"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

غسان كنفاني في الذكرى الخامسة والثلاثين.. وأدب المقاومة

 

أحمد دحبور


انه الاستحقاق. فقد مرت ذكرى استشهاده الخامسة والثلاثون يوم السبت الفائت. وسؤال الاربعاء الذي لم ينقطع، طيلة هذه السنين، يستفسر عن دمعة هذا الموسم. اما غسان كنفاني، ابو فايز المشع حضورا وعطاء، فليس قلقا، وليس على عجلة من أمره. لقد ترك الكثير وليس الا ان نختار احدى رواياته، او مسرحياته، او مجموعاته القصصية، او جولاته النقدية، او قراءاته التاريخية، او دراساته الأدبية، حتى نحصل على ضالتنا في معرض الاحتفال بالذكرى الكاوية.. زد على ذلك ان أبا فايز ليس من اولئك الكتاب الذين تكفيك دراسة لأحد اعمالهم حتى تظن انك وصلت الى كلمتهم الأخيرة في ذلك العمل. فهو متجدد، لا رغبة منا في تجديده، بل بقدرة انتاجه على مدنا بالمزيد. ومن حق سنواته الست والثلاثين التي عاشها بين عكا ويافا ودمشق والكويت وبيروت، ان يتعالى كل يوم منها على اوهام العدو الذي فجر سيارته الستروين الصغيرة الحمراء قبل اربعة ايام وخمس وثلاثين سنة، ظانا ان اشلاءه واشلاء لميس، ابنة اخته التي كانت متعلقة به، سوف تذروها الرياح الى النسيان. واذا بغسان يقوى حضورا يوما بعد يوم، فيضع ثقافة الموت الصهيونية في موضع الحرج والعجز فضلا عن الفضيحة والعار.
ينادينا غسان، لهذه المناسبة، الى واحد كان من احب الموضوعات الى قلبه. فهو الذي اكتشف - من غير ان يغفل دور شاعرنا الكبير يوسف الخطيب - ما اصطلح عليه بأدب المقاومة. ولم يكن ما يفعله يوسف وغسان مجرد تجميع لقصائد وقصص وافكار كتبها محمود درويش وتوفيق زياد واميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق فياض وحنا ابو حنا وسالم جبران وغيرهم، في مواجهة القهر الوطني الذي يتعرض له الجليل والمثلث والنقب. بل انهما نقبا ودرسا وقارنا واستنتجا حتى عادا بحصيلة تفخر بها المكتبة العربية حتى اليوم.
ومن جهة غسان كنفاني، نذكر له في هذا المقام كتابين يؤرخ بهما ادبيا، هما >ادب المقاومة في فلسطين المحتلة< و>الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال: 6391 - 8691<، وقد عمدت مؤسسة لجنة تخليد غسان كنفاني التي تشرف عليها آني، ام فايز رفيقة عمر غسان، ويديرها فاروق غندور ابن خالة غسان، الى طبع اعماله مرارا في اربعة مجلدات. فكان الاول للروايات وقدم لها د. احسان عباس، والثاني للمجموعات القصصية وقدم لها د. يوسف ادريس، والثالث للمسرحيات وقدم لها جبرا ابراهيم جبرا، اما المجلد الرابع الخاص بالدراسات الأدبية فكان طبيعيا ومطلوبا ان يكتب مقدمته محمود درويش، لأن هذه الدراسات قد احرزت الاسهام الأكبر في تقديم الكوكبة التي ينتمي اليها شاعر فلسطين الكبير.
وقد يشكو مجلد الدراسات الأدبية من نقص، فقد ضم الى جانب الدراستين المشار اليهما، كتاب غسان الشهير - في الأدب الصهيوني - واتمنى ان يذكر قراءة هذه الصفحة انني درست هذا الكتاب الهام. ولكن المجلد لم يتضمن الاعمال النقدية التي كان غسان يقدمها بتوقيع فارس فارس. وقد كتبت دراسة لها ايضا. وكان مرجوا الا تغفل لجنة التخليد عن عمل كهذا، لا سيما وانه غير ممهور بتوقيع المؤلف، ما يستدعي الحرص على تثبيت الحق الأدبي، فضلا عن خفة دم الكتاب وطرافته.
والآن، كيف تناول غسان كنفاني ادبنا الذي كان محاصرا في الجليل والمثلث والنقب؟ وكيف قدم اكتشافه الى القارئ العربي؟


