"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

في ذكرى استشهاده الـ 33
رسالة إلى غسان كنفاني

 

حبيب هنـا

 

تأخرت في الكتابة اليك، مع أنك تسكن عقلي وبيتي وتشاركني الأحلام والمستقبل، ولم أفكر لحظة في الكتابة اليك، على الرغم من أهمية ذلك وفضلك عليّ في أن أكون ما أنا عليه الآن، فأنت استاذي الذي دونك ما كان من الممكن السير على دروب العصف الفكري وذائقة الأدب الابداعية التي لا يرقى إلى مستواها أي من أفضليات الحياة التي غدونا نعيش على هوامشها بعد غيابك الذي أبقى مكان الصدارة خالياً على الرغم من تهافت الطفيليين.
لكن كيف ابدأ الكتابة، وأنا، مهما بلغت، أقل شأناً وبلاغة في قول ما سبقني الى بعض منه الذين رافقوك عبر أعوامك الستة وثلاثين التي ما انقطعت خلالها عن رصد الحراك داخل المجتمع الفلسطيني غير المبلور؟
أشعر أحياناً، أنك تعرفني، وأنني أقرب الناس اليك، مع أنني لم ألتقيك يوماً، ولم تسمع باسمي من قبيل الصدفة، سيما وأن أبطالك في غالبهم لهم مكونات خصائص تنطبق عليّ حتى حدود التناسخ؛ لذا أحببتك، أحببت فيك ما تمنيت لاحقاً أن أحققه في حياتي، ذكراك التي خلدت فينا الوفاء للذين سجلوا أسماءهم، عن اقتدار، في صفحات المجد والعطاء والعمل على التغيير مهما كان ضئيلاً.
وموجع ان أرى غيابك لا يحفز الآخرين على انجاز مشروعك الثقافي الذي أسست لبناته الأولى بسرعة البرق كأنك في سباق مع الأقدار التي تترصد خطواتك منذ (موت سرير رقم 12) حتى (مشارف برقوق نيسان) التي أجلت اتمامها الى حين، على الرغم من أنك حاولت مراراً استكمالها على صعيدين، الأول، ذهني، والآخر كمشروع، لكن ما كان يرد عني الخوف عليك ومنك؛ الخوف من تشويه الصورة ? الفكرة ? التي اردت توصيلها للمتلقي من خلال هذا العمل، والخوف من أن تقول لم تقرأني جيداً، فغدوت كمن أراد أن يستعرض معرفته فاكتشف انه لا يعرف شيئاً.
وفي كل مرة، أقرأك، قد لا تصدق، تنتابني رغبة في تعبئة رئتي بدخان السجائر كما لو أنني أجالسك في فندق (اسكرابيه) واتابع كل حرف وانت تخط رسالتك لفاتنة العقل والجمال غادة السمان التي كانت سبباً كافياً لاستمرار عطائك في ظل غياب الوطن، والغريب، أنني منذ كنت طفلاً، حاولت أن أكون فاعلاً، ولكن غياب التجربة والمنهاج وعدم المعرفة في سير الأمور ونموها طردياً، حال دون ذلك، الأمر الذي دفعني دفعاً، أن أرى فعلك وكأنه فعل كل الذين تعوزهم المقدرة على الفعل.
تعلمت الكثير منك، وأحسد نفسي على كل هذا، فقد أخذتني الحيرة الى مداراتها وأنا أحاول الاطلال على حياتك ودراستها بما يليق بكاتب شق الغبار، فاستحال الى ذرات من العطاء والدم وضعت أهل الوطن على حواف طريق العودة، وتبصيرهم بالمصير الذي ينتظر كل من يتخلف عن دق الجدران، او كما قلت "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟".
تعلمت منك، من أجل أن نبقى حاضرين، ينبغي أن نكتب الأشياء التي تدفع الآخرين الى حفظها وترديدها بعد غيابنا. تعلمت منك، أن حب العمل يفوق لذة الثمالة اذا ما كان صاحبه ينتمي اليه بالمعنى المهني، وتعلمت منك، أيضاً، أن الانتقال من خيمة الى خيمة يفرق، فيما الآخرين مازالوا يرهبون الشتات والغربة وكأنه حكم مع سبق الاصرار والترصد، ولم يخطر في بالهم أن بامكان الانسان والفلسطيني على وجه التحديد بناء أكثر من وطن كي يسكن فيه وحتى يحافظ على بقاء النوع الذي يسعى دوماً نحو الوصول الى الوطن الحقيقي