غسان كنفاني المبدع المتعدد، عيشة عن
عيشة.. تفرق!
|
|
د.عدنان جابر
لو كان غسان كنفاني اليوم على قيد الحياة لكان
عمره 71 عاماً. وُلد في 9 نيسان عام 1936 في عكا،
واستشهد في 8 تموز 1972 في الحازمية في بيروت، بعد
تفجير سيارته من قبل عملاء الموساد.
تمزق جسده أشلاء، ووجدوا يده على سطح إحدى بنايات
الحازمية، يد الكاتب التي لم تخذل القلم، لم تؤجره
ولم تبعه، رحل الإنسان الذي لم يعش حياة طويلة،
لكنها عريضة!
ولد عام 1936 وعاش 36 عاماً.. فقط. إنه مبدع
متعدد، بل عدة مبدعين في مبدع واحد، ترك وراءه
قصصاً وروايات ومسرحيات ودراسات ورسومات ومجلة
أسسها هي "الهدف" شعارها "الحقيقة كل الحقيقة
للجماهير"، وترك سيرة عطرة، وأمثولة حية.
في قتله لغسان كنفاني، عرف العدو الصهيوني من
يصطاد. وإذا كان هنالك الألوف ممن قاتلوا ويقاتلون
بالبندقية، فإن غسان كنفاني هو من القلة القليلة
التي أبدعت في قتال العدو بالكلمة، الكلمة التي لا
يقل تأثيرها عن الرصاصة بل ربما تفوقها تأثيراً،
وتتفوق عليها بُعداً وأثراً. غسان من الذين جسدوا
ليس فقط حكمة "إعرف نفسك" بل جسد كذلك حكمة "إعرف
عدوك"، معرفة ليست محض تأملية وباردة، وليست معرفة
من أجل المعرفة، بل معرفة راصدة وساخنة، معرفة من
أجل الصراع!
يكفي أن نضرب مثالاً واحداً على ذلك وهي الدراسة
التي أنجزها غسان ""في الأدب الصهيوني"، والتي قال
فيها: "وكل ما تطمح إليه هذه الدراسة هو أن تلقي
ضوءاً آخر على الشعار الصعب: اعرف عدوك" ... "إن
الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية، وما
لبثت أن استولدتها وقامت الصهيونية السياسية بعد
ذلك بتجنيد الأدب في مخططاتها ليلعب الدور المرسوم
له في تلك الآلة الضخمة التي نُظمت لتخدم هدفاً
واحداً".
كان غسان كاتباً موهوباً وأديباً لامعاً لفت إليه
أنظار النقاد والأوساط الثقافية مبكراً، حازت بعض
أعماله على جوائز، وقد اعتمدت بعض الدول العربية
أدبه في مناهجها التعليمية، كما ترجم أدبه إلى
العديد من لغات العالم، وكان تراثه الأدبي مادة
للعديد من الأطروحات الجامعية، وتم استلهام بعض
أعماله أساساً لأعمال فنية سينمائية خاصة "رجال
في الشمس" و"عائد إلى حيفا".
يقول محمود درويش: "إن غسان كنفاني قد نقل الحبر
إلى مرتبة الشرف، وأعطاه قيمة الدم" (مقدمة المجلد
الرابع من الأعمال الكاملة)، ويقول عنه كذلك: "إن
غسان درسٌ سياسي وأدبي وأخلاقي معاً". ("شؤون
فلسطينية" العدد 12، آب 1972).
غسان كنفاني "عاش كشمعة تحترق من الجانبين" على حد
تعبير صقر أبو فخر ("الهدف" 31 تموز 2001)، كان في
صراع مع جسده حيث كان مصاباً بمرض السكري، يعطي
نفسه بنفسه إبرة الأنسولين، كي يوفر وقت الذهاب
إلى الطبيب أو الممرضة، كي يكسب زمناً لأنه يعرف
انه في صراع مع الزمن، ولديه إدراك عبر عنه في
كتابته أن عمره سيكون قصيراً، لذا كان يملأ وقته
بنشاط دؤوب على كافة الأصعدة السياسية والإعلامية
والإبداعية، ليس لديه وقت فراغ، وليس لديه ساعات
دوام محددة، بل كان يسرق ساعات من الوقت المخصص
لراحته ونومه.
هناك فرق نوعي بين أن نحيا وأن نعيش، وإذا استعرنا
العبارة التي قالتها بطلة روايته "أم سعد" بأن
"خيمة عن خيمة تفرق"، خيمة الذل واللجوء وخيمة
الفدائيين والمقاتلين، فإنه يمكن القول كذلك أن
عيشة عن عيشة تفرق، أن الحياة بمواجهة وكفاح
وإبداع تختلف عن العيش كيفما اتفق بكسل واستسلام
والرضا بحياة لا معنى لها ولا نكهة، حياة بلا
حياة!
