"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

غسان كنفاني في السبعين من عمره: أفكار غسان في زمن مختلف

 

د. فيصل دراج

 

ماذا يفعل الفلسطينيون، الآن، بذكرى غسان كنفاني؟ وهل ذكرى مثقّف مناضل، بالـمعنى النموذجي، مناسبة جديدة لكلام قديم أم أنّها شيء آخر؟ ما الفرق بين الزمن الفلسطيني اليوم وذاك الذي نما فيه غسان واندفع إلى الكتابة؟ وعن ماذا كان سيكتب غسان لو عاش إلى هذا اليوم، الذي أضاف إلى مآسي الفلسطينيين القديمة خيبات جديدة؟
الواضح الوحيد في الأسئلة السابقة كلّها أمر جوهري، : استمرار الإخفاق، والواضح الوحيد انقسام الفلسطينيين عوضاً عن وحدتهم، والواضح استمرار دولة إسرائيلية لا تزال تفعل بالحق الفلسطيني ما تريد. مع ذلك، فإنّ في هذا الواضح، الذي لا يدعو إلى الـمسرّة أبداً، واضحاً آخر هو: القتالية الفلسطينية الـمجيدة التي تحلّق عالياً في السماء وتنشر البشائر وتكاثر الوعود ولا تعثر، في النهاية، على مهد ملائم تعود إليه، كما لو كانت الشجاعة الـمضيئة تأتي من أرواح الفلسطينيين وتذهب إلى لا مكان. وقد يسأل غسان، لو كان حيّاً، بلهجة يعوزها الرضا: "ما تبقّى لكم"؟ و"ما تبقّى لنا" هو "ما تبقّى" له ذات يوم، مع فرق كاسح يجعل زمانه أقل إيلاماً من الزمن الذي نعيش.
بنى غسان تصوّراته على معادلات شديدة الوضوح: الفرار من الوطن فرار إلى موقع لا كرامة فيه، القبول الطائع بالـمنفى موت آخر، واسترجاع الوطن يتحقق بقتال محسوب، والقتال الواجب يبدأ من الإنسان لا من بندقيته، والوعي الصائب ما يعترف بالـمشخص ولا يطمئن إلى مجرّد يشاكل الجهل، والفلسطيني من يعرف مسؤولية كونه فلسطينياً، والتمرّد على إجماع تقليدي طريق إلى الحريّة، والبحث عن الجديد الفاعل بحث حقيقي عن فلسطين، وقتال العدو هو الاعتراف بإمكانياته التي جعلته منتصراً، والنوايا الـمجرّدة درب إلى جهنّم، حتى لو بدت غير ذلك... كان في هذا كلّه يسأل ويطوّر إجاباته، ويجيب ولا يطمئن إلى إجابة أخيرة، وكان في هذا كلّه يتحدّث عن فلسطينيين لا عن فلسطين، لأنّ الوطن يتعرف بالذين يحملون مسؤوليته.

1. وقوف أول على ذاكرة غسان:

