"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ماذا سيكتب كنفاني؟

 

عادل الاسطة


هل تذكرون رواية المرحوم الشهيد غسان كنفاني "عائد الى حيفا" (1969)؟ هل تذكرون الحوار الذي جرى بين شخصيتها المحورية سعيد. س وابنه (خلدون) الذي غدا (دوف)؟ كان سعيد. س. في ذروة أحداث الحرب في العام 1948 قد غادر مدينته، وزوجته صفية، ونسيا ابنهما في البيت. وعاد، إثر هزيمة العام 1967، للبحث عنه، والتقيا به لكنه آثر البقاء، في حيفا مع العائلة اليهودية التي ربته. لماذا؟ لأنه نشأ نشأة يهودية، ولأن والديه هربا ولم يعملا، لمدة عشرين عاماً على استرجاعه.
سيكتب الكاتب الاسرائيلي سامي ميخائيل، فيما بعد، رواية تقوم على رواية كنفاني، وسيذكر ميخائيل، في مقابلة اجريت معه، انه هو (دوف) - أي انه يشبهه - لقد وجد نفسه في العام 1949 في دولة اسرائيل، بعد أن غادر بغداد، وغدا موزعاً بين مدينتين: بغداد وحيفا، وغدا يهودياً اسرائيلياً، بعد أن كان يهودياً عربياً.
حين رأى سامي ميخائيل حيفا من الجو، في العام 1949، قال: سعيد من يسكن هذه المدينة. وسيقيم فيها هو الذي ما زال يحن الى العراق.
في مقابلة أخيرة اجريت معه، نشرتها "الشرق الاوسط"، وأعادت "الايام" (رام الله) نشرها، يقول إجابة على سؤال: ثمة وطن أول وآخر ثان اذن: "أجل لأنني أعيش الآن في اسرائيل. أولادي وأحفادي ولدوا في اسرائيل لتكون وطنهم الاول، وتكون اللغة العبرية لغتهم، هذه هي المفارقة: أن أتبنى وطن ابنائي، على عكس ما يحدث عادة حيث يتبنى الابناء وطن ابيهم.. الامر نفسه حدث لفلسطينيين كثر. فهم لا يستطيعون العيش في وطنهم الاول مع أنهم لا يكفون عن الحديث عنه، إذ صار جزءاً من الماضي".
حقاً ماذا سيكتب كنفاني لو ظل على قيد الحياة وقرأ ما نطق به سامي ميخائيل؟ هل سيعيد النظر في الحوار الذي جرى بين سعيد. س وابنه خلدون (دوف)؟ هل سيتراجع سعيد. س، ومن ورائه كنفاني، عن العبارة: "تستطيعان البقاء في بيتنا، فذلك امر تحتاج تسويته الى حرب"، ليقول: نحن نأسف لإزعاجكم بزيارتنا، فقد غدا هذا البيت جزءاً من الماضي، وهو ليس وطننا.
أظن، نيابة عن كنفاني، أن غسان سيسخر من كلام الاديب الاسرائيلي، لأنه قال شيئاً وغابت عنه اشياء. لأنه يرى امام عينيه اشياء، ولا يرى على الجانب الآخر أشياء اخرى هي التي تحول دون ان ينطق الفلسطينيون، بما نطق هو به نيابة عنهم.
يرى سامي ميخائيل اليهود العرب في دولته المقامة على أنقاض قرى فلسطين ومدنها، يراهم يحيون حياة رفاهية واطمئنان، حياة اذا ما قورنت بما كانوا عليه في العالم العربي، تجعلهم ينحازون للراهن، لا للماضي، مع العلم ان سامي ميخائيل نفسه يحن الى الماضي، يحن الى بغداد ومنزله فيها ومكتبته.
سامي ميخائيل الذي يرى ما غدا عليه اليهود العرب لا يرى في المقابل، ما غدا عليه الفلسطينيون الذين هُجروا من مدنهم وقراهم، لا يرى ما غدا عليه هؤلاء في خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته حتى اللحظة. لقد انقلبت حياة هؤلاء، بسبب قيام دولة اسرائيل، رأساً على قدم، ولم يتعامل معهم كثيرون من ابناء قومهم العرب باحترام، بل من ابناء قومهم ووطنهم - اي الفلسطينيين.
في العالم العربي غدت كلمة فلسطيني سبة، وليقرأ سامي ميخائيل قصة سميرة عزام "فلسطيني"، وفي الضفة والقطاع -شئنا أم أبينا- غدت كلمة لاجئ أيضاً سبة. وتحولت المخيمات الى غيتوات، وإذا لم يصدق سامي ميخائيل ما اقول، فليذهب الى مخيم فلسطيني، في فلسطين او في الاردن او في سورية، او في لبنان، ولينظر كيف يحيا هؤلاء، بل ليتفضل وليقم بين هؤلاء سنة واحدة فقط، وبعدها لا ادري ماذا يكتب: هل سيقول ان فلسطين للفلسطينيين، صارت جزءاً من الماضي!
سامي ميخائيل الذي هجر من العراق يحيا، منذ العام 1949، في حيفا حياة مستقرة، افتقدها اللاجئون الفلسطينيون في العراق، هؤلاء الذين يدفعون الآن ثمناً باهظاً، في بغداد وعلى الحدود العراقية- الاردنية في مخيم الرويشد. وإذا كان ميخائيل متأكداً ما يقوله فلتترك دولته (اسرائيل) حرية الاختيار للاجئين، وسنقبل نحن بالنتائج.
في قصيدته "وردة للناصرة" يكتب احمد دحبور: يا طيوراً طايرة/ يا وحوش سائرة/ بلغي دمعة امي/ ان حيفا لم تزل حيفا/ وأني اسأل العابر عنها في ربوع الناصرة.

عن الأيام الفلسطينية