"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

من ينسى قصص غسان كنفاني: عالم ليس لنا؟...

 

أحمد دحبور

 

ما كنت لأسامح نفسي لو تركت مصادفة ابتعادي عن مكتبتي تمنعني عن كتابة شيء، أي شيء، في ذكرى استشهاد غسان كنفاني. إنه عهد قطعته على نفسي منذ البداية، ووجدتني أسيراً راضياً مغتبطاً بهذا العهد. إلا أن ما أذهلني- وهذا ما أكرره كل عام - هو أنا أبا فايز يتأبى على النفاد. لا لغزارة إنتاجه وكثافة أفكاره وحسب، بل لهذه القدرة العجيبة على التجدد والإضافة، وكأن السنوات الثلاث والثلاثين التي تفصلنا عنه ، تضاعف من حضوره الإبداعي رداً على غيابه الجسدي الأليم.
لا أجد حرجاً في إعادة الإشارة إلى الخطوط العامة في حياته. فقد ينشأ جيل جديد لم يعرفه بعد حق المعرفة. وليس لي، ولأبناء جيلي، إلا تجديد التذكير بهذا العصي على النسيان..
ولد غسان فايز كنفاني في عكا عام 1936. وهاجر به والده المحامي مع بقية أفراد الأسرة إلى دمشق إثر نكبة 1948. وعمل غسان معلماً في إحدى مدارس وكالة غوث اللاجئين- الأونروا. وكان ذا موهبة فنية فطرية فقام بتعليم الرسم في الكويت حتى عام 1960. توجه بعدها إلى بيروت ليعمل في الصحافة والسياسة. فكان رئيس تحرير جريدة المحرر، ومحرراً لملحق "فلسطين" في جريدة الأنوار، وعضو حركة القوميين العرب وكاتباً في مجلتها المركزية "الحرية". إلا أنه بعد خروج "الحرية" من الحركة، أسس مجلة الهدف الأسبوعية بتكليف من د.جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وظل رئيساً لتحرير الهدف حتى استشهاده يوم 8/7/1972 إثر انفجار لغم زرعه عملاء الموساد في سيارته، فاستشهد على الفور هو والشابة لميس نجم، ابنة شقيقته الكبرى فايزة.
تزوج غسان من الدانماركية آني التي أنجبت له ولداً وابنة ، هما فايز وليلى. وظلت وفية لذكراه ورئيسة للجنة تخليده التي عرفناها باسم مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، بالتعاون مع ابن خالته، الجندي المجهول، فاروق غندور..
