"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

رجل من أرض البرتقال الحزين

 

أمجد ناصر


هل كان يشبهني؟
هل كان يعرف أنني سأجي ذات ظهيرة حمراء
أوشك أن أعانق مهجةً وسحابةً
تتحاوران علي غلاف مجلةٍ كتبتْ وصية ليْلكٍ متطايرٍ
بين الصباح وحزمة الديناميت؟
حاذت ذهولي رعشة الصور الأليفة
والفراشات المغضنة الجبينْ.
حاذت ذهولي
رشقة النظرات من عينين تقترحان خارطة الحنينْ
حاذت نحولي
طفلة حلَّتْ ضفائرها الذهبْ
وخاضت في الرنينْ .

هذا ما قاله شاب في الثانية والعشرين وهو يري صوره معلقة علي جدران مكتب متواضع يطل علي كورنيش المزرعة في بيروت. كان الشاب القادم من عمان مرتبكا وهو يدخل المكتب ويري صور ثوار عالميين بلحي كثة أو خفيفة، بسيجار أو بقبعات مزينة بنجمة خماسية، صورا لرجال حرب عصابات بالكاكي في الجبال، او في حقول القصب، ملصقات لقادة يخطبون في الجموع بغضب. قبضاتهم المشدودة تخضُّ الهواء. يتطاير من أفواههم البليغة نحاس ووعود وقرنفل أحمر، ولكن بين كل تلك الصور التي صنعت هوية المكان وجعلت للثورة العالمية سلالة محلية كانت صوره، لا أحد سواه، هي التي تسمّرت عندها عينا الشاب القادم من عمان. انه، الآن، في عرين غسان كنفاني. في المكان الذي ترددت فيه خطاه، أنفاسه، ضحكاته، وسطّر، في الغرفة التي تقع الي اليسار، قصصا ومقالات لا تأكلها النيران، وشرب عددا لا يحصي من فناجين القهوة ودخن جبلا من السجائر والتقي صحافيين وفضوليين، وربما جواسيس، وظل لديه فائض من الوقت لاجتماعات المكتب السياسي .. ووقت آخر لآني وفايز وليلي.. والحديقة الصغيرة امام البيت.
كانت قد انقضت خمسة أعوام علي تلك الصبيحة التموزية التي هزَّ فيها انفجار سيارة مفخخة ضاحية الحازمية ، وترددت أصداء الخبر الصاعق في انحاء العالم العربي المتثائب.. اغتيل غسان كنفاني. كان يدير مفتاح سيارته عندما انفجرت شحنة الديناميت التي تأكد واضعوها، مئة بالمئة، انها كافية لتمزيقه إربا إربا من دون أن ينسوا ترك علامة تدل عليهم بوضوح: مع تحيات السفارة الاسرائيلية في كوبنهاغن!

عودوا معي الي الوراء.
أنا الآن في الثانية والعشرين من العمر. شاب بشعر طويل، وبدهشة وخجل يمكن ملاحظتهما، بسهولة، في عينين تحاولان التأكد انهما في المكان نفسه الذي أطلق فيه غسان آخر مشاريعه الصحافية: مجلة الهدف . أصعد درجات الي الطابق الاول وأجد بابا مفتوحا علي غرفة استقبال تجلس فيها، وراء طاولة مكتب كبيرة، فتاة سمراء ترتدي قميصا قطنيا خفيفا، شعرها الأجعد فاحم السواد يترسم تصفيفة غجرية كانت سائدة في السبعينات. أقول للفتاة التي في مثل سني: أنا فلان ولدي موعد مع (الرفيق بسام أبو شريف). بدت لي الفتاة، التي جلستُ علي كرسي بجانب مكتبها، أنها هي التي تدير المجلة، فقد كانت تتحدث في الهاتف او مع الموظفين الذين يمرون بمكتبها بلهجة قاطعة. سمعت اكثر من موظف يناديها (الرفيقة آمنة). طال انتظاري بعض الشيء ولم تمكني طريقة (الرفيقة آمنة) الجافة والرادعة في الكلام من تذكيرها بموعدي. هي التي انتبهت الي تدخيني المتواصل الذي يعكس توتري او ضجري فقالت: هناك وفد صحافي اجنبي عند الرفيق بسام ، وعندما يغادر الوفد تدخل انت. كانت كلماتها حاسمة. ولما قابلت بسام ابو شريف، رئيس تحرير (الهدف) بدا انه هو الذي يشتغل عند (الرفيقة امنة)، اذ اجابته عندما طلب منها فناجين من القهوة قائلة: مش فاضية هلأ!
طبعا كان عليّ ان اري مزيدا من صور غسان في مكتب بسام. ولكن كان عليّ ان الاحظ اولا الجراح التي خلفها الطرد الاسرائيلي الملغوم الذي انفجر في يد بسام ووجهه. لم تكن مقابلتي مع بسام هي التي ستقرر عملي في (الهدف) اذ ان العمل كان مقررا سلفا من قبل نائب الامين العام للجبهة الرفيق ابو علي مصطفي بوصفي، اصلا، عضوا في التنظيم. كان لقاء للتعارف لأن رسالة ابو علي مصطفي بخصوصي موجودة امامه.

