الأرض.  كان يستمد طاقته الفعالة للانتصار على الزمن واستثمار الوقت على أحسن وجه وصورة..

غسان كنفاني المتعدد في النص، والإبداع، والخلق، والابتكار متعدد أيضا في الرؤيا والرؤى ورحابة صدره وسعة فكره، ونضجه،  ورصانته سمات هيأته للقبول بالتعدد، والاختلاف، والتنوع، وقبول الرأي والرأي الأخر دون تعصب، أو إرهاب فكري، أو شوفينية عرقية، أو عنصرية، كيف لا وهو المثقف العضوي والمناضل الأممي . فقط لا اختلاف عنده عندما يتعلق الأمر بفلسطين فهي التعدد في الوحدة، والوحدة في التعدد.  من هنا كانت قوته في إدارة الحوار، والنقاش، والتواصل ليس مع مكونات الصف الوطني والديمقراطي الفلسطيني فحسب بل مع كل الفعاليات، والتنظيمات التقدمية، والديمقراطية، والأممية في أرجاء المعمورة.  لذا سيبقى منارة شامخة للفكر الأممي،  والإنساني،  والكوني...

عن غسان الإنسان ..قد لا يسعف التعبير ولا حتى العبارة للحديث عن هذا البعد في المسار الحياتي والنضالي والكفاحي لغسان .ببساطة لأن الأساس والجوهر فيه كان إنسانياً وبامتياز.. إنساني في السلوك،  والممارسة، والتنظير، والإبداع.. غسان من الإنسان أتى ولأجله ناضل واستشهد...

عن الهدف الفلسطينية