أصدر غسان كنفاني أربع مجموعات قصصية هي "موت سرير رقم 12- أرض البرتقال الحزين- عالم ليس لنا- عن الرجال والبنادق" وأمكن تجميع قصص لم ينشرها في حياته لكنها صدرت في مجلد أعماله القصصية بعد ذلك، وقد كتب المرحوم د.يوسف ادريس مقدمة هذا المجلد.
كما أصدر في حياته خمس روايات ، هي "رجال في الشمس- ما تبقى لكم - أم سعد - عائد إلى حيفا- الشيء الآخر، أو من قتل ليلى الحايك" وترك ثلاث روايات لم يتمها، "العاشق- الأعمى والأطرش- برقوق نيسان". أما ما يتعلق برواية "الشيء الآخر" فيذكر أنه أصدرها في مجلة لبنانية على حلقات مصورة، ولم تصدر في كتاب مستقل إلا بعد استشهاده، وضمن مجلد أعماله الروائية، الذي قدم له المرحوم د. إحسان عباس. كما أصدر مسرحية "الباب". ونشرت مجلة شؤون فلسطينية بعد استشهاده مسرحيته الثانية "القبعة والنبي". وكان قد كتب تمثيلية إذاعية بعنوان "جسر إلى الأبد". وصدرت هذه الأعمال الثلاثة في مجلد واحد بتقديم المرحوم جبرا ابراهيم جبرا.
وكان غسان معنياً بالنقد. ويكتب أحياناً بتوقيع فارس فارس. وقد أصدرت دار الآداب البيروتية عام 1996 كتابه "فارس فارس - كتابات ساخرة" بتقديم الناقد اللبناني محمد دكروب.
أما كتابه "في الأدب الصهيوني" فقد طبعه مركز الأبحاث الفلسطينية الذي كان يصدر مجلة شؤون فلسطينية، وفيها فصول من كتاب شديد الأهمية، أصدرته الجبهة الشعبية بعد ذلك، عن ثورة شعب فلسطين عام 1936، كما أن افتتاحياته لمجلة الهدف ورسومه وأشعاره لا تزال تنتظر النشر. ولن ننسى كتابيه اللذين ندين لهما باكتشاف شعراء المقاومة ،وهما "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" و"الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال".
وقد تم تنفيذ ثلاث من رواياته في السينما. فكان فيلم "السكين" مأخوذاً عن رواية ما تبقى لكم، من إخراج السوري خالد حمادة، وفيلم "المخدوعون" عن رواية "رجال في الشمس"،من إخراج المصري توفيق صالح ، وفيلم "عائد إلى حيفا" الذي لم يغير العنوان كما وضعه غسان ، وهو من إخراج العراقي قاسم حول، فضلاً عن أن بعض قصصه القصيرة تحولت إلى أفلام تجريبية لمخرجين شبان.
حصيلة كبيرة لشاب لم يعش أكثر من ست وثلاثين سنة. ولا يزال نتاجه عابراً للزمن.