ينتسب الـمهزوم إلى ذاكرته، يلوذ بها محاذراً هزيمة جديدة، هاجساً بالأسباب التي نصرت عدوّه وألقت به إلى أرض الهزيمة. في إحدى قصصه القديمة وضع غسان سارد الحكاية الفلسطيني أمام صورة بومة، أيقظت في ذاكرته أطياف معركة لـم تمنع الهزيمة. ولعلّ هذه الـمعركة، مهما كان مآلها، هي التي جعلت من موضوع: الوعي الزائف ثابتاً من ثوابت روايات غسان ذلك أنّ الأفعال، في أشكالها الـمختلفة، لا تنفصل عن نتائجها العملية. ومع أنّ جملة "كان الفرار موتاً" أعطت "رجال في الشمس" معناها الظاهري، فقد كان الـمعنى الجوهري قائماً في سؤال الوعي الزائف والوعي الصحيح، الذي يعني أنّ كل فعل يساوي الوعي الذي يحكم مساره. فالفلسطينيون الـمندفعون إلى أرض تلتبس بوعيهم بالفردوس ينتهون موتى على قارعة الطريق، وقائد الفلسطينيين، الذي يظن ذاته مرشداً سوياً، ميّت وهو يقود "إخوانه" إلى موت مهين. أشاع غسان، في نهاية روايته، مناخاً جنائزياً مشبعاً بالحزن والغضب والتساؤل، مستدعياً قارئاً فلسطينياً يتأمّل معه ذلك الطلاق الـمأساوي بين الفعل والعقل، وبين الفعل اللاعقلاني والأخلاق، وبين الفعل البليد الـمتداعي وفلسطين الـمحتلة، التي تطالب بوعي آخر. وقد تقفز إلى العين مباشرة صورة "أبي الخيزران" القائد الخصي الذي قاد "إخوانه" إلى التهلكة. لكن غسان، الشاب الذي يعطف اندفاع القلب على العقل كان يساوي، في أعماق الكتابة، بين القائد العاجز ورعيته البائسة، لأنّ القائد البائس تصنعه رعيّة أكثر بؤساً.
أراد نص غسان، في رمزيّته الـمعلنة، أن يندّد بالتقليدي، وعياً وقيادةً ورعيةً، مفترضاً في لا وعيه اليقظ، إن جازت العبارة، أن في الوضع الفلسطيني، الذي يقاتل صهيونية عاتية مدعومة بكل الظلـم الاستعماري، ما يأمر بوعي مبدع جديد منقطع عن التصوّرات الأيديولوجية ــ السياسية التي أفضت إلى ضياع فلسطين. ولعلّ من يرجع إلى مسرحية "الباب"، يجد أنّ غسان لـم يكن مأخوذاً بالكليّات، فلا وجود لفلسطين إلاّ في التعرّف الـمشخص على قدرات الذين يتصارعون على أرضها، ولا وجود للفلسطينيين إلا في تساؤلاتهم الـمتميّزة عن أسباب الخروج ووسائل العودة. كأنّ غسان كان ينطلق من الـمفرد الـمفكّر الـمبدع ويرى في الـمجموع الفلسطيني الحقيقي محصّلة للفرديات الحرّة، الـمتمرّدة على الإجماع التقليدي وعلى جملة الأفكار التي تختصر الـمجموع الوطني إلى إرادة فرد أو مجموعة أوطائفة أو فئة حزبية. وواقع الأمر أنّ لكل فلسطيني، يؤمن بحق الفلسطينيين في العيش في