 

أدب المقاومة
اصدر غسان كتابه >ادب المقاومة في فلسطين المحتلة< عام 6691. وكأي عمل رائد، كان يحتاج الى بذل جهود استثنائية للحصول على النصوص التي يجب ان يدرسها، والتي ابتكر في ضوئها مصطلح ادب المقاومة، فضلا عن حاجته الى الاحاطة بالمشهد السياسي الاجتماعي الثقافي الذي انجب هذه الظاهرة. ومنذ السطر الاول في كتابه هذا يعترف غسان بأن دراسته >تفتقر الى عنصر اساس يتوقف عليه عادة جزء جوهري من نجاح البحث، وهو وفرة المصادر< واذا كان تواضعه المأثور عنه قد الزمه بهذا الاعتراف، فان الجيل الذي قرأ هذا الكتاب قبل اربعين عاما - وانا منه - يظل مدينا لهذا الجهد الجبار بالاولويات التي انطلقنا منها الى قراءة هذا الأدب.
سيلاحظ غسان كنفاني ان اهلنا الذين بقوا في ارضهم بعد النكبة، كانوا من الفلاحين، اما سكان المدن فقد التحق معظمهم بالمنفى. وهو ما يفسر، في رأيه، في انتشار الشعر الشعبي في هذه الاوساط الفقيرة القادرة على التعبير عن معاناتها بالغريزة والموهبة الفطرية. وزاد من تعقيد الأمر ان الاكثرية كانت تفتقر الى الثقافة الواسعة، وان المدن التي كانت ملاذ الموهوبين قبل النكبة قد اصبحت مدنا معادية طاردة، ولم يرحم المحيط العربي أهلنا المنسيين في ارضهم، بل فرض عليهم في البداية نوعا من الحصار الثقافي تحت اوهام رفض التطبيع، فيما استغلت سلطات الاحتلال هذا الواقع وحاولت تسويق نماذج من الأدب السطحي التافه الذي لا يلامس شعور المواطن. اضف الى ذلك محدودية وسائل النشر وخضوعها لمراقبة السلطة، او تمويل الاحزاب الصهيونية. وقد اورد غسان سببا لاحقا هو ضعف مستوى اتقان اللغة الاجنبية في اوساط هؤلاء العرب. واظنه كان يبالغ، فما عرفت اديبا من هؤلاء الا وكان قادرا على التعبير عن نفسه بالانكليزية، ولو بالحد الأدنى.
الا ان غسان يثبت قائمة بملاحظة مظاهر الحصار الثقافي الذي يبدأ بضعف التعليم ولا ينتهي بالتسرب المبكر من المدارس. ومع ذلك نراه يحصي - عام 6691 - ثمانية وعشرين شاعرا بينهم يهود شرقيون، فيما لم تظهر حتى ذلك التاريخ الا خمس عشرة مجموعة شعرية وخمس روايات.
وفي هذا المناخ المعتم أمكن بزوغ ظاهرة محمود درويش الذي استطاع انجاز عملية المزج العميق الهادئ المتدفق بين المرأة والارض ليجعل منها قضية الحب الواحدة التي لا تنفصم. ويلاحظ غسان، بذكاء الناقد المتابع، ان هذه الظاهرة الايجابية قد برزت بموازاة ظهور شعر فلسطيني في المنفى، يجمع أهمية الالتزام الى الحساسية الجديدة والموهبة التي لا تخفى. وكان ان اصبحنا نطالع اسماء الكوكبة المباركة يتقدمها محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين وحنا ابو حنا وسالم جبران وغيرهم..
ولا يغفل غسان لحظة عن الاشارة الى وسائل هؤلاء الشعراء والادباء لتمرير اصواتهم، ولو عبر منابر مؤقتة. ما يصدق عليه قول محمود درويش:
نحن لا نكتب اشعارا ولكنا نقاتل.