عالم ليس لنا

لم اشر، خلال هذا التعريف المقتضب ، إلى الجوائز العربية والدولية التي حصدها غسان كنفاني، مخافة أن يفوتني بعضها. ولكنني لن أنسى المرة الأولى التي سمعت فيها باسمه: كان عمري خمسة عشر عاماً، حين قرأت في مجلة المعارف- وكانت تصدر في بيروت عن دار الحياة- قصة قصيرة بعنوان "الصقر" تأليف غسان كنفاني. وقد فازت بالجائزة الأولى في مسابقة نظمتها المجلة. كان ذلك عام 1961، أما القصة الفائزة الثانية فهي بعنوان "بتهوفن والقرد" للكاتب السوري -المرحوم فيما بعد- عاصم الجندي. وقد كنت من الرعونة، أو البراءة، إلى حد أنني قلت لغسان يوم قدمني إليه تلميذه وصديقي الكاتب المعروف محمود الريماوي: إنني أحببت قصة عاصم الجندي أكثر من قصتك الصقر. فضحك أبو فايز وعلق ساخراً: على كل حال لم تفرق في كثير، فالصقر والقرد يمكن أن يوجدا في حديقة الحيوانات!!
ولقد قرأت هذه القصة، بعد ذلك، في مجموعة "عالم ليس لنا"، التي أصدرها غسان عام 1965. وكنت ، شأن أبناء جيلي ، لا أزال مبهوراً بروايته "رجال في الشمس" وصدى صرخة أبي الخيزران في البرية: لماذا لم تدقوا على جدران الخزان.. كانت تلك رواية فلسطينية من الغلاف الأول إلى ما بعد الغلاف الأخير. فقد عثر جيلي أخيراً على كاتبنا الوطني الذي يعبر عن مأساتنا بجدارة وجسارة. وكنت أسمح لنفسي بالتباهي بأن أقرباء غسان هم جيراننا في مخيم حمص. وكم أسعدني، بعد أن عرفته ، أنه كان يكن احتراماً عالياً لأم سمير، امرأة عمه العصامية التي ربت أبناءها الأربعة خير تربية..
صدمتني ، في حينها، مجموعة "عالم ليس لنا"، بخلوها من التعرض المباشر لفلسطين، اللهم إلا في قصتها الأخيرة "العروس". وفاتني أن غسان كتب هذه المجموعة بين عام 1959 وعام 1963، باستثناء العروس التي كتبها عام 1965. ومعنى هذا أنها مجموعة بقلم شاب يتراوح عمره بين الثالثة والعشرين والسابعة والعشرين. وليس معنى هذا أنني ألتمس له تساهلاً أو تسامحاً، فالمستوى الفني متقدم بصورة صارخة. وليس فوزه- وهو في الخامسة والعشرين- بمسابقة يقرر نتائجها أمثال جبرا ابراهيم جبرا وتوفيق يوسف عواد إلا دليلاً على موهبة مبكرة وحضور يفرض نفسه على الكبار.
ولكن السنوات التي كتب فيها غسان تلك القصص، وهو في ذلك العمر، كانت سنوات فورة الوجودية بين الشباب العربي. وكانت وجودية متداخلة في معركة الصراع من أجل الوجود، حتى شاع مصطلح الأدب المصيري. وعلى هذا فمن الممكن - وأكاد أقول: الطبيعي- ألا يرد اسم فلسطين المباشر في هذه القصص، لكن لن يصعب على القارئ، حتى لو كان متسرعاً ، أن يلمح أثر نكبة فلسطين في أحداث هذه القصص. أما قصة العروس التي كتبها، وهو في التاسعة والعشرين، وفيها سرد لأسماء مدن الجليل الفلسطيني وقراه وإشارات إلى النكبة ، فليس من المصادفة أنها تسبق، في مجلد غسان للقصص القصيرة، مجموعة "عن الرجال والبنادق".. تلك المجموعة التي - كما يدل عنوانها - تبشر بفجر جديد في حياة الشعب الفلسطيني.
قد يقال إن غسان كتب روايته "رجال في الشمس" في تلك الفترة ، ومع ذلك فهي متوهجة بنار فلسطين. وهذا صحيح مئة بالمئة.. لكن دعونا نتذكر أنها رواية تسرد المأساة بمستواها الوجودي ولا تتعمد في مغطس النار. وأكثر ما كان ممكناً هو أن يصرخ أبو الخيزران المخصي: لماذا لم تدقوا جدران الخزان..
ومجموعة "عالم ليس لنا" كما سنرى، هي قصص أولئك الذين كانوا يموتون ويعانون ويتحملون قبل مرحلة الدق على الخزان. وسيلفت نظرنا في هذه المجموعة استعارة عالم الطير والحيوان من الحسون إلى الصقر إلى الغزال إلى القط إلى الكلب إلى الحصان إلى الجحش إلى ظل الأفعى وتمثال الأسد. إنها استعارات من الطبيعة بغريزتها لقراءة واقع لا يقل ضراوة وقسوة عن عالم الحيوان.

