عدد مجلة الهدف الخاص الصادر في تموز 2002
في ذكرى استشهاد غسان كنفاني

 

الافتتاحية

غسان كنفاني الرجل والقضية

لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟
وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى:
لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
أبو الخيزران <<رجال في الشمس>>
غسان كنفاني
(لمحات من سيرة غسان مقتبسة من موقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)
تصادف يوم الاثنين 8 تموز (يوليو) 2002، الذكرى الثلاثون لاغتيال غسان كنفاني، الأديب المناضل، السياسي الباحث، الصحافي الرسام، الذي جمع في شخصه مواصفات عديدة وشكل ظاهرة مضيئة في سيرورة الثقافة الفلسطينية لدى بحثها الدائب عن مكانها تحت الشمس.
لهذه الذكرى نخصص ملفا ثقافيا يتناول بعض الجوانب التي تشف عنها هذه التجربة المتميزة لذاتها، ولنا جميعا الجوانب نفسها التي جعلتها تجربة يتواصل إشعاعها ليشكل مصدر إلهام للأجيال اللاحقة.
سيرة ذاتية
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا سنة 1936، نزح مع عائلته الى دمشق في 1948، وعاش عيشة قاسية، لكنه أقبل على الدراسة ليلا حتى نال الشهادة الثانوية وعمل مدرسا للتربية الفنية في مدارس وكالة الغوث في دمشق.
في 1956 سافر الى الكويت حيث عمل مدرسا للرياضة والرسم، وأثناء العمل انتسب الى كلية الآداب في جامعة دمشق وأعد دراسة لنيل الشهادة الجامعة عن <<العرق والدين في الأدب الصهيوني>>.
في 1960 غادر الكويت الى بيروت ليعمل محررا في جريدة <<الحرية>>، كما عمل في جريدة <<الأنوار>> ومجلة <<الحوادث>>، ورئيسا لتحرير <<المحرر>>.
في 1969 أسس جريدة <<الهدف>> الناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبقي رئيسا لتحريرها حتى استشهاده.
اغتالته المخابرات الإسرائيلية في 8 تموز (يوليو) 1972 بتفجير سيارته أمام منزله في الحازمية بيروت، واستشهدت معه ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 عاما).
نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته <<ما تبقى لكم>>.
نال اسمه جائزة منظمة الصحافيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975.
منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.
من أعماله:
روايات:
رجال في الشمس بيروت، 1963.
ما تبقى لكم بيروت، 1966.
أم سعد بيروت، 1970.
عائد الى حيفا بيروت 1970.
الشيء الآخر صدرت بعد استشهاده، بيروت 1980.
العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (روايات غير كاملة نشرت في مجلد أعماله الكاملة).
مجموعات قصصية:
موت سرير رقم 12 بيروت، 1961.
أرض البرتقال الحزين بيروت، 1963.
عن الرجال والبنادق بيروت، 1968.
عالم ليس لنا بيروت، 1970.
الدراسات:
أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 1966 بيروت، 1966.
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال بيروت، 1968.
في الأدب الصهيوني بيروت، 1967.
ثورة 36 49 في فلسطين، خلفيات وتفاصيل وتحليل.
مسرح:
الباب ومسرحيات أخرى بيروت، 1964.
ظهرت أعماله الكاملة في أربعة مجلدات تشمل: الروايات، القصص القصيرة، المسرح، الدراسات.
لمحات عن سيرة غسان كنفاني
نشأته وحياته
والده:
خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء، وبما أن والده لم يكن مقتنعا بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لابنه أن يكون تاجرا أو كاتبا أو متعاطيا لأي مهنة عادية، ولكن طموح الابن أبى عليه إلا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية، صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع، فما كان عليه إلا أن يتكل على جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته، فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذي يرسله له والده ويشتري بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ويشارك بعض الأسر في مسكنها، الى أن تخرج محامياً، وعاد الى عكا ليتزوج ابنة أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب، وليبني مستقبله هناك.
وكافح هناك وزوجته الى جانبه تشد أزره وتشاركه في السراء والضراء ونجح، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين، واعتقل مرارا، كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية.
وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوما بيوم وكانت هذه هي أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة، وينقلها معه حيثما حل أو ارتحل، وكثيرا ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع الى ذكريات كفاحه، فقد كان فريدا بين أبناء جيله، وكان الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلا لنا يحتذى.
هذا هو والد غسان كنفاني الذي له بدون شك أثر كبير في حياة ثالث أبنائه غسان.
غسان الطفل:
هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الإجازة والأعياد في عكا، ويروى عن ولادته أن أمه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل الى سريرها قبل أن تضع وليدها، وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك، وحدث هذا في التاسع من نيسان عام 1936.
كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا، ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات، فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب، وقد شهد أول حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التي بدأت هناك اثر قرار تقسيم فلسطين، لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم الى عكا وعاد هو الى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى أن كانت إحدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جرى الهجوم الأول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في أطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والأطفال إذا اقتضى الأمر.
وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها الى عكا وكانت الصور ما تزال ماثلة في الأذهان. في هذا الجو كان غسان يجلس هادئا كعادته ليستمع ويراقب ما يجري.
استمرت الاشتباكات منذ المساء حتى الفجر، وفي الصباح كانت معظم الأسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن الى لبنان، فوصلوا الى صيدا، وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتا قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في أقصى البلدة على سفح الجبل، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية إذ إن والدهم لم يحمل معه إلا النزر اليسير من النقود فقد كان أنفقها في بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا، وهذا البناء لم يكن قد انتهى العمل فيه حين اضطروا للرحيل.