 

نبرة يسارية
ما كان يمكن لأحد ان يسبق غسان الى اكتشاف ظاهرة يسارية شعر المقاومة هذا. وما دامت هذه الثقافة تبرز هويتها بكل وضوح، فان من الطبيعي ان يطل اول دارس لهذه الثقافة على ابرز مكوناتها. الا ان غسان لا يعطي حكما انفعاليا قوامه الأخلاق والالتزام وحسب. ولكنه يتوقف عند ثلاث ملاحظات موضوعية، أهمها واولها ان الغالبية الساحقة من الفلسطينيين هناك تنتسب الى الريف. والفلاحون هم الطبقة التي كان لها شرف خوض الثورات الفلسطينية المتصلة قبل الاحتلال، وهم الذين تحملوا العبء الأكبر من حر 8491. اما الملاحظة الثانية فهي ان المحتل لم يعطهم فرصة لالتقاط الانفاس، بل واصل القمع والجور يوميا حتى غدت قصائد مثل المستحيل لتوفيق زياد، وسجل انا عربي لمحمود درويش، وخطاب من سوق البطالة لسميح القاسم هي قصائد واقع الحال التي تعبر عن التطالع اليومي الى الحرية والحياة، وتبقى الملاحظة الثالثة مركزة على ان الأنظمة الرأسمالية هي التي خلقت هذا الوضع الشاذ في فلسطين، وسببت لشعبها وأمتها هذا الألم والهوان.
وما لم يقله غسان كنفاني - ويمكن الوصول اليه من ثنايا الخطاب التاريخي - ان الحركة الوطنية المنظمة التي بقيت في فلسطين بعد النكبة، كانت قائمة اساس على اليسار، بل ان بعض الأدباء، مثل اميل حبيبي وتوفيق زياد، وقد وصلوا الى مواقع حزبية متقدمة في في هذا الشأن، فضلا عن رئاسة بلدية الناصرة التي استحقها توفيق زياد بالانتخاب، وعضوية الكنيست التي فاز بها، انتخابا كذلك، حبيبي وزياد ومحمد وتد وغيرهم..
وقد اتيح للشاعر يوسف الخطيب في قراءته هذه الظاهرة، ما لم يتح لغسان الذي كان لا يزال في اول طريق البحث عندما تصدى لهذا الموضوع الخصب، وكانت شواهده محدودة، اما يوسف الخطيب الذي اصدر، في وقت لاحق، مجلده الضخم ديوان الوطن المحتل، فقد اتى على كل شيء. ولاحظ ان لشعر المقاومة ثلاث سمات: الوطنية الفلسطينية ويجسدها محمود درويش اساسا، والقومية العربية التي تحولت الى ما يشبه اختصاص سميح القاسم، والنضال المطلبي الذي ارتبط باسم توفيق زياد. ولكن هذا التقسيم ليس ميكانيكيا يحدد لكل شاعر منطقة لا يتجاوزها، فهناك تداخلات تمليها حقيقة اتساع فكرة المقاومة حتى لتشمل كل شيء.
قد يكون اكتشاف غسان المبكر لأدب المقاومة، ظلم شاعرا بحجم راشد حسين الذي بدأ بداية قوية لكنه سرعان ما انطفأ لاسباب قهرية، حتى ان غسان حين بدأ دراسة هذا الأدب لم يجد من نتاج راشد حسين ما يعطيه حقه الكبير من الاعتراف والريادة والشعبية. وقد يكون ظهور كتاب غسان عام 6691، قد اضاع موضوعيا فرصة قراءة أهم نصين سرديين قدمهما أدب المقاومة، وهما سداسية الأيام الستة، والمتشائل لاميل حبيبي، ولكن ابا سلام اخذ حقه وزيادة من النقاد والدارسين اللاحقين.
ويبقى ان نسجل لغسان ان ذائقته اللاقطة قد اكتشفت نصا مسرحيا يؤديه ممثل واحد: مونودراما، للكاتب توفيق فياض ولولا استدراك غسان لضاع هذا العمل النوعي في ادراج النسيان. ولتوفيق فياض قصة طويلة عنوانها المشوهون، ومجموعة قصص بديعة عنوانها الشارع الاصفر، فاستحق التنويه بكل جدارة.