انسداد الأفق

ما معنى أن يكون العالم ليس لنا؟ إنه السؤال المفضي إلى حقيقة أن المأساة فينا وليست في العالم. فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس. والطاقة موزعة على الكون. لكن التراجيديا الإنسانية حكمت أن يعيش بعض البشر، ونحن منهم، في حرمان وفقدان مركبين. تلكم هي الرؤية الخانقة للفلسطيني بعد بضعة عشر عاماً من النكبة، لكن غسان لم يقف ليندب أو يشكو، بل يفتح عينيه على وسعهما ليرى، فيصدمه انسداد الأفق. وهو ما سيظهر لنا منذ القصة الأولى في مجموعة عالم ليس لنا. والقصة يشي بها عنوانها. إنه "جدران من الحديد" وتعالوا نتواضع في استيعاب معنى الجدران، إذ أنها في القصة مجرد أسياخ تشكل قفصاً للطائر السجين. وكعادته لعب غسان باللغة، فجعل الغرفة المسيجة مسيخة ليؤكد محدودية عالم الطائر. وسيلعب باللغة ثانية، فيسمي الطفل صاحب الطائر حسان. أما الطائر فهو من نوع الحسون ومع أن لغسان أخاً أصغر اسمه حسان إلا أنه كان معنياً بإيجاد صلة بين الطائر والإنسان. لنقل إنه يؤنسن الحسون ليعيد إنتاجه في المعادلة البشرية. فكما أن الحسون حبيس القفص فإن الفلسطيني- وإن لم يذكر الكاتب كلمة فلسطين- هو نظير هذا الطائر من حيث هو حبيس في المكان. سيغير الطفل قفص الطائر ظناً منه أنه يريحه. لكن الأخ الكبير يشرح أن تلك عملية تعذيب. فالطائر يحتاج إلى ثلاثة أشهر حتى يتأقلم مع القفص وما انتقاله إلى قفص جديد إلا مرحلة جديدة من العذاب تحتاج إلى وقت جديد للتأقلم. وحين يهجع الطائر ويظن الطفل أنه استكان للواقع الجديد، يخبره الأخ الكبير ذو الخبرة أن الطائر يحتضر.
كانت تلك من صرخات غسان كنفاني المبكرة المحذرة من اختناق الفلسطيني في المخيم - والإنسان بعامة، في حال التضييق عليه، مختنق لا محالة- وأن سكونه لا يعني بالضرورة أنه يستعد لجولة جديدة من الغضب. فاحتمال الموت كبير. مسكين حسون الطفل حسان.. لقد دق على جدران الخزان. ولكن بلا جدوى. لم يسمعه أحد. ومن اللافت أن هذه القصة مكتوبة عام 1963 أي خلال الفترة التي أنهى فيها غسان روايته "رجال في الشمس" التي لقي فيها الرجال عبر الخزان في الصحراء، مصير الحسون داخل القفص في البيت.
وما إذا كان الطائر أقوى من الحسون. ليكن صقراً مثلاً. وها نحن أمام قصة الصقر التي تلي قصة "جدران من الحديد مباشرة". والصقر في هذه القصة ليس حبيساً. ولكنه مروض. إنه مسجون بأسلوب آخر. ورحم الله إيليا أبا ماضي القائل:
والصقر لا يرضى السجون وإن تكن ذهباً، فكيف سلاسل من طين؟
لقد أريد للصقر أن يقوم بدور الكلب في صيد الغزلان. وقد نجح في ذلك بعد التدريب. لكن الصقر، واسمه نار- لاحظوا دلالة الاسم- لم يلبث أن يموت فيما هرب الغزال إلى أهله. ويعلق البدوي صاحب الصقر: الغزلان تحب أن تموت عند أهلها.. الصقور لا يهمها أين تموت.
الغزلان هم البشر العاديون، أما الصقر، فهو كالحسون في القصة السابقة، يصبو إلى الحرية. وما دام لم يحصل عليها فليمت. إذ ليس من الأهمية بمكان أن تختار نوع القبر مادام الموت هو المصير. والموت هو المعادل الموضوعي للسجن والمنفى.. لانسداد الأفق.
الآن بعد سنوات طويلة من قراءة هذه القصة، أكتشف بحسرة ، كم كنت محدود الخيال حتى أنني لم أفهمها في حينها. ولكن غسان ليس أمامي لأعتذر. فلأبدل الاعتذار بالاعتبار.

