ربما هي من المصادفات الغريبة أن تتزامن ذكرى استشهاد الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، مع ما يحدث في لبنان هذه الأيام، ففي صبيحة الثامن من يوليو، تحول جسده إلى أشلاء في منطقة «الحازمية» ببيروت بعد تفخيخ سيارته، ليترك لنا «أم سعد»، تنادي «أرض البرتقال الحزين» داعية «الرجال والبنادق»، وعشرات الأعمال الأدبية الخالدة، للذود عما تبقى لنا من كرامة تعيننا على مرارة الأيام القادمة.
أربعة وثلاثون عاماً وبيروت الجميلة تلملم جراحها، وغسان كنفاني لم يكمل «برقوق نيسان»، كما لم يستطع أن يخبرنا ماذا سيحل بـ «الأعمى والأطرش»، أعماله الأدبية التي لم يستطع إكمالها.. مع أننا لا نحتاج في هذا الزمن الأغبر لكثير عناء حتى ندرك على الفور، ماذا فعلنا طوال تلك السنوات الطوال ونحن نشحذ هممنا المتقاعسة، وندَعي أننا لن نكرر ما فعلناه بتاريخنا وأيامنا وليالينا التي لا تنتهي.
لبنان كان الوجهة الأولى لعائلة الأديب الفلسطيني، حيث أقام فيه، ليعمل بعد ذلك معلماً في المدارس التابعة لوكالة الغوث، ويتجه بعدها إلى عالم الصحافة الرحب، فكان شديد الخصوصية والتميز والإتقان، رشيقاً متواتراً كالغزال يبشر بزلزال كما أحب «محمود درويش» أن يصف فترات عمله كمحرر أدبي في جرائد: المحرر، الأنوار، الحوادث، وبعد أن أسس جريدة الهدف التي رأس تحريرها حتى استشهاده، وكتب قبل ذلك بأسماء مستعارة عديدة في صحف بيروت ودمشق والكويت.
جوائز عديدة نالها خلال مشوار عمره الإبداعي والإنساني، منها جائزة أصدقاء الكتابة في لبنان، وجائزة منظمة الصحافيين العالميين، وجائزة الغوث التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، لكن جائزته الحقيقية كانت دائماً الجمهور الذي قرأ إبداعاته قراءة الوطن والهوية والمصير، وأدرك معنى أن يكون الأديب ملتصقاً بشعبه، وجمهوره، وناسه، من دون أن ينسى ذلك المخزون الإنساني الثري، فكان أحد المبدعين الذين أعطوا الحبر زخم الدم، وحول الأزرق إلى أحمر قانٍ فيه الكثير من القدَسية والبراءة، فمن يقرأ «غسان كنفاني» جيداً، يقرأ اليوم حكايات الأحلام الضائعة، وأنين الزيتون والبرتقال، ويكحل عينيه بملامح الرجال تحت شمس الحقيقة دون أي رتوش.
في يوليو 1972 رحل «غسان كنفاني»، وفي يوليو 2006 اشتعل لبنان ناراً وظلماً وتحولت «بيروت» إلى مدينة تشبه ما بنفوسنا من حرائق أشعلتها النكبات والهزائم، من دون أن ننسى أن من أشعل حرائق لبنان هو من اغتال كل ما هو مبدع وجميل فينا، من دون أن يعرف ويتذكر أن «تموز» كان على الدوام مواسم للخصب والحياة، مثلما ستبقى «بيروت» أيقونتا الثمينة، فاللوتس الأحمر الذي تركه «غسان» أمانة في أرض الأرجوان، سيملأ الآفاق نوراَ وعطراً، مثلما ستبني «خيمة أم سعد» كل ما هدمته آلة الحرب الهمجية، قبل أن تقرع أجراس العودة في يوم قادم لا محالة.