 

الأدب الصهيوني
حين قرر غسان كنفاني ان يجوس ويتوغل ثقافيا في بلاده التي اخرجوه منها وهو في الثانية عشرة من العمر، فانه لم يجد بعد ثمانية عشر عاما من الغربة، عام 6691، ادب مقاومة وحسب. بل وجد كذلك جسما غريبا يعبر بلغات غريبة، انكليزية وعبرية وييدش وغيرها، عن ثقافة عنصرية غريبة بالمطلق عن ثقافة منطقتنا وبلادنا، وعن تربيتنا وخطابنا اليومي..
سأتفهم الفضول الذي تحرك في وعي الكاتب الفلسطيني الشاب يومها، حتى ليمكن القول ان الفصل الخاص بالأدب الصهيوني لا علاقة له بالموضوع الأصل. وهو أدب المقاومة الفلسطيني. وربما لهذا السبب لم يستطرد غسان في هذا الموضوع، لكن وعيه لخطورته دفعه، فيما بعد، الى تكريس كتاب كامل في هذا الشأن، هو في الأدب الصهيوني الذي يمن وصفه من غير تردد بأنه كتاب رائد في حقل معرفي جديد لكاتب لا يكف عن الفوز بنقاط السبق مرة بعد مرة.
بالعودة الى الفصل المذكور في كتاب ادب المقاومة في فلسطين المحتلة، يضع غسان تعريفا للادب الصهيوني بأنه الملتزم سياسيا بمجيء اليهود الى فلسطين على حساب اهلها العرب الفلسطينيين، وهو، على المستوى الايديولوجي، ذلك الذي يطابق بين الدين والقومية، من حيث انه يعتبر كل يهودي صهيونيا. وهو ما يترتب عليه حقوق مفزعة تجعل من اليهودي الليتواني صهيونيا له مطلق الحق في فلسطين التي لا يعرفها، وتنزع هذا الحق عن العربي الفلسطيني المولود فلسطين بدعوى انه هاجر - ولو مطرودا بقوة من السلاح - بعد حرب 8491.
يستقصي غسان جذور الفكر الصهيوني لدى عالم النفس اليهودي الأكبر سيغموند فرويد، الذي وان كان علمانيا الا انه وضع في كتابه موسى والتوحيد مقدمات تستلهم الخرافة والحقوق الغيبية. ويهتم كذلك بما كتبته الانكليزية جورج اليوت. وقد فاته ان يشير الى ان هذه المسترجلة - حتى انها اطلقت على نفسها اسم جورج - ليست يهودية، بل مسيحية صهيونية من اولئك الذين ينتمي اليهم الرئيس الامريكي جورج بوش.
ويميز غسان بين العمى العنصري ضد العرب وضد كل من ليس يهوديا، كما يظهر في رواية اكسودس للامريكي اليهودي ليون اوريس، وكان لغسان فضل تعريف القارئ العربي بهذه الرواية الصهيونية العنصرية القبيحة، وبين بعض الكتاب اليهود الذين اطلعوا على جانب من الحقيقة، فانصفوا بعض الحق العربي كما في قصة الزيتونة لبنيامين تموز. ومع ان غسان كان يحذر من نبرة بنيامين تموز العنصرية، الا انني لم اتصور ان تصل العنصرية بهذا الصهيوني الى حد ما ارتكب في رواية البستان، المنقولة الى العربية، وفيها شتائم ضد العرب كعرب تقشعر لها الأبدان..
وقد لاحظ محمود درويش المطلع على الأدب الصهيوني باللغتين العبرية والانكليزية، ان غسان لم يكن امامه الا مصدر واحد هو المكتوب او المترجم الى اللغة الانجليزية، الا انه هذا لم ينتقص من دوره الرائد الذي وضع ايدينا مبكرا على مقومات الصهيونية الأدبية. ولا يزال كتابه في الأدب الصهيوني يقدم جديدا الى الأجيال العربية.