نصف العالم

في "كفر المنجم" وغيرها من قصص هذه المجموعة، يضرب بطل القصة في مجاهل الأمكنة بحثاً عن الرزق. يحصل على المنجم الذي يدر ذهباً. وهو المعادل الموضوعي لبلدان الثراء الاستهلاكي أو المنافي الغربية البعيدة حيث أفنى الفلسطيني زهرة شبابه ليعود إلى أهله بالثروة أو ما يوفر العيش الكريم. لكنه في تلك المرحلة - القصة مكتوبة أيضاً عام 1963- ينسى نفسه أو هو مهدد بنسيانها. فيشعر أن جدران المنجم تنز بصاقاً عيه، كأنها تلومه وتستحثه على عدم نسيان ما هو أهم وأكبر. لكنه يشكو ويئن ولا يفعل شيئاً، فيقرر الشاهد أنه لم يعد من كفر المنجم بعد.. إذ لا يكفي أن تشعر بأنك مشغول عن مكانك ودورك الطبيعيين. بل السؤال هو: ماذا ستعمل وتفعل من أجي التغيير؟ ومالم تغير الواقع فإنك في منجم البصاق حتى لو توهمت أنك قد تخلصت منه.
هذه الصورة القاسية التي تعيدنا إلى انسداد الأفق، تنبهنا إلى أن تلك الشخصيات المنكودة لا ترى المشهد كاملاً. فكان لا بد من قصة "نصف العالم" القائمة على مفارقة أساسها عاهة جسدية. فقد فقدَ الرجل عينه. قيل إنه اقتلعها عامداً وقيل بالخطأ. إلا أن هذا لم يكن شاغل غسان كنفاني الذي انصرف إلى مراقبة بطله وهو لا يرى من العالم إلا نصفه. فهو بعين واحدة يرى نصف ما يراه ذو العينين. وإلى ذلك نراه يكابر فلا يعترف إلا بما يرى. وإذا قال شوبنهاور إن العالم هو ما أمثله أنا في العالم من حيث وعيي وإحساسي، فإن ذا العين الواحدة هذا يكتفي بما رأى ويرى. ولهذا لا يخاف من العبور وسط الشارع بين السيارات، فالسيارات التي يراها يتجنبها والتي لا يراها تظل غير موجودة بالنسبة إليه. وقد قرأت قصة بهذا المعنى للدكتور عبد السلام العجيلي في مجموعته "ساعة الملازم". والقصة هي "الحب والأبعاد". إلا أن د. العجيلي الذي لا يحرجه أنه ذو عين زجاجية، وأنه يشير في تلك القصة إلى تجربته الشخصية مع رؤية نصف العالم، يطلعنا على المسألة من شقها الفيزيائي حيناً، الفلسفي حيناً آخر. أما قصة غسان فتفضي إلى الرمز مباشرة حيث انشطار العالم واختفاء نصفه عنا، إنما هو واقع حال المغترب ، مسدود الأفق، الذي تهدده سيارات الشارع التي لا يراها. ولا مناص له من أن يستعيد عينه المفقوءة ليستكمل رؤية العالم كاملاً. إنها صرخة على طريقته لاستعادة المفقود حتى لو بدا الأمر مستحيلاً. فليس من المعقول أن نكون في هذا العالم وألا يكون العالم بكليته لنا.. أو على مرمى أنظارنا في أقل تقدير..
ومن جديد يستعير عالم الحيوان في قصته "ذراعة وكفه وأصابعه" التي يعق فيها الولد أباه مع أنه يوفر له بعض المصروف مع خادم تدبر أموره. فيما تتركز فلسفة الأب المفجوع على أن ينتزع أحدنا حقه بذراعه وكفه وأصابعه - دعوة عفوية لاستعادة الحق بالقدرات الذاتية مهما كانت متواضعة- ويعبر عن ذلك بانتزاع قط رضيع من أمه. حيث يرميه في حضن كلب أليف، ليكتشف أن القط يغرز مخالبه وأنيابه في ثدي الكلب باحثاً عن الحليب. إنه المسعى العبثي إلى الخلاص بسبب انعدام الرؤية والرؤيا حيث نساق ببوصلة الغريزة غير مضمونة النتائج. والقصة مكتوبة عام 1962. ودلالة التواريخ أنها تلي تجربة الوحدة بين سورية ومصر، تلك الوحدة التي عول عليها الفلسطينيون واعتبروها طريقاً إلى العودة. وعندما وقع الانفصال اكتشفوا أنهم لم يروا واقع الحال إلا بنظرة أحادية. وغسان في تلك الفترة، كأبناء جيله ، كان يبحث. لم يكن يرضيه ما يرى، فظل يحاول إلى أن عثر على ضالته ، فيما بعد، بالثورة الفلسطينية. ومرة ثانية، ليس هذا إلا المستوى الفلسطيني للتفسير. ولكننا حين نأخذ القصص من موقع وجودي ، سنراها تنسحب على كل ما يصادفنا في الحياة عندما نكون في حالة بحث وقلق واستقصاء وعدم اكتفاء برؤية نصف العالم.