فلسطين، الحق كل الحق، في تقديم ما شاء من الأسئلة والأجوبة، بعيداً عن التقنين وسطوة الـمحلّل والـمحرّم. والأساسي في منظور غسان، كما تجلّى في كتاباته الـمختلفة، أن معنى الإنسان الحقيقي يصدر عن ذاته الـمتمرّدة، التي لا تأتلف مع الإجماع الـمطمئن وترفض كل ما له علاقة بالتجانس العقائدي والـمجانسة. ذلك أنّ التجانس الفلسطيني الوحيد، الـمقبول به، هو العمل من أجل تحرير أرض فلسطين، كي تكون وطناً في الحاضر والـمستقبل. فالـمعيار هو الإنسان والهدف الـمرتجى من أجل الإنسان، والدروب الحقيقية إلى فلسطين إنسانية الـمبتدأ والـمنتهى.
نستطيع القول، إن حرّرنا الكلام من بعض الغموض، ما يلي: كان غسان حداثياً في وعيه: حداثة من أجل فلسطين، وحداثة لا معنى لفلسطين من دونها، لأنّ الحداثة هي الحريّة، مثلـما أنّ تحرير فلسطين عمل ينجزه بشر أحرار. لـم يكن منظوره، رغم تميّزه، بعيداً عن جبرا إبراهيم جبرا، الذي عيّن الحداثة مبتدأ للوطنية والكتابة والدفاع عن القدس. وقد يرى البعض أنّ في الركون إلى تعبير الحداثة تزيّداً لا ضرورة له، أو إقحاماً لتعبير "فكري" لا ينبغي إقحامه في الـمسائل الوطنية الخالصة. والاعتراض سقيم لأكثر من سبب: فلا وجود لقضايا وطنية خالصة، طالـما أنّ الوطن هو الأفراد الـمدافعون عنه، الـموزّعون إلى طبقات وأهواء ومصالح ومعتقدات وتحالفات، وطالـما أنّ شكل الكفاح الوطني هو من شكل الناطقين بالقضية الوطنية. أكثر من ذلك أنّ حركات التحرّر في العالـم، مهما كان مآلها، كانت، غالباً، حداثية الأدوات والـمقاصد، بل أنّها لـم تكن مرفوضة، استعمارياً، إلاّ بسبب مشاريعها الحداثية التي تحلـم بحقوق الـمواطنة قبل أن تتحدّث عن الوطن. إضافة إلى ذلك فإنّ الصهوينية، رغم أقمطتها الأيديولوجية، اللاهوتية، أنشأت مشروعها الاستعماري متوسّلة العلـم والتقنية ودولة القانون (بالنسبة للصهاينة لا لغيرهم طبعاً) وغيرها من معطيات الأزمنة الحديثة. لا غرابة أن يبدأ جبرا عمله الروائي الأول "صراخ في ليل طويل" بمجاز أدبي، قوامه الحريق والـموت والانبعاث، مطالباً بحرق التقليدي الـمتقادم والأخذ بمدأ جديد، وأن تكون إدانة التقليدي ثابتة من ثوابت أدب غسان، أدرجه في "رجال في الشمس"، وهو يفرّق بين من يحسن الأدعية ولا يحسن استعمال "البارودة"، وعاد إليه في "أم سعد" مستدعياً صورة "الـمختار" السعيد بمنصبه وأثاره، بشكل مختلف، في "ما تبقّى لكم"، حيث الـمتعامل مع الـمحتلين الصهاينة في غزّة استمرار لــ "مختار" قديم...