 

تحت الاحتلال
اصدر غسان كنفاني الثاني في هذا الموضوع، سنة 8691، بعنوان - الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال: 8491 - 8691 - وأهداه الى أبيه وأمه في اشارة الى تواصل الأجيال الفلسطينية التي كان من اقدارها ان تخوض وعورة الهزائم والمرارة. وقد وضع لكتابه هذا مقدمة دالة تشير الى ان جهده الجديد ليس طبعة جديدة او منقحة لكتابه السابق: ادب المقاومة في فلسطين المحتلة. بل هو دراسة مكملة. وعندما نتذكر صعوبة الحصول على المراجع والمصادر في هذا الحقل تحديدا، ندرك ان اي اضافة يحصل عليها انما تمنحه المزيد من الأفكار والتوسع في فهم أدب المقاومة.
وقد جعل عنوان الفصل هو: الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة.. وهو أمر يفرض علينا الانتباه الى الفروق التاريخية. فهذا الكاتب صادر قبل تسع وثلاثين سنة، عندما كان الفلسطينيون في الجليل والمثلث والنقب اقل عددا بشكل كبير مما هو الآن. ولكن يجب الا نصدم بالنسب المئوية المتردية لعدد المتعلمين والخريجين، لأن سياسة الحاكم الصهيوني لم تتغير، في الجوهر، من حيث العنصرية الثقافية اذا جاز التعبير وتقليص خدمات التعليم والمعرفة العامة.
والفلسفة الصهيونية في هذا العسف العنصري، غير معنية بانكار سياستها الثقافية المتبعة ضد الفلسطينيين العرب. يقول احد مثقفيهم: ان الكيان فوق اي اعتبار بما فيها اعتبارات الأخلاق، ووجود اقلية عربية في اسرائيل يشكل اكبر خطر علينا...!
اما اذا بدأنا بالأرقام ونسب عدد المتعلمين العرب ومقارنتها بتلك النسب عند اليهود فلن ننتهي. والمفارق ان هذه السياسة العنصرية التي تحد من عدد المتعلمين سيستغلها العنصريون الصهاينة لاثبات التأخر العربي، وكأن ادارتهم ليست هي المسؤولة عن ذلك. مع ان العرب حاولوا ان يوصلوا شكاواهم في هذا الشأن حتى الى يوثانت، امين عام الأمم المتحدة عام 4691.
ولم تكتف هذه السلطات المتجبرة بالجور العنصري الثقافي، بل انها حرصت على تقليص فائدة العربي من شهادات التعليم، ما خلق حالة من البطالة بين الشباب المتعلمين الذين قد يتعرضون للموت باطلاق النار لو انهم حاولوا الانتقال بحثا عن فرصة للوظيفة. وقد اورد غسان، لهذا الغرض، عددا من اسماء الشهداء الفلسطينيين الشباب، وتواريخ استشهادهم، والأماكن التي تمت تصفيتهم فيها.
زد على ذلك ان الحاكم العسكري، ظل بعد اكثر من عشرين سنة على النكبة، يسن القوانين العسكرية التي تعرقل تحرك المواطنين، حتى ليستحيل ان نتذكر اديبا ممن كانوا شبابا في تلك الفترة، لم يتعرض للسجن، او الاقامة الجبرية، او اثبات الوجود في المكان المفروض عليه الا يغادره.. ويورد غسان شهادات دامغة في هذا المجال، كتبها مثقفون حول معاناتهم وقهرهم الذي يكاد يكون بلا سبب. والى ذلك نرى هذه السلطات لم تترك المثقفين العرب في حالهم، فقد حاولت ان تبشر بنوع من ثقافة الانخلاع بدعوى مواجهة التأخر. لكن مفكرين فلسطينيين من نوع بولص فرح، ومحامين متمرسين في القانون مثل صبري جريس، قد تصدوا لهذه الألاعيب الثقافية، وأمكن للمشروع الثقافي الفلسطيني هناك ان يمر من ثقب الإبرة. بل ان بعض الاعمال الأدبية الفلسطينية كانت فاضحة لتلك المحاولات، ونذكر، في هذا السياق، رواية الصورة الأخيرة في الالبوم، لسميح القاسم، وقصائد راشد حسين ومحمود درويش وسالم جبران وغيرهم في رصد عناصر تلك المعاناة: ولكنا عبرناها.. على حد تعبير توفيق زياد.