من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين الى حلب ثم الى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق، وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان في طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كان الجميع يكتشف دائما أنه مشترك في مشاكلهم ومهيّأ لها دون أن يبدو عليه ذلك.
غسان اليافع:
في دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة، أبوه المحامي عمل أعمالا بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعا أكياس الورق، ثم عمالا، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي الوقت نفسه كان غسان يتابع دروسه الابتدائية.
بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتبا لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحيانا التحرير، واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة، وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.
وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته فايزة التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير على حياته. وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين، وبالذات في مدرسة الإليانس بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي. وذلك بالإضافة الى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.
وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب، وما يذكر أنه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجا مع والده الذي كان يحرص على إنهائه لدروسه الجامعية، وهو كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وإخلاصه لرغبة والده.
في أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه، وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد، الذي يبدو غير معقول، على القراءة، وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق، كان يقول إنه لا يذكر يوما نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستمئة صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة.
وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسيا بتوقيع <<أبو العز>> لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل في العراق.
في الكويت كتب أيضا أولى قصصه القصيرة <<القميص المسروق>> التي نال عنها الجائزة الأولى في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت أيضا، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة، مما زاده ارتباطا بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، وتفاخر بها أمام رفيقاتها، ولم يتأخر غسان عن ذلك إلا في السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله.
عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة <<الحرية>> كما هو معروف.
غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته لالتقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة <<الحرية>> ثم أخذ بالإضافة الى ذلك يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة <<المحرر>> البيروتية التي كانت ما تزال تصدر أسبوعية، صباح كل اثنين، لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحافي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعا لكثير من المهتمين.
عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دنماركي، كانت بين أعضاء الوفد الدنماركي فتاة متخصصة بتدريس الأطفال، قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولأول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية.
واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة، فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق، ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار وإياها المخيمات، وكانت هي شديدة التأثر بحماسة غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب، ولم تمض على ذلك عشرة أيام إلا وكان غسان يطلب يدها للزواج، وقام بتعريفها على عائلته، كما قامت هي بالكتابة الى أهلها، وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلى في 12/11/1966.
بعد أن تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية، إذ كثيرا ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه.
عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حي المزرعة، ثم الى مار تقلا حيث أقام أربع سنوات، وحين طلب منه المالك إخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بإيجار معقول.
وفي بيروت أصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاما مبرحة تقعد المريض أياما، ولكن كل ذلك لم يستطع يوما أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل، فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل.
ورغم انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الأخيرة إلا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدسا. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره، وكان يقضي أيام عطلته إذا تسنى له ذلك يعمل في حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته.
غسان القضية:
أدب غسان وإنتاجه الأدبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به.
<<عائد الى حيفا>> وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعى وكان ما يزال طفلا يجلس ويراقب ويستمع، ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.
<<أرض البرتقال الحزين>> تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية.
<<موت سرير رقم 12>> استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض.
<<رجال في الشمس>> من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت، واثر عودته الى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصوّر ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتا أنهم قد ضلوا الطريق.
من قصته <<ما تبقى لكم>> التي تعتبر مكملة <<لرجال في الشمس>> يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين، وكان ذلك تبشيرا بالعمل الفدائي.
قصص <<أم سعد>> وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين، في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين، فأخذ يجتمع الى ناس المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها، هذه الدراسة (نشرت في مجلة شؤون فلسطين، ثم أصدرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كراس خاص)، أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتملت منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه <<عن الرجال والبنادق>>.
كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف، فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لأحد العمال وهو يكسر الصخر في كاراج البناية التي يسكنها وكان ينوي تسميتها <<الرجل والصخر>>.

