"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

لماذا نحتفل بغسان كنفاني

 

سهيل كيوان
 

كثيرة هي الأمسيات التي تقام لذكرى الكاتب المبدع غسان كنفاني، ولكن هل سألنا أنفسنا مرة لماذا نقيم ذكرى مبدع مثل غسان!

يبدو لي أن هناك خطأ في مفهومنا لإحياء ذكرى مثل هذا المبدع الفلسطيني الكبير! كلنا نعرف أن غسان ليس كاتبًا مغمورًا، وليست وظيفة مثل هذه الأمسيات كشف الغطاء عن إبداعه! وهو ليس بحاجة الى عدد آخر ممن يشهدون له بالإبداع! وهو ليس بحاجة لأمسية أخرى تضاف الى رصيده، لقد أنتجت عن أدب غسان حتى الآن عشرات الكتب ومئات الدراسات وأقيمت مئات وربما آلاف الأمسيات ودبجت آلاف المقالات، وأهديت لروحه ولذكراه مئات القصائد والقصص، وطبعت مؤلفاته مرّات ومرّات بلغات شتّى..

ولكن يبقى السؤال ما دام أن لقصص وروايات ومقالات غسان كل هذا الثقل فما هو رصيدنا من هذا المنهل العذب!

غسان كان أوّل من انتبه ونبّه الى أصوات قادمة من هنا.. من الجذر الذي حاولوا اقتلاعه وطمسه وتسميمه، ورأينا فرحته واحتفاءه بعدد من الأسماء التي اعتبرها في خانة الأدب المقاوم. ويحق لنا أن نتساءل اليوم، أين هي هذه الأسماء وما الذي فعلته بهذه الشهادة المشرّفة من أشرف وأرقى الأقلام التي عرفها الحبر والورق العربيّ!

هل علّق هؤلاء هذه الشهادة على صدورهم ورسموها في قلوبهم، أم أنهم اكتفوا بخطف هذا اللقب ثم ولّوا الأدبار مكتفين بهذه الغنيمة!

ما كنت لأتمنى لغسان أن ينهض من مرقده الآن. كي لا يعرف ولا يرى ولا يسمع أين وصل بعض من أطلق عليهم شعراء وكتّاب مقاومة، ولا على ماذا يتنافسون وما هو الذي يشغل بالهم وأين يحتفلون وبماذا!

لا أتمنى له أن يستيقظ من مرقده ليرى ما هو مقياس الإبداع الذي صار يصدر بقرار من موظف في وزارة من حكومة تقطّع أوصال شعبه وتتفنن بسادية غير مسبوقة في تعذيبه!

هل تقبل أيها المبدع أن أكون واحدا من مريديك! فمنك تعلمت حلاوة الكلمة الملتزمة والنظيفة! من فارس فارس تعلمت كلمة الصدق والحق حتى لو أغاظت الكثيرين!

علمتنا أنه لا يكفي للقصة أن تكون موقفًا، بل يجب أن يقدَّم هذا الموقف بقالب فنّيّ جميل! علمتنا أن الثورية ليست مزاودة في الشعارات، ولكنها موقف على الأرض يوازي الحبر! تعلمنا منك أن الحبر لا يقلّ قداسة عن الدم! وأننا سوف نُسأل عن كل كلمة كتبناها في يوم ما!

الكلمة أمانة وثقافتنا أمانة والأمانة غالية وثقيلة جدا! 

أقول لكل من يحتفلون بغسان ويستشهدون بمقولاته وقصصه ورواياته، أن أفضل تكريم لذكرى غسان هو التزام الحد الأدنى من شرف الكلمة! والتزام الحد الأدنى من الممانعة، لا نطلب من أحد أن يقاتل ولا أن يشهر سلاحًا، ولكن بإمكان كل فرد أن يمانع! أن لا يرفع الراية البيضاء أمام المد الاستسلاميّ! أن يرفض التواطؤ والسكوت وأن لا يكون ورقة تين أو توت للجريمة والهمجية!

ليس بالضرورة أن تكون النصوص جديدة كما جاء في الدعوة لهذه الأمسية! لسنا بحاجة لمزيد من الجمل والتراكيب اللغوية والتفنن بتقديم نفس الطبق الذي عرفناه منذ عقود، نحن بحاجة اليوم الى البسيط الواضح! هناك من صاروا يعتبرون الورقة البيضاء فنا للتعبير عن الرفض!