2. وحدة القيم والحريّة:
من أين تولد القيم الوطنية النبيلة، وهل هي معطى مسبق يصدّره الأجداد إلى الأحفاد، أم أنّها ردّ نوعي مشخص على واقع مشخص يأمر الإنسان بالتحرّر من طمأنينته الـمتوارثة واكتشاف ذاته وواقعه من جديد؟ لو كانت القيم متوارثة وسكونية في توارثها لبقيت شخصيات "ما تبقّى لكم" على حالها بلا اختلاف. بيد أنّ غسان الرافض للتجانس وللتراث السكوني الـمتجانس اشتق الإنسان من الإنسان، أو اشتق الأخير من "فضول الـمعرفة" أو "فضول الاكتشاف" وأطلقه في مساحة مجهولة، مقرّراً أنّ الـمعلوم الحقيقي، الذي ينفع فلسطين، يأتي من مساءلة الـمجهول لا من إتقان الـمعلوم. ومع أنّ في الرواية، التي حاكى فيها الروائي الأميركي وليم فوكنر، تذهيناً أو شيئاً من التذهين، فإنّ الأساسي، في الـمجال الذي نقاربه، هو منظور غسان كنفاني للعالـم الـمحتشد بعناصر حداثية كثيرة: التمرّد على الـمعطى والـمعروف، إعادة الاعتبار إلى مفهوم الزمن القائل بالتبدّل والتغيّر والـمفاجأة، اكتشاف الإنسان لذاته من جديد وهو يكتشف واقعاً لا يمكن تحمّله، اكتشاف الإنسان لعدوّه وهو يقابله بشكل مشخص... لا ينفصل مفهوم الفردية الفاعلة عن مفهوم التجربة، ولا تنفصل التجربة عن نبذ معلوم والذهاب إلى مجهول. فلو أراد "حامد" أن يبقى في ماضيه لـما عرف معنى الزمن، ولو قبلت أخته "مريم" بقدرها لـما اكتشفت الفرق بين الأسماء والـمسميّات. ولعلّ مفهوم الزمن الفيزيائي، الفاصل بين أمس ويومٍ يغايره، هو الذي جعل غسان يحتفي بـ "الـمستقبل"، لا بمعنى التفاؤل الذي يقضي به "أدب الـمضطهدين" فقط، بل بمعنى سيرورة الاكتشاف الضرورية، التي تجعل مستقبل الفلسطينيين غير حاضرهم. لـم يكن غسان، في هذا، بعيداً عن حلـم "التوليد الذاتي"، حيث اكتشاف الـمجهول يفصل بين "الولادة البيولوجية" القائمة على الـموروث، و"الولادة الإنسانية"، التي تضع مصير الإنسان في يده وتطلقه إلى تجارب غير مسبوقة. وبداهة فإنّ غسان، الذي يستولد من الإنسان إنساناً آخر، لـم يكن مشغولاً بفكرة "الضمان"، أو الجائزة أو الثواب العادل، وذلك لأمر واضح محدّد ولا خفاء فيه: على الإنسان أن يخلق إنسانيته الفاعلة الـمطلوبة أخلاقياً، كما لو كان الإنسان الحقيقي مساوياً لـمثال بعيد عليه أن يصيره. لن يكون الدفاع عن فلسطين، والحال هذه، واجباً وطنياً مجرّداً، ولا استشهاداً من أجل عاقبة حميدة، بل وجهاً عادياً من وجوه الإنسان الحقيقي، الذي يرفض كل ما يثلـم شرف الإنسان ويحطّ من قيمته. شيء قريب من "صورة بروميثيوس"، يخلقه وازعه الأخلاقي، ويملي عليه أن يوزّع الأنوار على الذين يحتاجونها، دون التوقّف كثيراً أمام ثنائية الثواب والعقاب، طالـما أنّ "الثواب" الوحيد يخلق إنسانية تؤمن بتحرّر الإنسان وحريّته.
تعطي رواية "الأعمى والأطرش" غير الناجزة، وهي من أجمل روايات غسان، مثالاً كتابياً عن فكرة "التوليد الذاتي"، التي تجعل الإنسان يضيف إلى ذاته أعضاء يفتقدها ويخلع منها أعضاء يظنها نافلة. فبعد "الولادة البيولوجية" التي رمت إلى العالـم بأعمى، يحسن الـمشي ولا يرى شيئاً، وبأطرش لديه ما يفتقده الأعمى، جاءت "الولادة الجديدة" من فضول الـمعرفة، التي لا تستسلـم إلى الـمعطى والإجماع، ومن النزوع إلى الاكتشاف، الذي تظهر أنّ الإجماع لا يساوي الحكمة. فالشجرة الـمقدّسة، التي قدّسها