 

جماليات السلاح لدى غسان كنفاني

 

د. ماجدة حمود

بعد هزيمة حزيران بدأ إبداع كنفاني أكثر التصاقاً بهمّ الثورة الفلسطينية، وبأهم تجلياتها: الإنسان والسلاح، وحين نتأمل رواية <<أم سعد>> نلاحظ حضور أوجاع المخيم الى جانب السلاح في معظم فصولها، إذ بات يستخدم لغة جديدة تبدع وتجسد امتزاج الإنسان بالسلاح بصورة فريدة!
يصف لنا نظرة (أم سعد) المرأة البسيطة التي بدأت تعيش وعي الثورة <<ونظرت إليّ مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوءة بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة>>.
عرفت أم سعد الطريق الصحيح لفلسطين، لذلك استحقت هذا الوصف الموحي لنظرتها، الذي يجمع بين النبوءة والحقيقة والسلاح، إنها نظرة المرأة التي بدأت تدرك حقائق الثورة التي تجمع التضحية والسلاح! لذلك قدم لنا لوحة تشكيلية لنظرتها مستمدة من الرمح الذي ينطلق ليحقق نبوءة جديدة، والرصاصة التي تنطلق بسرعة في طريقها دون أن تهتم بالمعوقات، ودقة تصويب البندقية نحو الهدف (الحقيقة) تتحول هذه الأسلحة الى معادل جمالي لنظرة الإنسان الصائبة!
تتحلى مثل هذه المرأة بعقد مبتكر يتناسب والزمن الجديد الذي بدأ يلوح أفقه، إن ذلك العقد هو رصاصة نسيها ابنها الفدائي، ونجدها تدعوه ب(الحجاب) بعد أن تخلت عن ذلك الحجاب الذي كتبه لها الشيخ، ولم ينفعها في شيء! وبذلك تتحول إحدى أدوات الثورة (الرصاصة) الى قوة روحية وجمالية، لن يستغني عنها الفلسطيني سواء أكان امرأة أم رجلاً في الحياة الجديدة!
إن المعاناة التي عاشتها المرأة في المخيم أسهمت في تطور وعيها، فباتت تؤمن بأهمية السلاح في إنقاذ الإنسان والوطن معاً! وقد سبقها الى ذلك الجيل الجديد الذي حمل السلاح وبدأ يواجه الصهاينة، لهذا وجدنا (أم سعد) تتبنى وجهة نظر ابنها (سعد) في ضرورة الثورة، وصارت ترى الإنسان الفلسطيني، الذي لا يحمل سلاحاً، ويرضى بحياة الذل يعيش في سجن، سواء أكان ذلك في المخيم أم في البيت! ولن يستطيع أن يعرف معنى الكرامة والحرية إلا إذا غيّر حياة الذل التي استمرت مدة عشرين عاماً (كتب رواية <<أم سعد>> 1969 أي بعد عشرين سنة من النكبة) لهذا تقول (أم سعد): <<أعمارنا حبس، العشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس..>>.
إن الحياة الذليلة التي يعيشها الفلسطيني في المخيم سجن لن يخرج منه إلا من التمس طريقاً إلى السلاح ليعود إلى فلسطين! فيتحول السلاح عند كنفاني الى معادل جمالي للحياة الحرة!
وهي تصف أهمية البندقية (البارودة) بلغة الفلاحين وأمثالهم الشعبية: <<البارودة مثل الحصبة، تعدي، وعندنا بالفلح كانوا يقولون إن الحصبة إذا أصابت الولد فهذا يعني أنه بدأ يعيش، وأنه صار مضمونا..>> (1).
المرأة البسيطة لا تجد طريقة للتعبير عن انتشار السلاح في المخيم سوى تجاربها اليومية، لذلك كانت البندقية لديها تصيب بالعدوى شباب المخيم كمرض الحصبة، وكي ينفي الكاتب التداعيات السلبية للحصبة، يبرز أهمية هذا المرض معتمداً على الحكمة الشعبية، إذ يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الحياة ويكسبه مناعة، تضمن له الاستمرار في العيش دون أمراض! عندئذ يطمئن قلب الأم على أولادها الذين يحملون السلاح، لأنهم بدأوا يعيشون الحياة الحقيقية محصنين من الضعف كما حصنتهم الحصبة من المرض!
يرتبط حضور السلاح لدى كنفاني بالإنسان البسيط وخاصة الفلاح، لذلك وجدنا مفرداته وأعماله في الحقل تشكل جزءاً من جماليات العلاقة بين الإنسان والسلاح! فحين يعيد منصور البندقية إلى خاله الفلاح (أبي الحسن) نجده يحملها بشيء من الحنين يشوبه القلق على سلامتها، يتفقدها كأنها إنسان عزيز عليه، وهو لا يكتفي بذلك بل يعاملها <<كما تعامل أشجار حقله الصغير، يقصقص عروقها ويسلخ فروعها عنها ليطعم فيها فروعاً أخرى، ويرفعها ويشذبها ويملأ نواقصها حتى تعود كتلة واحدة من جديد>>(2).
يرى كنفاني أن أكثر الناس نضالاً ضد الصهاينة والإنكليز، قبل النكبة، هو الفلاح الفلسطيني، لذلك أصبحت البندقية جزءاً من كيانه، ومصدراً لحياته، نجده يعتني بها، كما يعتني بأشجاره، يدهشنا في هذا التصوير تلك النظرة الفريدة للبندقية التي تنطلق من عالم الفلاح الذي يتعامل معها كما يتعامل مع مصدر عيشه (أشجار الزيتون) وهذا ليس مستغرباً على الفلاح الذي صار يجد فيها مصدراً لكرامته!