الجحش والحصان

لا أعرف أحداً ممن أدركه هوس القراءة لم يؤخذ بعالم أنطون تشيخوف. وكثيراً ما قرأنا قصة أو واقعة تتصل بعمق المشاعر الإنسانية فوصفناها بالقصة التشيخوفية. إلا أن كتاب القصة العرب، من الرواد، كانوا على الأغلب موزعين بين رومانتيكية ذاتية وواقعية اجتماعية. أما القصاصون الجدد فقد ذهب معظمهم إلى التجريب والعبث بالشكل أو إلى نوع من البحث الدرامي في العلاقات المعاصرة المعقدة. لهذا نادراً ما عثرنا على قصة عربية تشيخوفية البناء والرسالة، كما هو الأمر مع قصة "حجش" التي تتوسط مجموعة عالم ليس لنا. حيث يقلع مسعود بك بسيارته الفاخرة فيصدم جحشاً عابراً ولا يتوقف عنده، فيلاحقه سائق آخر ويسجل رقم سيارته. ويستدعى مسعود بك للتحقيق فينكر أنه صدم الجحش، وتتعقد المسألة وتطول، وتبدأ الصحافة تربط بين اسم مسعود بك والجحش حتى يصاب الرجل بانهيار. وعلى طول الخط تذكرنا هذه القصة بتشيخوف وقصته "موت موظف" حيث يتورط الموظف إيفان تشرفياكوف في العطاس أمام جنرال مهيب، ومع أن العطاس ليس محظوراً إلا أن تشرفياكوف يظل يعتذر للجنرال حتى يخرجه عن طوره، ويتحول اعتذاره إلى هلوسة ليؤكد للجميع أنه لم يعطس قصداً.. ثم يموت.. ولا أدري ما إذا كان غسان يفكر في تلك القصة عندما كتب قصة "جحش" ولكن المفارقة هي نفسها بجانبها التراجكوميدي. ولكن بطل تشيخوف كان يشعر بالضآلة، أما مسعود بك فيكابر ويرفض التسليم إلا أن النتيجة واحدة. فالإلحاح يؤدي به إلى الانهيار.
على النقيض من قصة "جحش " تقف قصة "لو كنت حصاناً" مرتبطة بالرواسب النفسية. فوالد بطل القصة كان يحب الخيل، وقد اقتنى حصاناً جميلاً يحمل لطخة من دم على جنبه منذ الولادة، وهي علامة تشاؤم. وحصل أن أوقع الحصان امرأة الرجل عن ظهره فقتلها، فبدا كما لو أنه حقق نبوءة المتشائمين. ولما كان للرجل ولد يحمل مثل تلك اللطخة منذ الولادة فإن الوالد يخشاه ويقول دائماً: لو كنت حصاناً لقتلتك. واتفق للولد أن شب وأصبح طبيباً لامعاً في أمور القلب. إلا أن أباه رفض أن يسمح له بعلاجه فقد كان هاجسه أن ابنه سيقتله. ويسمح الولد الطيب لزميله أن يجري العملية لأبيه. إلا أنه سرعان ما يراجع نفسه، فيكتشف أنه تأثر بالخزعبلات التي حكمت ثقافة أبيه. ولما كانت عملية القلب خطيرة فقد قرر أن يجريها بنفسه وراح يركض إلى المستشفى وخطواته على الأرض تشبه خبب الحصان.
في هذه القصة يحاكم غسان جانباً من ثقافة العامة القائمة على الخزعبلات، ويدحض النظرة الأوديبية الخاصة بقتل الأب، معطياً للإنسان، بما هو سيد نفسه، فرصة الانتصار على الأوهام التي تشل تلقائية الحياة. لقد كانت خطواته تشبه خبب الحصان. لكنه ليس الحصان الذي قتل أمه بل الذي سينقذ أباه. والسؤال المعلق بعد ذلك هو: هل يخرج الأب سليماً من العملية فيعيد النظر في علاقته بابنه أم أن الخزعبلات ستظل أقوى؟.
إن مايهمنا هو أن الابن ، رمز الجديد، قد انتصر للحياة على الشعوذة وهو جاد في طريقه إلى إنقاذ أبيه.