الجهل لا غيره، والتي التمس منها الأعمى والأطرش شفاء لن يعثرا عليه، تتهاوى قداستها أمام الفضول الـمعرفي، فما كان يبدو "إعجازاً" تمخّض عن "فطر" أو "فقع" حوّله الوعي الضليل إلى رمز مقدّس. نزع الفضول عن الشجرة سحرها وحرّر "الكسيحيْن" من ثقافة الإجماع، بعد أن أدركا أنّ من يريد أن يعرف شيئاً عليه أن يختبره. ترك غسان في "رجال في الشمس" شخصياته تختبر "القيادة القديمة" من جديد، وترك "حامد" في "ما تبقّى لكم" يختبر فتوّته الوليدة، وترك بطل رواية "عائد إلى حيفا" يختبر فكرة الأبوّة والبنوّة. لا شيء جاهزا ولا شيء له سلام البداهة، باستثناء الـموت البائس، وعلى الإنسان الـمضطهد أن يختبر ويعيد اختبار الوقائع، دون أن يسقط في إيمانية ساذجة، تقاتل ولا تختبر العدو الذي تقاتله.
تحدّث غسان، في مسرحيته "الباب"، وهي أكثر أعماله وضوحاً، على مستوى تصوّر العالـم، عن مفهوم الحريّة، سائلاً الفرق بين الـموت الـمختار والـموت الـمقدّر. فهو يرى أنّ الإنسان أعطي حريّة واحدة لا غير، هي حريّته في اختيار موته، بعد أن فاته الاختيار في أمور عديدة. فالإنسان لا يُسأل لحظة ولادته، ولا دور له في اختيار اسمه ومعتقده، ولا من يكترث به إذا جاء إلى عائلة موسرة أسقط في عائلة شديدة الفقر والإملاق. كل شيء يقوده مقيّداً إلى درب وقعت عليه ولـم يقع عليها. إذا كان الـمتبقّى الوحيد، في "ما تبقّى لكم"، هو الحق في الاكتشاف والـمغامرة، فإنّ الحق الـمتبقي في مسرحية "الباب" هو اختيار الـموت، أي: أن يذهب الإنسان إلى الـموت الذي يشاء واختار وأراد واصطفى، عوضاً أن ينتظر مقهوراً صاغراً موتاً يأتي إليه، حين يشاء. تتضمن هذه الفكرة، بداهة، تلاوين من فلسفة سارتر ربما، لكن قارئ أعمال غسان يدرك سريعاً أمرين: التقط الأديب الـمتمرّد، الذي استنكر الـموت الـمهين في "رجال في الشمس"، فكرة تلائم هواه، واستهوته فكرة ردّ بها على بؤس الفلسطينيين في الـمخيمات، الذين لـم تفيدهم في شيء آيات التضامن والتآزر والتعاطف والأخوّة، وغيرها من أشكال البلاغة الكسيحة التي تنشدّ إلى "الحق الفلسطيني" ولا ترى الفلسطينيين.
ولعلّ الـموت الطليق، الذي لا يلتفت إلى "الضمان" ولا يأبه به، هو في أساس روايته: "رجال في الشمس"، وهي صورة عن الـموت الذي يختار الإنسان، و"ما تبقّى لكم" وهي صورة عن الـمتمرّد الذي يلاحق الـموت ولا يدع الـموت يلاحقه. وقد يبدو أنّ في فكرة الـموت، في شكليها، ما لا يتفق مع أفكار التفاؤل والحق الـمنتصر والإنسان الـمكتفي بذاته. وواقع الأمر أنّ غسّان، الذي عالج هذه الـمواضيع جميعاً، كان مهجوساً أبداً بفكرة الحريّة. وما جملة "خيمة عن خيمة تفرق"، وهي عنوان فصل في روايته "أم سعد" إلاّ تعبير عن هذه الحريّة. فالخيمة الجديدة ليست مهمة ببنادقها وبفدائييها وبنصائح الـمرشد الحزبي وتعاليم الـمسؤول العسكري، بل برمزيّتها، التي تعني خروج الفلسطيني من عالـم القيد والضرورة إلى عالـم الانطلاق والحريّة. فالكفاح هو الحريّة، وفلسطين لا ضرورة لها إن لـم تكن الحريّة طريقاً إليها وعنصراً في كل مشاريعها. وما الفصل بين قضية الأرض وقضية الإنسان إلاّ بلاغة قديمة مستهلكة تهلك الطرفين معاً. شيء يذكر بـ "دولة الاستقلال الوطني"، التي ألغت الحرية كي توطّد الاستقلال، فأجهزت على الإنسان ولـم تحافظ على الاستقلال.


