"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

قيامات غسان المتكررة!

 

خيري منصور


الخمسة والثلاثون عاما التي غاب عنها غسّان كنفاني منذ عام 1972 حتي هذا الصيف ـ شهدت ولادات أنبوبية وأخري قيصرية لمثقفين تعهدوا دفن غسان تماما، وهو الذي مات الي حدّ ما بانتظار قيامة كانت وشيكة .
ولو مكث غسّان حتي هذا الصيف، لكان الان في العقد السابع من عمره، ولشهد أرذل السياسة والعروبة، لكنه ظفر بمصير حسده عليه من دفنوه وشيّعوه، وانتظروا علي قيد الهوان بضعة عقود، أكلوا فيها وشربوا وتناسلوا وناموا... ثم اكتشفوا انهم موتي تأجل دفنهم لأسباب يجهلونها !
فعن أي غسان نتحدث اليوم؟ وهل سيؤدي اختزاله الي اعادة تفجيره في القبر، أم سيتحول رميمه الي وضوء يتطهر به حتي من تركوه وحيدا في منفاه؟
ما من فك ارتباط علي الاطلاق بين غسان الروائي والقاص والرسام والسياسي والناطق الرسمي ومؤلف كتاب في الأدب الصهيوني وكراّس ثورة 1936، والمقالة الأخيرة عن الفدائي حميدو في الجنوب اللبناني ...
هذا الفريق من الناشطين في جسد واحد كان يستحق من وجهة نظر اعدائه حمولة من الديناميت تكفي لسحق كتيبة !
كان غسان الذي استشهد وهو يتهيأ لمشروعه الكبير أول من أدان الضحية لأنها ساهمت علي نحو ما في اطالة مخالب جلاديها وكان ذلك واضحا في رواية عائد الي حيفا .. عندما أنكر الابن المنسيّ أباه، وتحول الي ضابط في جيش طرد أهله وشعبه وذبح من ذبح منهم ...
وكانت رجال في الشمس رواية مزدوجة الادانة ايضا، سواء لقائد الخزان العنّين الذي استغرق في اختراع بطولات جنسية وهمية او للضحايا الذين اختنقوا في الخزان، لأنهم لم يدقّوا بابه...
حتي ما كتبه غسان عن ثورة عام 1936 والاضراب الاطول في التاريخ، كان من مقترب مغاير لأنه ذكر الاسباب الحقيقية لاجهاض الاضراب الكبير، وقد يكون ما كتبه عن الادب الصهيوني في محاولة رائدة لترجمة المقولة التجريدية عن معرفة العدو علامة حمراء في سيرة مرصودة، فلولاه قبل خمسة وثلاثين عاما لما عرفنا أن اسماء حاييم بياليك، وجورج اليوت وأوريس هي مفاتيح ذهبية لوجدان صهيوني، استوطنته ثقافة غير عادلة، وتحولت خلاله الذاكرة الآثمة الي ذاكرة متطهرة، لأن الحفلة التنكرية التي عاشتها الصهيونية خلال نصف قرن قدمت الضحية وبيدها سيف يقطر دما، وقدمت الجلاد مصلوبا علي صليب معقوف!
ان غسان كنفاني ليس بحاجة الي تأبين تأخر عن موعده اكثر من ثلاثة عقود، كما انه ليس بحاجة الي ان يتحول الي مسحوق غسيل للحبر المغشوش والسام،
فالرجل من خلال ترميزه ثقافيا ووطنيا أمثولة في الممانعة، وكبسولة تحتشد فيها مضادات الامتثال والتبعية والارتهان .
لهذا فإن من خذلوه في قبره، انما يعيدون قتله لكن بسكين من ذهب، وقد يشنقونه بخيط من حرير، تعبيرا عن حبّ أنكي من الكراهية.
ولكي يتجاوز الاستذكار الاحتفاء الطقوسي يجب ان يتحول الي اختبار وعي، ولحظة احتكام الي منظومة من المفاهيم والقيم التي تحولت الآن الي نشارة خشب أمام الحوانيت بانتظار من يكنسها !
لقد كان يكتب مع غسان شعراء وروائيون عديدون ومنهم من كانوا يحملون البنادق أيضا، لكن الهدف كان غسان بالتحديد، لأنه من وجهة نظر اعدائه اكثر من مجرد كاتب، فهو تمادي وفق مقياسهم باتجاه المنطقة المحظورة وتجاوز ما يعتقدون انه الخط الاحمر .
والمفارقة هي ان من يرددون في كل مناسبة تخص غسان السؤال الصعب المطروح علي من لم يدقوا الخزّان حتي بعد موتهم، هم ايضا لم يدقوا اي خزان، رغم انهم يعيشون في خزانات اخري، من طراز فالاريس.. وهو ثور نحاسي كان يحشر فيه الشعراء كي يتلذذ الطاغية بأنينهم !
لهذا فإن ادانات غسان لم تفقد صلاحيتها بعد خمسة وثلاثين عاما، ما دام هناك من يواصلون التخلي، ومن يواصلون الصمت رغم شحة الاكسجين والتعرض للموت اختناقا.
ان نصوص غسان كنفاني ليست أرامل بانتظار نقاد يتزوجونها او يعطفون عليها، انها تواصل الحياة بقوة، وتنافس في عنفوانها ووعيها ما ينتجه الاحياء علي استحياء في زمن هو ليس زمن غسان كنفاني علي الاطلاق، فخلال خمسة وثلاثين عاما تغيّر العالم كلّه، ومنه هذا القوس الملتهب علي الشاطيء الشرقي للبحر المتوسط...
فما كان من البدهيات أصبح بحاجة الي برهنة، وما كان محظورا بكل المقاييس أصبح مباحا ومتاحا للجميع، فالخيانة الوطنية أصبحت تحمل اسما آخر، وكذلك التفريط بالمصائر وبأعز مقتنيات الشعوب الروحية والمعنوية !
وحين تكون سيرة رجل واحد هي عيّنة من سيرة شعب، بدءا من الاقتلاع والتهجير القسري حتي البحث عن عمل في أقسي ظروف انسانية ومناخية وسياسية، فإن ما تقدمه تلك السيرة ـ العيّنة ـ يجب ان يعامل بحذر ومبالاة شديدة، بعكس ما هو حادث الان، فثمة من يمتدحون استشهاد غسان ممن يمتدحون اسباب بقائهم علي قيد الكتابة والحياة الأدني من حياة الزواحف.
وما عادت الكتابات الاحتفائية الموسمية تخدع طفلا عربيا في ايامنا، لأن المطلوب ممن يرون في غسان وأمثاله النموذج ان يحتذوه... علي الاقل في عدم الارتهان وعدم التحول الي اشباه، وليس معني ذلك ان كل من بقي حيا من جيل غسان عليه ان يعتذر عن ذلك، فهذا شرط بالغ القسوة لا يمكن تصوره، فالرجل قدم رؤي مبكرة نسبيا كانت تصلح لأن تصبح إرثا يعتدّ به، لأنه قرأ التاريخ عميقا، وتعامل مع جدليته، ولم تكن قراءته حتي لتاريخ شعبه افقية وغنائية، لهذا سمي الاشياء بأسمائها وجازف بإدانة أهله، وذويه، قائلا بأن الضحية ليست معصومة، وحين تكون خرساء فإن عليها ان تقبل المصير الفاجع !
رجال في الشمس قدمت الضحية الخرساء بل المقلوعة اللسان، مثلما قدمت القائد العنيّن المخصيّ الذي يزهو بانتصارات ذكورية كاذبة، وتعويضية.