من يصلح العالم؟

تحتوي مجموعة "عالم ليس لنا" على خمس عشرة قصة. وإذا كان الحيز لا يتيح الوقوف التفصيلي عند كل قصة على حدة، فإن ما يستوقفنا من مجمل هذه المجموعة، أنها تنتمي إلى أدب عقابيل النكبة، بمعنى أنها تشهد على مقاطع أفقية وعمودية من حياة شعب زعزعته المأساة وهو يحشد أحاسيسه لتتحول إلى الفعل الذي لن يظهر إلا في المجموعات والروايات اللاحقة التي تواكب الثورة. وإذا جاست القصص التي أشرت إليها بين الرمز والواقع لتؤكد الاغتراب والاختناق غير المحتملين، فإن في القصص اللاحقة ما يعمق هذا الاغتراب من منظور سيكولوجي أو حتى أيروتيكي. ففي قصة "علبة زجاج واحدة" مثلاً، نرى مجموعة من الشبان متروكين في مكان غامض أشبه بعلبة الزجاج. لا نساء ولا مسرات من أي نوع. ويجرب بطل القصة حظه مع إحداى بائعات اللذة فيفاجأ بأنها حامل، وأن أحد الزبائن يتوقع لها أن تلد بنتاً ستكون على شاكلتها. وينصرف إلى صديق ذي خبرة فيبلغ إليه هذا أن هناك سيدات متزوجات يمارسن هذه المهمة سراً. ليختم بالقول:" إنها علبة زجاج كبيرة.. نحن نتحرك داخلها ولكننا لن نغادر.. نحن ننتقل من طابق إلى آخر، ولكننا لن نغادر" وهي نهاية تعيدنا إلى انسداد الأفق، حيث الطائر يظل سجيناً حتى لو نقلوه من قفص إلى قفص. والعامل في كفر المنجم ملوث بالبصاق حتى لو خرج من المنجم. إن القصة هنا تشير إلى لحظة التلوث لا من منظار الأخلاق وحده ، بل منطلق الفساد الذي يحكم العالم. وفي قصة "عشرة أمتار فقط" يقول أحد أبطاله:" ثم إن هذا لن يصلح العالم". ولهذا فإن بطل قصة "عطش الأفعى" يرفض أن يطمئن الأطباء على صحته وقدرته على الكلام، بعد أن صدمته السيارة. فهو موزع بين يأس كامل من هذا العالم، وبين ذاكرة ممضة تحمله إلى معاناة مع الأب والمجتمع. ومع ذلك فالقصة لا تنغلق على اليأس، فالطبيب يراهن على أنه سيستريح قليلاً ثم يجربون معه من جديد.
لا يهجو غسان كنفاني، في هذه القصص، ظلم العالم حتى لو كان مفجوعاً بحقيقة بأنه عالم ليس لنا. فليست المأساة مقصورة على الظروف الموضوعية القاهرة، بل إن هناك تنوعاً في البنى الفردية. فهناك من يسقط الضمير من حسابه ويقرر "أن ضميري هو حاجاتي". وهناك - في قصة علبة زجاج واحدة- من يشعر بتجسيد القهر وتشخيصه حتى "يخيل إلي أن هناك من يتعمد تأخير الصباح". وهناك من يهتم بالحداثة وإفرازاتها التي تكبح بدل أن تعطي:" شيء مضحك أن يضع الإنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين إنسانيته معطلة تماماً".. ولكننا لو فككنا هذه الصرخات، لوجدناها تتضمن الاحتجاج أكثر مما توحي بالتسليم. فالعالم ليس لنا ولكن هذه ليست نهاية المطاف. وهذا ما يفسر الإهداء الدال الذي ثبته غسان في مطلع مجموعته:" إلى فايز.. إلى لميس.. إلى كل الصغار الذين نطمح بعالم لهم". وفايز هو ابن الكاتب الشهيد. أما لميس، فهي لميس نجم ابنة أخته، وقد استشهدت معه.. كان رهانه على المستقبل..! والأطفال هم مفتاح الحلم الذي سيصلح العالم.