3. الإنسان وفضيلة الـمتعدّد

نقض غسان التقليدي بالحداثي والقديم بالجديد، اعتماداً على عالـم القيم لا عالـم العقائد والأيديولوجيات الـمجرّدة. وإذا كان قد وصل إلى ما وصله إليه، مستقدماً الثقافة والتجربة، فقد ترك مكاناً فسيحاً للتاريخ الفلسطيني، قبل اللجوء. ففي دراسته الثمينة الرائدة عن "ثورة 1936"، لا يخلص فقط إلى أنّ 92% من الـمشاركين فيها كانوا من الفلاحين وفقراء الـمدن، بل يخلص أولاً إلى بلادة وعجز وغثاثة القيادة السياسية الـمسيطرة، التي قال عنها شيئاً مماثلاً محمد عزّة دروزة في كتابه "القضية الفلسطينية". وقد تفصح دراسته عن حقيقة قيادة مضت، لكنها تفصح وتفضح أولاً معنى ومآل: "الشكل التقليدي للقيادة السياسية"، مهما كان الفكر الذي تقول به، والذي يحوّل الـمقاتلين، أو الـمجاهدين، أو الشعب إلى رعية يوجّهها ويشرف عليها "الأعيان"، وذلك في تقسيم استبدادي للعمل السياسي، يفصل بين القائد والـمقاد. وواقع الأمر أنّ العمل السياسي الوطني، الذي تقول به أعمال الأديب، قريب القرب كلّه من روايته "العاشق"، حيث الـمفرد الوطني حرّ ومسؤول عن حريّته، وحيث حريّته الـمبدعة تكفل له النجاة واستمرار القتال. لن يكون الكفاح الفلسطيني مجدياً، بهذا الـمعنى، إلاّ إذا كان كفاح مواطنين حرّرت إرادتهم وعقولهم، ولن يكون القائد الوطني جديراً باسمه إلاّ إذا كان واجبه التحريض على هذه الإرادة وخلق أشكال سياسية بلا مراتب، وبلا رعية وأعيان، تترك البشر يتكاملون ويتحاورون ويستأصلون معاً "أشجارهم الـمقدّسة" التي لا تعيد البصر ولا ترد إلى العاجز عافية مشتهاة. شيء قريب، ربما، من روح "الكرنفال" أو الأعياد الشعبية، التي تطلق الإنسان على سجيّته، متحرّراً من جميع العادات والقيود الـموروثة.
تفضي مقولات غسان الـمختلفة إلى فكرة التعدّد، وذلك بمعنى مزدوج: أولهما بمعنى بسيط، كأن يكتب الـمسرحية والرواية والقصة القصيرة والنقد والـمقالة السياسية، وثانيهما بمعنى أكثر عمقاً، ذلك أنّ التعدّد، في جوهره، تعبير عن عدم اليقين أو عن نسبية الفكر، التي ترفض الإطلاق والإطلاقية. فحين ينتقل غسان من شكل أدبي إلى آخر فهو يسعى، كما كان يقول، الإمساك بالواقع "مئة بالـمئة" لكنّه يدلل في الوقت ذاته على وعي يرى أنّ هذا الطموح يظل هارباً، وهو ما يملي عليه أن يكتب الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة. وواقع الأمر أنّ غسان لـم يكن يكتفي بالاختلاف إلى أجناس أدبية متعدّدة، بل كان يفتّش عن أشكال متعدّدة داخل الجنس الأدبي الواحد، كأن يكون رمزياً في "رجال في الشمس" وواقعياً اشتراكياً في "أم سعد" ومتأثّراً بفوكنر تارة وبسارتر تارة أخرى. غير أنّ هذا التأثّر الـمتعدّد، الذي كان يلاحق هدفاً واحداً، يعلن أنّ غسان كان يختار من الـمواد الثقافية والأدبية ما يلبّي مشروعه، ويعيد تحويلها وتأويلها من وجهة نظر مشروعه الذاتي الذي لا يكفّ عن التحوّل.
"إعرف عدوّك" كان هذا شعار غسّان، وهو يكتب روايته "عائد إلى حيفا" ودراسته الرائدة عن "الأدب الصهيوني". وهذا الشعار ينطوي، لزوماً، على شعار سقراط الشهير "إعرف نفسك". يبدأ الشعاران من الـمعرفة، التي لا تظل معرفة إلاّ إذا بقيت سيرورة مفتوحة، حالها حال الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار الصهيوني.

عن الأيام الفلسطينية