لا للورقة البيضاء، ولا للقصائد والنصوص الهائمة الغائمة التي لا تقول شيئًا إلاّ لصاحبها في أحسن الأحوال! لقد كانت قوّة غسان في وضوحه كشفرة سيف! التطور والتقدم الفنيّ لا يعني غموض الموقف بأية حال! نحن بحاجة الى التجديد ولكن ليس بالتجاوز وإغماض العيون، إحياء ذكرى غسان وكلّ شهداء الكلمة يعني الإلتزام بالحد الأدنى مما دعا ودعوا إليه! النصوص الجديدة المتواطئة مع الشرق الأوسط الجديد مرفوضة، ومهرجانات الشعر العالمي التي تتجاهل الاحتلال وجرائمه بحجة فنية الشعر والفن لأجل الفن مرفوضة. لقد انصرف تفكير كتّابنا الى الفائدة المادية التي ستعود بها نصوصهم وليس الى الرصيد المعنوي والثقافي! لقد بات رضا أصحاب القرار هدفًا لكثير من كتّابنا! صرنا نتحدث عن الإنسانية والحب والسلام في غمام الغموض وكأنه لا يوجد احتلال ولا تمييز عنصريّ ولا قمع وجرائم يومية! وكأنه لا يوجد شعب مشرّد وعشرات القرى المهددة بالهدم والزوال في هذه الأيام بالذات!

عندنا الكثير من المنتديات الأدبية وليس لدينا اتحاد للكتاب والشعراء، اتحاد لا نسمع به إلاّ حين يرغب أحدهم بتوقيع اسمه كرئيس اتحاد!

أيها الأخوة.. الثقافة شيء يختلف عن خط المجاري والهاتف وتعبيد الشارع ورشّ البعوض بالمبيدات، وهي أمور نطالب بها وبحق! الثقافة هي روح الشعب. فإذا تواطأت الثقافة تواطأ الشعب، وإذا تمّت رشوة المثقفين تمّت رشوة الشعب! الشعب الذي يفقد خصوصية ثقافته يفقد نفسه، ولذلك توجد مسؤولية على الكتّاب أكثر من غيرهم خصوصًا أولئك الذين يطلقون على أنفسهم لقب الكتّاب والشعراء الفلسطينيين! عليهم أن يكونوا بحجم هذه المسؤولية وإلا فليعلنوا انهم كتّاب "عرب اسرائيل" بالضبط كما يرسم لهم أصحاب الشأن وبالضبط كما خطط آباء الصهيونية منذ هرتسل إلى باراك وحينئذ يريحونا ويريحون أنفسهم من عبء السؤال!

أقول هذا لأنه يجب أن نخجل من دم غسان ودماء مئات آلاف الشهداء التي ما زالت تجري جداول، نحن لا نريد أسودًا ونمورًا وأبطالاً في القصائد والقصص، نريد الحدّ الأدنى من الممانعة على أرض الواقع!

نريد لأدبنا وزنًا، نريد أن نعيد له حرارته ودماءه التي فقدها، نريد أن تعود الثقافة الحقيقية الى الصدارة، وهي كانت أهم عوامل بناء الشخصية الوطنية الفلسطينية!

لقد فقدنا كلّ شيء، فهل نسمح بأن نفقد قلعتنا الأخيرة! من يريد الاحتفاء بغسان وقلم غسان عليه أن يحترم معنى وأهمية الكلمة، فهي ليست كلمة عابرة تقال على ورقة ستلقى بعد ساعات في القمامة، أو كلمة سابحة في فضاء الشبكة العنكبوتية تلقى وما من أحد يسأل كاتبها عنها أو عن رصيدها على أرض الواقع!

أيها القابضون على جمر الثقافة الحقيقية،

لا تنسوا غسان ..لا تنسوا دم غسان .. وتعلموا من إبداع غسان..

------------------------

* هذه الكلمة ألقيت مساء الثلاثاء 21 آب 2007، في أمسية "معهد إميل توما" و"مؤسسة الأسوار"، التي أقيمت في "مسرح اللاز" في عكا، إحياء للذكرى الخامسة والثلاثين لاغتيال غسان كنفان

عن موقع أجراس العودة