كما تلفت نظرنا تلك الصور البسيطة التي تبدعها مخيلة كنفاني التي تستمد عناصرها من مفردات حياة الفلاحين اليومية، فرائحة الرشاش حين يسقى بماء المطر تذكر الفدائي (سعد) برائحة الخبز وقد خرج لتوه من الفرن، تبتكر لنا مخيلة المبدع صورة مؤثرة للسلاح، إذ يتحول، لدى الفلاح (الفدائي) الذي يحمله الي معادل لرغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنه! وما شكل جماليات هذه الصورة أيضاً أنها اعتمدت على حاسة البصر (الرغيف الشهي) وحاسة الشم (وقد خرج لتوه من الفرن) وهي تلبي حاجة أساسية لدى الإنسان (الجوع)، وبذلك يلبي السلاح لدى الفلسطيني حاجة أساسية تعادل الحاجة للطعام هي الحاجة الى الكرامة! فيمتزج لديه ما هو حياتي بما هو جمالي، ليصنع إبداعاً متميزاً!
لعل أنسنة السلاح من أبرز الجماليات التي جسد عبرها كنفاني العلاقة بين الفلسطيني وسلاحه، إذ لم تعد البندقية أداة جامدة بيد الفلاح، بل إنسانا صديقا يحاوره <<أنت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يخطئ.. المهم في الأمر أنك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك إلا من مكان واحد>>(3).
يحيط منصور البندقية بجملة أوصاف تلتصق بالإنسان عادة (الطيبة، الدقة في التصويب، الأمانة..) فهي ليست آلة للقتل وإنما إنسان صديق يؤنس (منصور) في وحشته أثناء سيره في الطريق الوعر الى قلعة جدين، كما يمد يد العون في ساعة الخطر، فيصيب العدو وينقذ صديقه (الأستاذ معروف) وهي أمينة لا تخون صاحبها!
لعل أنسنة السلاح تبلغ أقصى جمالية ممكنة في هذه الصورة، حين يتحول عضو من أعضاء الإنسان الى أداة من أدوات المدفع، كما حصل لسعيد الحمضوني حين وضع يده في ماسورة المدفع ليصلحه فيصبح قادراً على العمل بعد أن تعطل أثناء قتال الصهاينة! لذلك لن نستغرب أن يربط <<الناس صورة المدفع بوجه سعيد الحمضوني المربع، ولم تعد تجد من يفصل هذا عن ذاك في حديث الدفاع عن (قرية سلمة) بأن أصبح الآن ضرورة مكملة.. بل أساسية للمدفع، وعندما تحدث الناس عن سعيد كانوا يشعرون أنه أداة من أدوات المدفع المعقدة>>(4).
تبدو عناصر الصورة شكلية تجسد تلاحماً خارجياً بين الإنسان والمدفع! ما إن ينظر الناس في وجه سعيد المربع حتى يذكرهم بالمدفع! كما نجد تلاحماً عضوياً آخر بينه وبين المدفع أقرب الى التلاحم الداخلي، فقد أصبح الإنسان جزءاً أساسياً من أجزاء المدفع، وبذلك يتوحد الإنسان بالسلاح توحداً فريداً من نوعه!
نستطيع القول إن كنفاني جسّد لنا الروح الفلسطينية في لحظة همودها، إثر النكبة، وهي تبحث عن ذاتها وعن السلاح! وفي لحظة تألقها وهي تثبت ذاتها ممسكة به!
لذلك ختم القسم الأول من مجموعة <<عن الرجال والبنادق>> (التي كتبها مع بزوغ الثورة الفلسطينية 1965) بهذه الخاتمة الموحية التي تجسّد لحظة استشهاد والد منصور <<في ذلك الخلاء المبتل كان منصور يقف عاجزاً وهو يرى أباه يموت رويداً رويداً دون حركة واحدة، إلا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه، فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفه وتتوزع في بدن البندقية أيضاً، وأخيراً انتفضوا جميعاً معاً: الشجرة والرجل والمرتينة، ومن وراء غبش المطر الغاضب، ودموعه، خيل لمنصور أنهم ليسوا سوى جثة هامدة>>(5).
يقدم لنا كنفاني عبر هذا المشهد عدة دلالات موحية، فالدم الذي ينزفه الشهيد يغذي جسد البندقية، ليمدها بالحياة، وتتوحد مع الشهيد، فتنتفض في صحوة الموت معه، بعد أن امتزجت بدمه! ويدخل الكاتب الى عنصري الصورة (الشهيد والسلاح) عنصراً هاماً يتوحد بهما هو الأرض الفلسطينية، التي اختزلها الكاتب بأحد رموزها الأساسية (الشجرة) لذلك نجد الصحوة تجمع الفلسطيني والسلاح والأرض كما تجمعهم لحظة الموت! فلا حياة للفلسطيني بعيداً عن الأرض والسلاح! كما لا حياة لهما بعيداً عن الشهيد!
هكذا أرّخ لنا كنفاني للإنسان الفلسطيني، وهو يسطّر أنصع صفحات حياته، وهو يحمل سلاحه، فيحقق توحداً رائعاً مع فلسطين!

