ترى ما الذي يعنيه لنا، نحن الفلسطينيين، هذا الاسم الذي يكبر معناه كلما مرت السنون، بعكس ظواهر كثيرة، أدبية وسياسية وفنية.
السؤال في غسان، صعب، والإجابة أصعب، سؤال يتعلق بالأدب أولاً، ثم بالسياسة، ثم الاغتيال، لنقف أمام شخصية معقدة ومركبة على الرغم من بساطتها البادية، فالأديب يكتشف من قبل النقاد تباعاً، وفي كل عام تطل عناوين جديدة تدرس نثر وفكر هذا الرجل، وكأنه غابة لم تكتشف بعد، أما السياسي فيتضح رؤية تلو رؤية، وأما المُغتال فتسطع حوله الأسئلة، وفي كل مرة أيضاً نكتشف سبباً جديداً لاغتياله!
غسان كنفاني، فلسطيني عادي هويةً، ومبدع شائك العالم في براعة نصه فنياً، بحيث أن معادلة البساطة والعمق قد تحققت بقلمه، وغاصت المفردات البسيطة، بل والاعتيادية في عالم من الأفكار والرؤى التي لا تُحدّ. حتى أن ناقداً قال مازحاً: «لم يدرس الحرف عند غسان كنفاني»، وهو إذ يقول ذلك مازحاً، فإن فيه من الجدية ما يكفي لاعتبار معناه بجدية ولأسباب عدة:
في اللحظات الأولى، أو لنقل السنوات الأولى، قيل بأن اغتيال غسان كان لمشاركته في قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي أقلقت إسرائيل والعالم بعملياتها الصاخبة، وذلك بالتأكيد من مسببات اختيار هدف الاغتيال من قبل النازيين الجدد.
ثم مرت السنون، فاتضح أكثر بأن سبب الاغتيال لم يكن لمجرد مشاركة هذا الأديب الساخط والنقي في الحركة السياسية، بل ثمة ما يخيف في قلمه، واكتشفنا فيما بعد بأن الصهيونية لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى القلم، وأن دوافع استهداف كنفاني كانت فكرية وثقافية أكثر منها أمنية أو سياسية، فقد أرعب الجيل الجديد من الكتاب والشعراء الفلسطينيين أركان وأسس بناء الكيان النازي المقام على أنقاض صراخ ألأطفال الذي أصبح بعضهم أدباء وقادة ومفكرون في وقت قياسي، مما أجاب ببلاغة على سؤال غولدا مائير: «أين هو الشعب الفلسطيني». غسان واحد من ألمع المجيبين على هذا السؤال وأبرعهم، لهذا تم اغتياله.
واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود على تشظي جسده المتفجر بالسيارة المفخخة، تحاول الصهيونية الرد على رواية بسيطة المبنى، عميقة الدلالة هي: «عائد إلى حيفا».
فقد كتب سامي ميخائيل، رواية جديدة هي في معناها الفكري رد على «عائد على حيفا»، يعيد فيها تشكيل عناصر وشخصيات الرواية، تماماً كما فعل أسلافه بتاريخ فلسطين، فبدل أن يكون ترك الطفل الفلسطيني مأساةً نتيجة قدوم النازيين الجدد، يحاول ميخائيل تحميل المسؤولية للأم التي تركته.
ترى لماذا يحاول ميخائيل تزوير، أو إعادة بناء رواية كنفاني، هل لاعتقاده بأن صهيونيته فشلت في تزوير الذاكرة البشرية، أم لقناعته بأن الأدب الفلسطيني كالتاريخ لا بد أن يشع ويتضح في الذهن البشري، في كلتا الحالتين يدلل ذلك على أهمية الأدب وأهمية غسان كنفاني، التي تستوجب الرد روائياً بعد قتله بوحشية بثلاثة عقود.