ہہہ
عندما أهدي غسان روايته رجال في الشمس الي الرائد الراحل احسان عباس كان الاهداء ملغوما لأن غسان كتب بأن هذه الرواية لا تتعلق بالاندلس، ولم تكن الحصافة تنقص الراحل عباس، الذي ادرك علي الفور بأن المقصود بذلك الاهداء هو التذكير باللحظة الحرجة وبأن العربي وليس الفلسطيني فقط عليه ان يترجل من أندلس التاريخ الي اندلس من تراب ولحم وعظم ودم !
وحين سألت ذات يوم الراحل عباس عن احساسه بذلك الاهداء الذي لا يخلو من عتاب وطني، ذكّرني بتلك الظهيرة البيروتية التي شهدت رصاصة مجهولة المصدر اخترقت جدار بيته في حي الصنائع واستقرّت في كتاب علي الرّف !
وقال الراحل عباس ان من كتب عائد الي حيفا لن يتردد في كتابة العائد الي عين غزال او منها وضحك حتي بكي !!
اما الراحل د. يوسف ادريس الذي كتب مقدمة الاعمال القصصية لغسان بعد استشهاده فقد تمرد علي نرجسيته التي كان يعترف بها احيانا، وقال انه يشعر بالفخر لأنه يكتب النوع الأدبي الذي يكتبه غسان كنفاني، وقد يكون هذا تعبيرا عن انفعال وطني في لحظة خاصة بل استثنائية لكن ذلك المناخ الذي كان مفعما بالانحياز الي غسان لم يلبث ان هدأ بعد أن جفّ الدم والحبر معا !!

ہہہ
ما لا يعرفه كثير ممن كتبوا عن غسان، هو ان وعيه كان في حالة اشتباك دائم مع واقع مفروض عليه، فقد قال ذات يوم ان هناك بعدا منسيا من القضية الفلسطينية، فهي تحرم المثقف من أن يكون عدميا ولو لصفحة واحدة، وقد تكون مسرحيته القبعة والنبي مثالا لهذا الاشتباك، فمن يولدون وعلي كواهلهم هذا الإرث من الدم والتشريد محرومون من رفاهية التساؤل عن معني الحياة وعن الكتابة في شجن الوجود وعبثيته ! وقد يتسرع من يحكم علي نصوص غسان وكتاباته المختلفة علي انها حبر يجري في الاواني المستطرقة، فهو ليس متكررا الا بمعني واحد، هو تكرار ما يفرزه المناخ التراجيدي من التياع ومرارات وهواجس لا ترضيها او تشبعها الاجوبة الجاهزة !
وقلما أحس غسان كما أحس سواه بعدم جدوي الكلمات، رغم وجود اشارات وايحاءات متباعدة في كتاباته لذلك، لأنه علي ما يبدو تعامل مع الكلمة بكامل جسدها، ولم يضعها مقابلا للفعل، انها أحيانا الفعل ذاته، ولهذا السبب عوملت كلماته كأفعال، والمصير الذي انتهي اليه كان بمثابة اعتراف عدوه بجدوي كلماته، بل بفاعليتها وقدرتها علي استعادة الوعي المسلوب.
وثمة سؤال نقدي لا يخلو من برودة وحياد اكاديمي يتكرر في كل ذكري عن غسان، وهو ما الذي تبقي منه؟
الاجابة العاجلة والحاسمة ليست من هدفنا في هذا المقام، لكن اقل ما يمكن قوله، هو ان ما تبقي من غسان اكثر باضعاف مما دفن مع اشلائه، فأبطاله أحياء، وقد يتكاثرون في المدينة والمخيم والصحراء، أما الرجل فهو ساهر علي سطح البيت في ليلة عاصفة، لهذا فقد خلع جسده وتفرّغ لما هو أبقي منه وأجدي !!!!

عن القدس العربي