 

أبعاد ومواقف
اما الفصل الثاني من هذا الكتاب، فعنوانه: ادب المقاومة الفلسطيني، ابعاد ومواقف.. وينطلق غسان في هذا الفصل بجسارة واقتحام، الى عالم مدرس التاريخ والأدب، الاستاذ سامي، كما قدمه توفيق فياض في المونودراما الرائدة بيت الجنون، ليخلص الى ان المباشرة في الأدب ليست علامة ضعف بالضرورة، بل قد تكون علاقة وقوة ومواجهة. ومن هذه الفكرة، فكرة المواجهة تنطلق صورة أدب المقاومة.. هذا الأدب الذي ربط ربطا محكما، كما اكد غسان، بين المسألتين الاجتماعية والسياسية، وقد نضيف اليهما المسألة الأدبية بطبيعة الحال. فأدباء المقاومة لا يقدمون عرض حال، ولا يستدرون الشفقة، بل يقدمون شعرا نوعيا احدث تحولا ملموسا، بلا ضجيج، في نسيج الخطاب الشعري الموروث.
وحين يتصفح الناقد شعر محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، يلحظ ان مشروعهما قائم منذ البدايات على ابعاد تقدمية اجتماعية - عربية عالمية.
وبكثير من الصبر والمتابعة، يلحظ غسان كنفاني نمو الوعي لدى هؤلاء الشعراء من خلال رؤيتهم للمرأة، فبعد مرحلة الغزل والدلال - كأن يقول سميح القاسم: لمن اعطيك يا قلبي لمن اعطيك - نرى المرأة قد اصبحت كيانا انسانيا يرمز لديمومة الحياة في الوطن. ويوسع غسان حدقة الناقد في مراقبة المشهد، فينتبه الى نصوص مبكرة من محمود درويش تنتصر لحرية المرأة، والى قفزة لافتة للنظر في الشكل والمضمون على السواء حققها راشد حسين، بانتقاده ثقافة الذكورة الجائرة:
همهم ان تلد الزوجة مولودا ذكر
ليقولوا انها بنت اصيل مفتخر
فيما يتجاوز محمود درويش لحظة الشعر الاجتماعي لتصبح الاسرة هي ذاتها الوطن. اما الوطن بحد ذاته فهو الموضوع والرؤيا وهو قضية هؤلاء الأدباء المقاومين مع أن غسان يعترف بأنه، حتى تلك الفتر ة، لم يحصل على النصوص النثرية الكافية من الداخل، لتدعم وجهة نظره بموازاة الشعر ذي الاتجاه الواضح. ولكنه يعول كليا على هذا الشعر المنذور للالتزام بصورة فريدة، كما يقول درويش:
قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت
اذا لم تحمل المصباح من بيت الى بيت
ويجد غسان ما يدعم وجهة نظره هذه في اشعار سميح القاسم ايضا وفوزي الأسمر وتوفيق زياد وراشد حسين، وهو ما سيؤدي حكما الى ارتباط هذا الشعر بالقضايا العالمية، فالعالم اسرتان، اسرة المستعمرين والمستغلين واسرة المضطهدين الصاعدين على طريق التحرر في فيتنام وكوبا وافريقيا، فضلا عن الاقطار العربية التي كانت تختلج بالتمرد والثورة بالتواقت مع الاحتجاجات المكلفة من اليسار في اليونان وغيرها، ضد القمع والقهر.
ومن يتصفح شعر المقاومة تلك الأيام - 4691: 8691 - يفاجئه ان كتاب المقاومة واحد لدى الشعراء العرب في كل مكان، فكلهم كتبوا ويكتبون عن الجزائر واليمن ومصر والعراق. ولعله من اللافت ان قصيدة توفيق زياد في هزيمة 7691، كانت الأبرز بين القصائد العربية من محيط الى خليج. سواء أكان ذلك على مستوى عمق الرؤيا أم تفوق الأدباء.
ولعل هذه مناسبة للاشارة الى ان هذا الشعر المتفوق فنا والتزاما، الآتي من فلسطين، قد جاء انتصارا لمشروع الشعر العربي الحديث، بوصفه تعبيرا عن توق الأمة الى الثورة، لا على المستوى السياسي الاجتماعي وحسب، بل على المستوى الفني ايضا. ويقينا ان الثورة لا تتجزأ.