كان المكان معبأ برائحته الخفية. كانت صوره تخفق علي الجدران وفي الممرات الضيقة. الصور تتنفس بعمق، ثمة ايضا خطوات غير مرئية تطوف في المكان. لم يره رفاقه، هنا، منذ السابع من تموز. كانوا علي موعد صباحي معه عندما غادر بيته تحيطه هالة من عالم آخر وتحت حزامه مسدس بحجم راحة الكف لم يقيض له استعماله.
عندما جلست الي طاولة مكتبي الخشبية اول مرة لأكتب شعرت انه يراقبني. انه يطل علي من صوره المعلقة علي الجدران. ثمة حضور قوي مصحوب برائحة، لعلها رائحة الكينا، عليّ اذن ان أكتب بهدوء وان (أحسّن) خطي، فهو علي ما يبدو، لا يحب الخربشة . اتطلع الي الجدران فأراه هناك. لكنه ليس مجرد صورة علي جدار، كما لم تكن عكا محض صورة في الالبوم الذي احضروه له بعد عشرين سنة من الرحيل.
هل تغير المكان كثيرا؟ لقد اضافوا اليه بعض اللمسات، ولكنه ظل موجودا في كل ركن وزاوية وجدار وردهة. انه، هو سيد المكان. ليس بسبب كثافة الذكري، ولا بقوة الملصقات الكبيرة. ولكن بسبب الروح التي تتلبسه. يندهش كل من ينظر اليه : هذا الرجل النحيل، الناعم، الهش، ذو الستة وثلاثين عاما هو، نفسه، غصن النار؟ هو ذاته الذي لم يسمع بـ (الارهاب الدولي) بعد، ولكنه عرف، تماما، عنف الثورة؟ اتساءل الآن: لو عاش غسان هل كان ستفت في عضده فزاعة (الارهاب)؟
تنظر اليه فتقول: هذا الرجل رقيق وشاحب كعاشق ينظم عقدا من الياسمين لحبيبته تحت ضوء القمر. ولكنك تعرف انه عاصف وعنيف ايضا، عندما يتعلق الامر بـ (ارض البرتقال الحزين).
في موعد ذكري استشهاده اقترحت ان نصدر عدد (الهدف) كاملا عنه، وليس فقط تخصيص الصفحات الثقافية الثماني لذكراه. فوافق بسام علي الاقتراح. اقترحت ان اجري حوارا مع (الحكيم) حول غسان الكاتب وليس السياسي، او الاعلامي، كما جرت العادة. ذهبت الي الحكيم في مقر المكتب السياسي في شاتيلا. قلت له اننا سنصدر العدد كاملا عن غسان ونريد ان نتحدث معك عن غسان ككاتب. وافق الحكيم. قال بحسرة خالصة: آه.. غسان شيء لا يعوض، كان فنان المكتب السياسي، يدور النقاش ويحتدم وهو منكب علي اوراقه، يرسم، يخطط، نكتشف انه كان يرسمنا في صورة لا ترضينا احيانا. احدهم في المكتب السياسي كان موديله المفضل. لم يسم الحكيم اسم ذلك الرفيق لكننا عرفناه. قال ايضا: كان شابا متحمسا، اصطفيته مع اثنين من مجايليه للعمل في الصحيفة التي نصدرها، احدهما بلال الحسن.
وقال: كنا نلتقي في الآحاد في حديقة بيته بالحازمية، عائلته وعائلتي ونتحدث عن اشياء كثيرة.
كان يطلعني دائما عن جديد الأدب. واذكر انه حدثني عن ادب امريكا اللاتينية. وربما تحدثنا عن قصة او رواية ما يزال يشتغل عليها. كان يحب الاشجار والزهور، ويعتني بالحديقة. وكان يحب شقيقته فايزة المتزوجة في الكويت، فقد كانت تساعده وتحنو عليه.
ويضيف: كنا نتلقي تهديدات كثيرة آنذاك، احطناه بالأمر، ولكنه لم يبال كثيرا. آه.. غسان شيء لا يعوض. اكتشفت انه ليس ممكنا الدخول في سجال عن الكتابة الادبية وخصوصية غسان الروائية مع (الحكيم). فهو رغم علاقته بالمثقفين كان رجل سياسة. الأدب عنده (سلاح) في خدمة القضية. ولكن ما قاله (الحكيم) عن غسان كنفاني في حوار ذلك العدد الذي وضع رسوماته الفنان العراقي يوسف الناصر كان كافيا، وبالتأكيد كان مختلفا عن حواراته السابقة التي أمكن لي مطالعتها في مجلدات (الهدف) السابقة.

أجلس الي طاولة مكتبي لأكتب. أمزق ما كتبته. فهو ينظر الي من عينيه الساحرتين نظرة ثابتة تربكني. تفيض رائحة الكينا في هواء المكان. اتذكر قصته عن الطالب والتفاحة. المعلم يقول لابن المخيم الصغير: ارسم تفاحة علي السبورة. والطفل لا يرسم تفاحة. ارسم تفاحة. تفاحة، فيرسم الطفل شيئا آخر. يدرك المعلم ان ابن المخيم الصغير لم ير تفاحة من قبل. وكان علي ابن المخيم هذا ان يرسم، لاحقا، صورة بلاده الاسيرة بسرديات صارت عقدة لمن سيكتبون بعده.
اذهب لأتزوج في بعلبك. اطالع الصحف في صبيحة العرس فأري المشهد التقليدي السنوي: عائلة واصدقاء غسان وعدد من رفاقه يضعون اكاليل الورد علي ضريح بشاهدة تحمل صورته. اقول لنفسي: يا للمفارقة! ولكني لا افوت الذهاب الي مقبرة الشهداء. ومع الوقت أكتشف انني لا أزور غسان وحده، بل ازور، كذلك، (الشهداء الثلاثة) ولميس وماجد ابو شرار وووو.

اول صورة علقتها علي مكتبي في الجريدة في لندن هي صورته. نفس الصورة التي كانت تطل عليّ من جدران مكتب يطل، هو الاخر، علي (كورنيش المزرعة) في مدينة تطل علي ارض البرتقال الحزين.

عن القدس العربي