"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

الذكرى بعد غد

 

أحمد دحبور

 

لما كان هذا اليوم هو اقرب اربعاءات هذا العام الى الذكرى الرابعة والثلاثين لاستشهاد غسان كنفاني- استشهد في 8/7/1971 - فقد كنت هيأت نفسي، كالعادة، لتخصيص دمعة الاربعاء تكريما ووفاء لهذه الذكرى. ولكن المصادفة تركتني في رام الله اسبوعا كاملا، بعيدا عن مكتبتي واوراقي، فلم اجد بدا من التأجيل الى الاربعاء القادم، مكتفيا بخاطرة تقارب المناسبة هذا اليوم. راجيا قبول الاعتذار، مشددا على الوفاء بالوعد.
وغسان كنفاني الذي عاش على ظهر الارض ستا وثلاثين سنة بين عكا ودمشق والكويت وبيروت، تكاد سنواته تحت الثرى وفي قلوب الملايين تقارب عمره الشاب. ولنا ان نتأمل هذه الموهبة المتفجرة الغزيرة التي انتصرت على الزمن، فاذا به بيننا منذ ان استشهد، في ذكرى عصية على التكرار، بل هي متجدة تجدد عطائه الذي شمل الرواية والقصة القصيرة والتمثيلية الاذاعية والمسرح والشعر والرسم والنقد والتأريخ والكتابة السياسية.
فالعدو الذي اختار صاحب "الهدف" كان يعي اي هدف ثمين قد اصاب. لا سيما ان تنوع ميادين انتاج ابي فايز كان مواكبا للتفوق والخصوصية. واذا كانت فلسطين بوصلة عمره وعطائه معا، فقد نجح في ان يوسع حدودها حتى جعلها تشمل العالم فيما هي في القلب من هذا العالم.

وغسان الذي عايش اللحظة العربية الوجودية، لم يكن ابطال اعماله مجرد وجوديين، بل هم شهود قادرون على التجاوز. وقد كان محقا الى ابعد حد يوم كتب انه اكتشف بعد سنوات من الكتابة، ان ابطاله كانوا يسبقونه في الوعي. ولا عجب في ذلك ما داموا قادمين من عمق الحياة والتجربة، لا من الشغف بالتنظير والتصميم المسبق. اما في السياسة فكان ابن حركة القوميين العرب بامتياز. وقد اسس د. جورج حبش ورفقاؤه هذه الحركة بعد نكبة العرب في فلسطين، وكان ايمانهم مطلقا بقانون التحدي والاستجابة الذي شرحه المؤرخ ارنولد توينبي. واذا كانت النكبة هي التحدي المصيري الذي دهم العرب، فان الاستجابة كانت اصرارا على اعادة انتاج فلسطين مشروعا قوميا يصوغ الرؤيا العربية من جديد. وكان غسان في طليعة من استجابوا، بعد ذلك، للتحولات الراديكالية في عمق فكر القوميين العرب، حتى بات - وهو حي - من رموز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يعادي في حبها ويعادى. ولكنه حين بدأت مجازر ايلول 1970، بادر الى ايقاف مجلة الهدف الاسبوعية وتحويلها الى جريدة يومية تنطق باسم الفلسطينيين جميعا، على اختلاف مواقفهم ومواقعهم الوطنية.. وعندها كان على العدو ان يفعل ما فعل: ان يزرع السيارة الستروين الحمراء الصغيرة برزمة متفجرات، جعلت حي الحازمية في بيروت يهتز على وقع اشلاء غسان وابنة اخته لميس نجم التي احبها حبه لولديه فايز وليلى..

واذا تفهمنا سهولة الغدر بغسان - لانه كان اول شهداء الاغتيال بالتفخيخ الصهيوني - فلقد كان على القادة اللاحقين ان يعتبروا من درس غسان. ولكن لنعترف بان العدو كرر الضربة فكرر الايلام. ولا يزال غسان كنفاني يستشهد، وما زلنا نتوعد.
مع انه، رحمه الله، كان قد وضع خطة غير دموية للرد.. تلك هي مضاعفة الانتاج والعطاء. فهكذا توجه الى سميرة عزام، بنت مدينته عكا، يوم رثاها قائلا": اننا نعيدك بان نعدك بمواصلة دربك في العطاء..
ولا شك في ان المشهد الثقافي المعاصر ظل وفيا لدرس غسان كنفاني من هذه الجهة. فهو القائل: بالدم نكتب لفلسطين. وهو في طليعة من كتبوا لفلسطين بالدم.. وكفاه فخرا ان مقعده لا يزال شاغرا. لا بمعنى ان الساحة الفلسطينية لم تشهد ادباء مبدعين كبارا منذ استشهاده، ولكن بتأكيد انه نسيج وحدة.. ففي تاريخنا غسان كنفاني واحد. وهذا ما يعمق الجرح والاصرار على انتهاج طريقه.. رحم الله ابا فايز.

عن الحياة الجديدة الفلسطينية