لذلك، كان غسان مدركاً لحقيقة أنه ليس المهم هو كم
سنة نعيش، بل كيف نعيش، بمَ نملأ حياتنا، نوعية
الحياة والدور الذي نقوم به فيها، وإذا كان
الإنسان لا يستطيع أن يجعل حياته طويلة، فعليه أن
يعمل لجعل حياته عريضة، أي ثرية ونوعية، يظهر ذلك
في تعليق كنفاني على موت الفيلسوف ألبير كامو :
"أمس، توفي الفيلسوف الوجودي ألبير كامو.. صاحب
فلسفة العبث، مات في موقف عبث، وأي رثاء له نوع من
العبث ليس غير... لقد انتهى، وعليه أن يقنع بحياة
عاشها عريضة، وان لم يستطع أن يجعلها طويلة"
(أوراق خاصة، يوميات 1959-1960، 10-1-1960).
في ثنايا أعمال غسان كنفاني، وفي أوراقه ويومياته،
نعثر على دراما الحياة والموت، يتبين لنا أحياناً
كثيرة أن غسان لا يتحدث عن الآخرين بقدر ما يتحدث
عن نفسه، عما يجول في نفسه، وعم يمور في روحه
المتألقة والقلقة في آن. الاقتباسات التالية توضح
ذلك:
- في قصة "موت سرير رقم 12" نقرأ: "إن قضية الموت
ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين،
المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً
للعيون الحية".
- في قصة "العطش": "أيها الرجل الكئيب.. هناك ما
نسيته.. لن أقول لك ما هو. تجول في الغرفة كقطة
محبوسة في خزانة طعام فارغة.. أتعرف ماذا نسيت؟ أن
تعيش حياتك أنت، لا حياة أخرى".
- من يومياته بعنوان "قتيل في الموصل" نقرأ: "قال
لي مرة فيما هو يقلب جريدة في يده.. "اسمع يا
فيلسوفي الصغير.. الإنسان يعيش ستين سنة في
الغالب، أليس كذلك؟ إنه يقضي نصفها في النوم.. بقي
ثلاثين سنة.. اطرح عشر سنوات ما بين مرض وسفر وأكل
وفراغ.. بقي عشرون.. إن نصف هذه العشرين قد مضت مع
طفولة حمقاء.. ومدارس ابتدائية.. لقد بقيت عشر
سنوات.. عشر سنوات فقط، أليست جديرة بأن يعيشها
الإنسان بطمأنينة؟".
- في قصة "قرار موجز" التي كتبها في دمشق
21-7-1958 يقول غسان على لسان بطله عبد الجبار:
"إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة".. "ليس المهم
أن يموت أحدنا.. المهم أن تستمروا".
- في يومياته يكتب عن معاناته مع المرض وصراعه مع
جسده: "إنه لثمن باهظ حتماً... أن يشتري الإنسان
حياته اليومية بالألم... والقرف... والنكتة... إنه
ثمن باهظ بلا شك... أن يشتري حياته اليومية بموت
يومي".
ومن المهم أن نشير إلى ما كتبه غسان إلى ابنة أخته
لميس في إحدى رسائله إليها، وهي التي استشهدت معه
في السيارة أثناء الانفجار، لنرى أن غسان ليس فردا
يعيش في برج عاجي معزولا عن الواقع والحياة، بل
إنسان يربط نفسه بجيل.. وتاريخ.. وقضية.. وصراع،
يقول غسان لابنة أخته الطفلة لميس عاقداً مقارنة
بينه وبينها:
"أيتها العزيزة: أنت تصعدين الآن، فيما نحن بدأنا
نهبط، لقد أوشك دورنا أن يتم.. كان دور هذا الجيل
أقصر دور لأي جيل مرَّ في التاريخ، إننا نعيش
لحظات حاسمة في تاريخ البشر، وهنالك الناس ينقسمون
إلى معترِك، ومتفرج.. أما المتفرج فلسوف يعيش جيله
كله، ويمتصه حتى آخره، أما المعترك، فسرعان ما سوف
يسقط، فالمعركة قاسية، وقدرته الإنسانية لن تحتمل
كثيراً ولقد اخترت أنا، أيتها الصغيرة، ألا أكون
متفرجاً، وهذا يعني أنني اخترت أن أعيش اللحظات
الحاسمة من تاريخنا مهما كانت قصيرة".
هذا هو غسان كنفاني، العلامة المضيئة في تاريخ
الأدب الفلسطيني والعربي، المبدع المتعدد الذي
ينطبق عليه قول بابلو نيرودا: "أعترف بأنني قد
عشت"، رغم أنه لم يعش طويلاً، وكانت له حياة
جميلة.. عميقة.. بعيدة الأثر، مع أنها حياة مفعمة
بالصراع.. مغمسة بالعذاب.
من
موقع الجبهة الشعبية
|
|
|
|
|
|