 

نماذج مبكرة
كرس غسان فصله الثالث والأخير، من هذا الكتاب، لما اطلق عليه - نماذج من الشعر والأقصوصة والمسرحية - مشيرا الى انه راعى ان تكون تلك النصوص جديدة بمقياس زمانها. لا سيما وان موضة أدب المقاومة في الصحافة العربية كانت لا تميز ولا تحدد مواصفات لهذا الأدب. وقد اختار غسان من النثر نصين فقط، هما مونودراما بيت الجنون وقصة اخيرا نور اللوز، اما من الشعراء فقد انتقى ثمانية شعراء تتراوح لغتهم بين الغنائية الرمزية والمباشرة التقريرية، وهؤلاء الشعراء، حسب التسلسل الذي وضعه غسان كنفاني هم: حنا ابو حنا - محمود درويش - سميح القاسم - توفيق زياد - فوزي الأسمر - نزيه خير - و.. راشد حسين.
ما يتعلق بالنثر، فان الشيق هو ان غسان لم يكن يعلم - وانى له ان يعلم؟ - ان قصة واخيرا نور اللوز، هي من تأليف اميل حبيبي، مع انه يشير الى انها واحدة من ست قصص تجملها مجموعة سداسية الأيام الستة. وكان اميل يوقع كتاباته في تلك الأيام بامضاء لا يخطئه النظر، هو ابو سلام.. ولو قيض للشهيد غسان كنفاني ان يمتد به العمر، لتوقف طويلا بالتأكيد عند اميل حبيبي. اما مونودراما بيت الجنون لتوفيق فياض فلا يمكن الا ان نقر لغسان حماسته لهذه المسرحية النادرة التي جمعت الحداثة الى البساطة الى النزق الذي كان يميز بدايات توفيق فياض، وقد اعترف غسان بعدم عثوره على رواية صغيرة، عنوانها المشوهون، من اعمال توفيق. ويبدو انه لم يكن قد سمع بمجموعته الشارع الأصفر، التي يصح ان تعد حتى صدور سداسية الأيام الستة لاميل حبيبي، اهم مجموعة قصصية في نتائج هؤلاء الأهل. وليست هذه الاشارة للمفاضلة بين الشارع الاصفر والسداسية بل هي محاولة لتوخي الدقة في الاعتراف بهذين العملين النوعيين.
اما الشعر، فهذا هو الشعر الفلسطيني. بطموحه الفني، بغنائيته، باتساع أفقه، بقدرته على التحدي، وبموازاة ذللك هناك مكان لنبرة خطابية وطنية من حقها الاعتراف بوجودها.
الا ان اللافت في الأمر هو غياب صوت المرأة كليا في الشعر والنثر. ولعلي - بنوع من المناكفة مع ذكرى أبي فايز رحمه الله - حاولت استحضار اسم شاعرة من ذلك الجيل في الداخل، فلم اعثر على اسم.. صحيح ان المكتبة الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب، قد اغتنت فيما بعد باسماء نسوية من نوع نداء خوري ورجاء بكرية وسوزان دبيني ونسرين المغربي وغيرهن، ولكن هؤلاء ينتمين الى جيل لاحق لم يكن موجودا عندما وضع غسان كتابيه حول أدب المقاومة. مع انني كنت اتوقع، نظرا لدقته رحمه الله وبراعته حتى في توظيف الغياب، ان يقدم تفسيرا لغياب الصوت النسوي في ظل سيادة ثقافة ريفية لم تكن قد التقطت بعد اشعة الشمس التي تملأ المشهد الثقافي  الفلسطيني هذه الأيام..
وبعد..
سيكتب كثيرون في ادب المقاومة. ولن يكتفي غسان كنفاني بدور الرائد الذي سبق الآخرين الى الاكتشاف، بل سيظل، هو والشاعر يوسف الخطيب، المنارتين اللتين اهتدينا من خلالهما الى ما كان يصعب الوصول اليه لولا هذا الجهد والفتح الثقافي.

عن الحياة الجديدة الفلسطينية