في احد لقاءاتنا التي كانت تتميز بالود والصداقة وذكريات ايام بيروت، لفتني الروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز الي حقيقة لم تدر في خلدي. كان يحكي عن كنفاني والرواية الفلسطينية، و باب الشمس ، حين نظر اليّ وقال: لا تنسي كنفاني مات شابا وانت الآن اكبر منه .
كان ذلك علم 1999، وكان كنفاني في السادسة والثلاثين. ونحن اليوم عام 2007، وكنفاني لم يزل في السادسة والثلاثين. وبعد اعوام قليلة يصير كنفاني في عمر اولادي، ويكون ايضا في السادسة والثلاثين.
نجح كنفاني في خداع الزمن بالموت، وظل يتوقد شبابا وحيوية. يلعب مع مرض السكري، ويبني من نتف ما تبقي له من وقت حكاية فلسطين. يأخذ رجاله الي الشمس قبل ان يجعلهم يكتشفون البنادق، يروي عن ارض البرتقال الحزين كي يعيد سعيد س. الي حيفا، ويقول لنا ان ما تبقي لنا هو حساب الخسارة.
فتي من عكا، من جليل فلسطين، يحمل عمره كي يصنع به وطنا من كلمات. ثم يموت في الحازمية قرب بيروت. ونكتشف ان الرجل الذي مات في السادسة والثلاثين ترك وراءه مئات الصفحات، وانه لم يكتب الا من اجل ان يلتقط لحظة هاربة.
هذا الشعور بالزمن الهارب، هو عصب الكتابة الكنفانية. كأن الرواية ليست سوي لحظة واحدة، وكأن الشخصية الروائية تتلخص في جملة قصيرة، تقول حقيقتها، وتحتضن ابطالها وتمضي. موت عن موت يفرق قالت ام سعد، وكانت هذه العبارة كافية وحدها كي ترسم افق فلسطين في زمن بدايات الثورة المسلحة. اما صرخة ابي الخيزران فقد تحولت الي الصرخة الفلسطينية بامتياز، وصار الدق علي جدران الخزان علامة مرحلة كاملة.
سحر كنفاني، يكمن في قدرته علي اختزال الحياة. ربما يعود هذا الي صغر سنه، فالرجل لا يزال يحتمي بشجاعة الشبان واصرارهم علي القفز عبر الزمن، وهذا ما صنع ادبه، الذي يحكي معنا، ليقول لنا ان كهولة الحركة الوطنية الفلسطينية، التي تدمي القلب اليوم، ليست قدرا لا يرد، لأن الشباب والتجدد سنة الحياة.
بدل ان اقرأ كنفاني كمن يقرأ ادبا آتيا من الماضي، اقرأه كمن يري ادب جيل فلسطيني جديد آت الي العالم بحلم يتجاوز الكابوس الذي نعيش.
حين التقيت اميل حبيبي عام 1980 في براغ، لم افهم ثورة كاتب المتشائل علي رواية عائد الي حيفا . ثم حين مات حبيبي وطلب ان يكتب علي شاهدة قبره: باقٍ في حيفا فهمت. استطيع القول الآن ان المسألة لم تكن فقط حول قراءة حبيبي لشخصية دوف اوخلدون، الذي تركه سعيد. س وزوجته صفية رضيعا يوم سقوط حيفا، ليعودا فيجداه جنديا اسرائيليا بعدما تبنته امرأة يهودية بولونية، بل ان جوهر الخلاف كان صراعا بين جيلين. جيل حبيبي وجيل غسان. لا ادري لماذا لم اقل لاميل ان فرق العمر بينهما ليس كبيرا الي هذا الحد، لكنني كنت يومها لا ازال اصغر من كنفاني، فمنعني خجل الشباب من مواجهة اميل بتلك الحقيقة.
الآن، وبسبب ملاحـــــظة مؤنس الرزاز العابرة، اكتــــشف انني علي خطأ. فاذا كان في استطاعة كنفــــاني ان يصير من عمر ابني، بعد ســــنوات قليلة، فانه يستطيع ان يكون حفيد اميل حبيبي، وهذا يعني ان حبيبي كان يشــــعر في مكان ما بأن صراعه مع كنفـــاني كان عابرا مثل صراع الآباء مع ابنائهم.
وكان قدر الشاب العكاوي ان يجيء من المستقبل دائما.
انا لا اتكلم فقط عن العمر، بل عن الأسلوب. الجمل القصيرة، والرواية التي تلخص لحظة واحدة، والشغف بالوصول الي الموقف، اي بأن يبدأ الكاتب من الآخر، لأنه لا يملك وقتا، رافقت كنفاني حتي رواياته غير المكتملة، وخصوصا الأعمي والأطرش .
الحكاية هي حكاية اسلوب حياة. علمني كنفاني ان الكتابة ليست عملا ابداعيا فقط، ولا محاولة لالتقاط الجوهري في حياة الناس، بل هي ايضا واولا اسلوب حياة.
واسلوب حياة كنفاني كان عبــــــارة عن سباق مع كل شيء، مع الكتابة وفلسطين والنضال والمرأة والتدخين والخمر و...الموت. يتجاهل مرضه، او يتعايش معه، كي يصل الي لحـــظة الذروة، حيث تصير اللحــــظة مساوية لحياة كاملة.
عندما اقرأ كنفاني اليوم، اسمع صوت مؤنس يقول لي ان كنفاني مات شابا صغيرا. اقرأ الشاب واشعر بحنو غريب، لا ليس الحنو علي الموتي، الذين يصيرون لحظة موتهم اسري عاطفة الأحياء وحنانهم، بل الحنو علي شاب صغير يخترق مجلس الكبار راميا في وجوههم حكاية وطن يحتاج دائما الي حكاية جديدة كي لا تندثر حكايته.