فلسطين العروس

تميزت قصص غسان بالمباغتة. أو المدخل القوي الذي يضعك في صلب الحدث فوراً حتى قبل أن تتبين حقيقته. وإذا كان الأسلوب هو الرجل، كما يقال في النقد الفرنسي، فإن ما يفعله هذا الفلسطيني المتمرس هو أكثر من أسلوب. بل هو استجابة لإيقاع حياة. تلك هي حياة الفلسطينيين الذين يقولون، كبقية العرب، في أمثالهم البسيطة:" يا قاعدين يكفيكو شر الجايين". ولم يكن الراهب قاعداً في قصة"الشاطئ" بل كان واقفاً حين شاهد المرأة تدخل الكنيسة. ظنها أتت للاعتراف - وفي هذا عدم دقة من غسان إذ أن الكاهن الذي يشرف على الاعتراف لا يسمى راهباً وإن كان في سلك الرهبنة - إلا أنه يفاجأ بأنها لا تريد شيئاً من ذلك، بل أتت لتحضر العرس. لكن العرس فاتها. والعروس هي ابنتها التي شقت عصا الطاعة عليها. وفي قصص غسان كثير من وقائع التمرد على الآباء والأمهات: "إنهن لا يفكرن في أمهاتهن بعد ذلك". ولكن هذا السلوك في هذا النوع من القصص لا يستمد تفسيره من مواقع فرويدية تتصل بعقد من نوع أوديب وألكترا. بل هو ضبط لمسار لا بد منه لدى الأجيال الجديدة التي "كفت عن سماع قصص الأعمام وآن لها أن تشق طريقها بنفسها. وحين نتذكر - ومن ينسى؟- أن هذه قصة لكاتب فلسطيني، فلا مناص من إسقاط اللحظة الفلسطينية على الواقع الاجتماعي. فما هو مصير العروس الفلسطينية؟.. هذا الجواب ستسهم في تقديمه قصة "العروس" التي يختم غسان مجموعته بها، مشيراً لأول مرة في المجموعة إلى اسم فلسطين الصريح، وإلى قرى في الجليل مثل شعب ومجد الكروم ودير الأسد وترشيحا وكسرى (كتبها كسرة) وكفر سميع والدامون.
والواقع أن تدفق هذه الأسماء بحد ذاته يثير حالة من الشجن والحنين تسيل من قلم شاب من عكا في التاسعة والعشرين من عمره ترك تلك البلاد قبل سبعة عشر عاماً من كتابة القصة. وليست القصة خارقة إلا في دلالة المكان والحركة في الزمان. كان هناك احتلال وكانت مقاومة. سقط شهداء وسقط أعداء مهاجمون. والمقاتل الفلاح ذو البندقية التشيكية يبحث عن مفقودتين: بندقيته التي سرعان ما رآها في يد مقاتل آخر. والعروس التي اختفت عن أنظاره بفعل النكبة الظالمة. أما دَوْر القصة - أوراويها- فهو أن تبلغ إلى ذلك المقاتل الجليلي البسيط أن عروسه موجودة، وأن هناك أخباراً أكيدة عنها، وما عليه إلا أن يواصل البحث.
هذا البصيص من الأمل هو الذي ميز قصص غسان كنفاني ، في تلك الفترة ، فترة ما قبل انطلاقة الثورة الفلسطينية - بالتفاؤل الذي ينتقل من كونه موضوعاً إلى الحلول في الأسلوب. فهو يتألم ، يحتج ، يعترض على رؤية نصف العالم بعين واحدة. على الأب الذي يخاف من ابنه، وعلى البنت التي تزوجت بعيداً عن أمها. لكنه يترك علامة باستمرار لإيقاظ الأمل من صميم الواقع، حتى ليبدو القارئ الفلسطيني - العربي بشكل عام- شريكاً في صنع هذا الأمل. بل لم لا نقول إنه الإنسان في بحثه عن الحرية بما هي علامة وجود بغض النظر عن الثمن الباهظ "فالصقور لا يهمها أين تموت"..
وبهذا المعنى نتخيل غسان سعيداً في مقبرة الشهداء البيروتية. ترقبوه.. إنه عائد إلى عكا.

عن الحياة الجديدة الفلسطينية