"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

صورة المرأة في روايات غسان كنفاني

 

د. صبحية عودة

 

عرف غسان كنفانى فى حياته القصيرة المرأة بصورها المتعددة: الأم، والأخت، والحبيبة، والزوجة.. عرف الأم بشخصيتها النموذجية التى تضحى بكل ما تملك فى أحلك الظروف التى مرت بها أسرته، فكانت هى الملاذ الأمن فى تلك الأزمات، وقد تحول حبه لأمه بعد وفاتها الى شقيقته "فايزة" التى صارت هى الأم والأخت والصديقة، حتى أنه جعل أغلب قصصه مهداة إليها ولابنتها "لميس" والتى أحبها حبه لنفسه. يقول فى إحدى رسائله: "إننى أعطيك نفسى يا نفسي، ولا أعتقد أن هناك أغلى من نفس الإنسان على نفسه كى يقدمها الى من يحب ويأمل".
أما الزوجة فكانت فرارا وليس استقراراً، وقد كتب لشقيقته "فايزة" عن هذا الزواج فقال: "كانت بعيدة عنى فى كل شيء، واحتجت الى خمس سنوات لردم الهوة المفتوحة بيننا، فحين عجزت عن ردمها كما ينبغى ردمتها بطفلين، وكنت أعرف ان الشراع المطوى فى أعماقى سيمتلئ برياح الغربة من جديد، وبقسوة السكين تخليت عن حياتى السابقة فى سبيلها، كانت وما تزال امرأة رائعة".
كان غسان كنفانى صادقا فعلا لا قولا فى بوحه بتفاصيل من قائمة المحظورات فى واقع مزيف، حيث الكذب جزء أساسى من نسيج العلاجات فيه. أما نموذج المرأة الصديقة فقد ظهر فى رواية "برقوق نيسان" من خلال التقارب الفكرى والاجتماعى والتمرد على الواقع، وتعد علاقة زياد حسين بالبطلة سعاد خير مثال على تجسيد مقولة "الصديق وقت الضيق".
أما نموذج العشيقة، فقد سلك غسان كنفانى مراتب الحب كلها.. الإعجاب، فالعشق، فالشهوة، فالتذلل ثم العبادة والخضوع، وقاده هذا السلوك الى الإيغال فى الرومانسية المطلقة الى آفاق مجهولة. يقول فى بعض رسائله التى هى خير شاهد وأصدق ناطق: "أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن، والتقى بالله، لا كما يؤمن الرجل بالمرأة".
رغم هذا الحب الجارف المنحاز الى الحبيبة، فإنه ظل وفيا مخلصا لزوجه ولكن بعواطف متناقضة ومتباينة كما هو موجود فى رواية "الشيء الآخر". لقد كان همه الأكبر يكمن فى وجود من يفهمه ويتفهم موقفه، فلا يجد غير شقيقته "فايزة" التى يكتب اليها..
"أنا أعرف أننى أحتاج أن أكون وحيدا، أظل أكتب فى هذه الأوراق لك، لترى بعينيك قصة رجل ينتهي، أو يبدأ، أو ينزلق أو يغترب أو يموت بالصدفة.. أفهمت كل شيء الآن يا فائزة؟".

هكذا كان موقف غسان كنفانى من المرأة بكل أبعادها، وأيا كانت هذه العلاقة فقد طغت صورة الأم فى أغلب رواياته، فهى تمثل محور آلامه وآماله، وحصن الأمان الذى يلجأ إليه فى المواقف الصعبة، بل يعدها بدلا عن الوطن، فحين تعرض "مروان" فى رواية "رجال فى الشمس" لصفعة قوية على وجهه من الرجل السمين بالبصرة لم يجد ما يعيد إليه كرامته المهدورة إلا أن يكتب رسالة لأمه، وفى رواية "ما تبقى لكم" ما برح "حامد" يذكر أمه فى كل مناسبة بقوله: "آه لو كانت أمى هنا".
أما فى رواية "أم سعد" فقد وضع الأم فى مكانة غاية فى الأهمية حيث تعدت الدور المألوف، ومثلت مدرسة قائمة بذاتها يتعلم منها الراوى دروسا فى الحياة والتاريخ والثورة..

لعلنا نلاحظ بعد هذا العرض انعكاس صورة المرأة بواقعها الاجتماعى والثقافى فى وجود نماذج متعددة للمرأة الضعيفة المستسلمة والقوية المتحررة ومن ثم خلق المرأة الإيجابية المثقفة التى تقوم بالدور الفاعل الى الأمام من خلال المجموع كما جاء فى روايتى "أم سعد"، و"برقوق نيسان".
وهذا ما كان يسعى إليه غسان كنفانى دائما. وقد تحقق على أرض فلسطين اليوم والتى نجد صداها فى صورة المرأة ودورها البطولى الملحمى فى روايات الانتفاضة. فهنيئا لكل شهيد قدم حياته ثمنا لحرية الوطن، وجعل للموت معنى أثمن من الحياة نفسها.

عن الاتحاد الفلسطينية