الذي تحدثت عنه في مقالاتك وأنت "فارس فارس" وعندما كنت تحقن نفسك بالأنسولين، (الآن أدرك) لم تكن تشعر بالثقوب التي تحدثها الإبر، لأن هناك ثقباً كبيراً في دماغك اسمه الوطن أو الشهادة ستنتصر. أعذرني أيها العزيز وأنا أقول إن في مثل هذا السلوك نوعاً خاصاً من الحرية، أدت في نهاية المطاف الى توزيع غبار ذراتك في أجواء الوطن العربي بعد أن ثقبوك تفجيراً، فانتشرت بحرية ودون جوازات مرور الى مختلف الأركان كي يستقر حيث أحب الأماكن الى قلبك، من أجل بناء الوطن الحقيقي الذي حلمت به دوماً، وما انفككت عن بنائه في أعمالك الخالدة.
وتمنيت من كل قلبي لو أن العمر طال بك قليلاً حتى أرى العاشق في صورته النهائية، ماذا حل به بعد أن سار في ذلك الفحر البهيمي فوق جمرات الليلة الماضية التي خلفتها الحرب دون أن تصدر منه آه ألم، ومع ذلك، فهي حكاية انما تعكس كم كان الثمن الذي دفعته غالياً، دون ريب، اذا ما اعتبرت أن فيها شيئاً يخصك أنت وحدك الذي استطاع اخراج تفاصيلها من بين الركام كي تنسخ حكاية العاشق الذي لم يشعر بالنار وهي تلسع قدميه، لأن النار المشتعلة داخله أقوى وأشد.
منذ أن أخذ السكر يدب في أطرافك، أيقنت أن رحلتك قصيرة والدرب أمامك طويل لا يمكن بلوغه قبل الموت ما لم تحث الخطى، فأسرعت للعمل في مختلف المجالات النضالية والابداعية على اختلاف مسمياتها، حتى أصبحت ما أنت عليه، ولكن العدو الذي رأى فيك خطراً حقيقياً على مشروعه الاستيطاني، لم يمهلك كثيراً حتى تحقق أكبر قدر من طموحاتك في أقل وقت ممكن قبل ان يفتك بك السكر، فحلقت في سماء المجد نجماً أضاء ليل العرب الدامس.
ومأساة هذا الوطن تكمن في الذين تزدحم بهم الطرقات بانتظار اللحظة المناسبة كي يقطفوا ثمار النصر من أرواح الشهداء، لكن هذا الأمر (على الرغم من معرفتك له) لم يحبطك ولا شكل هاجساً قمع داخلك حب العطاء كما الآخرين.
وعندما كنت اتساءل عن سر قوتك وعدم الخوف من اللصوص وسرقة المجد، لم أجد سوى اجابة واحدة حسبت أنك أنت قائلها لشدة ايماني بها: من يخلق الأبطال في أعماله ثم يقتل من لا يستحق الحياة منهم انما قادر على التصدي للصوص وقطاع الطرق، وخير دليل (رجال في الشمس).
الآن، ازداد قناعة، ان الشعب عندما بكاك في لحظة انتشارك في الفضاء المفتوح على المدى، بعد أن جاء بك العدو في نشرة أخباره، لم يكن يبكي غسان الأديب فقط، بل ايضاً غسان المناضل الذي وفر لهم في كتاباته فرصة البكاء وذريعته؛ البكاء على الأيام التي تأخروا فيها عن الدفاع عن أنفسهم حتى جئت أنت وبصرتهم بالمصير الذي ينتظرهم ان هم استمروا راكنين إلى الهدوء والطمأنينة؛ فالأوطان لا تتحرر بالأمنيات الطيبة والنوايا الحسنة!
لقد بكوا أنفسهم بمرارة، من حيث لا يدرون، وتضاعف بالتالي أعداد المنخرطين في العمل الفدائي، تأكيداً على تحدي الشعب المشرد لغطرسة العدوان وقناعة تامة بصدق انتمائهم للأفكار والمبادئ التي لم تتوان لحظة واحدة عن جعلها زادهم اليومي من اجل بناء الوطن الحقيقي للشعب الذي فقد وطنه في لحظة ضغف ادت الى غياب عن المشهد استمر زهاء عقدين من الزمن حتى انطلاقة الثورة المعاصرة وما رافقها من مد وجزر، بما في ذلك اللحظة الفارقة بين أن تكون بيننا ونقرأك وبين ان تصبح ملكاً لهذه الأمة ونقرأ اعمالك الخالدة التي تجدد فينا دوماً العطاء عند كل منعطف وتحثنا بالتالي على مواصلة انجاز مشروعك الذي لم يكتمل بعد.

عن الحياة الجديدة الفلسطينية