لست أدري، أهي ذكرى أم عقدة، هذه المناسبة التي لا تتأخر عن موعدها سنويا في الثامن من تموز. ففي مثل هذا اليوم، قبل خمس وثلاثين سنة، تناثر الجسد الشاب أشلاء في فضاء حي الحازمية البيروتي، فتصافح القتلة وشربوا الأنخاب، واضيفت كلمة الشهيد الى الاسم الذي أخذ الأدب الفلسطيني وهو على حال، وتركه على حال.
إلا ان الذكرى تأتي مخاتلة هذه المرة. فزاويتي الأسبوعية التي أدرس فيها كاتباً او كتاباً او قضية، موعدها الأربعاء. حتى انها عيد الاربعاء الا اذا كانت المناسبة، كما في حالة غسان كنفاني، تنحني وتنهل من الدم المقدس، فتكون عندئذ دمعة الاربعاء.. ولكن ذكراه تحل هذه المرة قبل أربعة ايام من الاربعاء. فما المشكلة؟ أحيي هذه الذكرى الآن من وراء الكلام.. ويحتفظ الاربعاء بدمعته المكرسة لما كتبه ابو فايز في أدب المقاومة. ومن حقه علينا تاريخيا ان نعترف له بانه اول من اوجد اصطلاح أدب المقاومة في معرض اكتشافه الثروة الثقافية التي بزغت في حياة شعبنا بين الجليل والمثلث والنقب.
والآن في يوم غسان كنفاني، أذكر زيارتي الأخيرة لمدينة حمص التي نشأت فيها. كان ذلك منذ عامين. وقد كملت سعادتي يومها، بزيارة مفاجئة من العزيز فيصل. وهو ابن عم غسان، ويعيش في مخيمنا هناك مع اسرته. ولا أكتم أنني كنت أحلم بان تنتج منظمة التحرير الفلسطينية، او الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين او أي مؤسسة ثقافية ملتزمة وقادرة فيلما يتناول حياة غسان الغنية بالوقائع والتواريخ والدلالات. وكنت، في دخيلة نفسي، أتمنى ان يوافق فيصل كنفاني على تشخيص دور غسان، نظرا للشبه الشديد الذي يذكرك بابن عمه.. لكن الأيام تجري، والفتى الذي كانت أمه تسهر على اجادته اللغة الانكليزية، أصبح الآن في التاسعة والخمسين، بينما استشهد غسان وهو في السادسة والثلاثين. يا الله كم يسبقنا العمر وكم يتحدانا. وتحين مني التفاتة الى ماهر، الفتى الذي يرافق أباه فيصل، فيقول ما ترك في قلبي أثر قشعريرة الكهرباء.
عمو.. أتمنى لو أبوس عيونك لأنها شافت غسان!!
يا الله. وأنا يا بني، ألا تظن انني احسد الزمن الذي ملأه غسان فجعل من ست وثلاثين سنة عاشها على الارض، تاريخا يضيء بالرواية والقصة القصيرة والمسرحية والتاريخ السياسي والنقد الأدبي والفن التشكيلي والشعر؟ ان العمر اليانع الذي وصل اليه ابو فايز، غداة استشهاده، هو عمر الشباب وتفجر الطاقات والتمركز حول الذات. وإذا كان ابو السيارة الستروين الحمراء عبارة عن طاقة لا حد لها، فلم يكن ممن يتمركزون حول أنفسهم، بل كانت لديه قدرة على العطاء تصل الى حد الاستفزاز.
حين التقاه الصديق محمود الريماوي اول مرة في مكتبه داخل جريدة الهدف، لم يكن محمود قد تجاوز العشرين من العمر، وكان ذكاء عينيه وصمته الساخر وشبهه الواضح بعادل إمام، من الامور اللافتة. وحين قرأ غسان اول خاطرة قدمها له الفتى الآتي من عمان، وضع بين يديه الصفحة الثقافية للمجلة التي كانت تصارع بجدارة على الموقع الاول في الصحافة الفلسطينية.
وبهذه الروح أقبل على وصفه بأدب المقاومة في الارض المحتلة. فكان يشير الى الشعراء- الشباب- محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وغيرهم. وكان هذا الحدب المجسد في كلمة الشباب، يكاد يخفي حقيقة ان ابا فايز نفسه ليس أكبر منهم بكثير. فأكبرهم سميح القاسم، مولود عام 9391، اما غسان فهو من مواليد 6391. وغسان المتسامح الى حد اثارة الحيرة في العلاقات الانسانية. كان حادا كالسيف عندما يتعلق الأمر بالمبادئ والقضايا التي يؤمن بها. وكان- لله والتاريخ- يقف عند خط احمر لا يسمح لأحد ان ينال منه. خط اسمه الحكيم جورج حبش.
ومع ذلك يظل هذا المعارض العنيد هو صاحب المبادرة التي تجلت في تحويل مجلة الهدف الاسبوعية الى جريدة يومية لتوضع ايام ايلول الأسود تحت تصرف المقاومة بفصائلها كافة، ببداهة ان القائد العام الملزم للجميع هو الأخ ابو عمار.
رحم الله أبا فايز.. كان طرازا مختلفا، وكلي أمل ان استطيع، الأربعاء، الآتي، ان أفيه بعض ما يستحق من تعريف واعتراف وعرفان.

