"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

«رعشة المأساة» ليوسف سامي اليوسف

 

عبد الستار اسماعيل

 

يرى الناقد يوسف سامي اليوسف في هذا الكتاب «رعشة المأساة» الصادر عن دار كنعان بدمشق أن أهمية غسان لا تكمن في أنه يرسم الروح في هواه وسقوطه، بل تأتي أهميته كذلك من أنه أول كاتب عربي، استطاع أن ينقل الكارثة الفلسطينية إلى حيز الرواية التي يتحقق لها تكامل الشروط الفنية، وفي أنه أول من قدم فهماً تطبيقياً عميقاً للتراجيديا.

غسان كنفاني روائياً

جوهر الرواية لديه، أنها تخضع التاريخ للمحاكمة، وأنها تدينه، لا كعدوان فحسب، بل كخنوع، تدينه في طرفيه النافي والمنفي، ومن هنا كان التراجيدي ذا طبيعة تاريخية لديه وكانت الانساق المؤسسة للرواية تاريخية أيضاً.

يتساءل الناقد: لماذا لم تعلن أي النقود التي تناولت آثار الكاتب أن «أم سعد» ليست رواية، وأن «عائد إلى حيفا» ليست قصة قصيرة أيضاً؟ لماذا لم تكشف الدراسات أن غسان قد وضع حجر الأساس في صرح الأدب التراجيدي في ثقافتنا الناهضة، ذلك حين كتب «رجال في الشمس»؟ لماذا لم تبحث الدراسات في التقنية التي استعملها في «ما تبقى لكم» لا سيما من حيث العلاقة بين تناسخ هذه الرواية وبين مضمونها؟ وهي النواة المركزية في البناء النفساني لأبطاله؟ ما الذي أثبته غسان حين كتب «رجال في الشمس».

لقد أثبت غسان أن الموضوع الفلسطيني لا يتيسر النهوض به إلى أعلى ذروة ممكنة، ولا دفعة إلى أقصى مدى يستطيع الموضوع بلوغه، إلا من خلال التراجيديا، لهذا كانت «رجال في الشمس» أعظم عمل روائي كتب على الإطلاق في موضوعة فلسطين. ويرى الناقد أن رواية «ما تبقى لكم» واحدة من أعظم الروايات التي كتبت بالعربية، فقد جاءت بمثابة ملائمة ريادية بين المضمون السياسي الثوري، وبين التقنيات التشكيلية الحديثة. ولعلها أن تكون أولى الروايات في العالم التي يتم فيها تخطيط الشكل الفني على نحو يتخذ من الحداثة مبدأ فنياً يحكم النص كله.

موضوع هذه الروايات هي انفلات الفلسطيني من ماضيه، لهذا كان الزمن بطلاً، ممثلاً بساعة الحائط، وبساعة محمد، والماضي ممزوجاً بعقدة الذنب،. ولا يمكن لفلسطيني أن يتخطى عقدة ذنبه إلا بالمرور عبــر فلسطين، فإذا كانت «رجال في الشمس» هي الجحيم، ورمز العطالة التي ولدت المأساة، لعدم قيام أبطالها الثلاثة بتحريك ساكن، فماتوا خنقاً داخل الخزان، فإن «ما تبقى لكم» هي النقض والصراع الذي حقق الانتقال من حالة إلى أخرى، رغم أن عدد من النقاد يعتبــرونها تكملة للأولى.

يعتبــر الناقد أن الرمزية الكنفانية، هي رمزية معتدلة، وليست مسرفة، فمثلاً، حين جعل الأرض شخصية من شخصيات الرواية، فقد بــرهن على أنه يمتلك طاقة عظيمة على صنع الرموز، فتلك العلاقة والصورة هما صفعة في وجه الصهيونية.

أثر الثورة الفلسطينية على أدب غسان كنفاني

انعطف غسان مع المنعطف التاريخي الجديد، فعزف عن القصة، مندفعاً باتجاه الرواية، وأدرك أن ثورة في التاريخ، لا يمكن أن يعبــر عنها تمام التعبير إلا ثورة في طرائق الكتابة وتقنياتها الحديثة، وما ذاك إلا لأن هذه التقنيات هي الأنسب للحياة الثورية التي تمور فيها الحركة، وتموج الخصوبة، لقد استطاع المضمون الثوري أن يثور الشكل الفني، كما استطاع المثور أن ينير المضمون إثارة لم يعهدها تراث غسان من قبل. وبذلك يكون أول من خرج على تقاليد الكتابة الثورية في العالم العربي.

نظرة على قصص غسان كنفاني

اندرجت قصص كنفاني في فصيلتين متباينتين، أولهما قصص مدارها على الموضوعة الفلسطينية، وثانيتهما على موضوعات اجتماعية مختلفة. عددها ستين قصة. وما يمكن للمرء أن يلاحظه في أن بنية القصة أنه قد جيئ بها من واقع صلب متجهم من شأنه أن ينتج شعوراً قارضاً قاضماً، لأنه شعور ينتج، في الغالب، عن خسران لا يقبل التعويض، وقد كان من شأن هذه الواقعية أن أنتجت، أسلوباً يعتمد على مبدأ التفاعل بين اللفظ والوجدان، أكثر مما يعتمد على تفاعل اللغة والخيال... وبسبب ذلك نسي غسان المرأة وجاذبيتها. على الرغم من أنه شاب وسيم، فقد خلت قصصه من امرأة من الفصيلة الغنائية التي لها القدرة على تحريك أحلام بــريئة كندى الفجر. ولا تشعر في قصص غسان كما يصرح الكاتب بوجود شيء يصلح للمتعة البصرية، لقد نسي غسان الطبيعة أو كاد ينساها، انهماكه في الهموم الفلسطينية، وبسبب من شدة ارتياعه أمام قوة الشر المغلغلة في الحياة الاجتماعية. وهذه الظاهرة من المثالب التي ينبغي تداركها. إذ الطبيعة حياة، لا يسع النفس الحية إلا أن يجتذبها كل ما هو حي.

وعن اختياره للشخصيات يلاحظ الناقد أن سر نجاحه يكمن في أنه لم يقدم الجماعة الفلسطينية من حيث هي مشكلة سياسية، بل قدمها بوصفها حياة كأية حياة سوية.... فسر نكهتهم الطيبة أنهم ينبثقون من تراب الأرض، من المحلي المستتب الذي طهته الدهور على نار لينة، ويستمدون نسغ وجودهم من مادة سرية مبثوثة في البيئة التي أطلعتهم كما أطلعت أشجار الزيتون والبــرتقال...

وأخيراً يعلل المؤلف أنه وبسبب قدرة كنفاني الاستثنائية على تخريج المأساة الفلسطينية في شكل فني، وتجسيدها داخل أسلوب ليس بالمتهافت ولا المعكور، فإن تراثه ما زال صالحاً لأن يكون مصدر الهام لأية كتابة أدبية تريد أن تعبــر عن تلك المأساة، وهي التي لا أفق لها اليوم يلوح في أي فضاء.

عن الحرية الفلسطينية