 

ذكريات مع غسان كنفاني

 

عبد الرحمن غنيم

لو عدنا بذاكرتنا التاريخية إلى الوراء، وحاولنا أن نتذكر العمليات التي نفذها الموساد الصهيوني منذ العام 1948م وحتى الآن، فسنجد الوقائع الأساسية التالية:
هناك واقعتا اغتيال الرائد مصطفى حافظ في غزة وكان قائداً لكتيبة الفدائيين التي تشكلت عام 1955م، وفي موازاتها أيضاً كانت عملية اغتيال المقدم صلاح مصطفى في السفارة المصرية في الأردن، وكان يشرف على الفدائيين الذين ينطلقون إلى فلسطين المحتلة، بعد ذلك كانت وقائع الطرود الملفوفة التي أرسلت الى العلماء الألمان الذين كانوا يتابعون برنامج إنتاج الصواريخ المصرية التي عرفناها شفوياً باسم الظافر والقاهر..، بعد ذلك جاء اغتيال غسان كنفاني ليكون بداية سلسلة الاغتيالات التي وجهت لقيادات معينة في الساحة الفلسطينية، حتى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير رحمه الله لم يكن منفصلاً عن واقعة واحدة في سجل نضال أبو جهاد الطويل، هي أنه نجح في إعداد خلية فدائية وصلت الى النقب، وبالذات الى الطريق المؤدي الى المفاعل النووي في ديمونة، وهاجمت سيارة باص على ذلك الطريق، فكانت تلك العملية النوعية بهدفها سبباً للاغتيال.
هذا الأمر يجعلنا نتساءل.. لماذا اختير غسان كنفاني ليكون أول الشهداء الذين استهدفهم الموساد الصهيوني؟ لا شك في أن الموساد الصهيوني قرأ في غسان كنفاني أشياء ربما كانت غائبة حتى عن تفكيرنا وحساباتنا نحن بالنسبة لقيم القادة والرجال!
عرفت غسان كنفاني كاتباً في جريدة المحرر اللبنانية وكنت أراسلها منذ كنت طالباً في قطاع غزة، وكانت تنشر لي فيها مواد ما بين الحين والحين، أحياناً باسمي الصريح وأحياناً أخرى باسم رائد غنيم، حينها كنت أتابع كتابات غسان بعد ذلك، ثم كتاباته في <<الحرية>> وتعرفت عليه بصفة شخصية ومباشرة ربما قبل أربعة أو ثلاثة أسابيع فقط من واقعة اغتياله حين صرت وإياه عضوين في اللجنة الإعلامية ل<<م.ت.ف.>> في بداية تشكيلها في بيروت، وكان رئيس هذه اللجنة الشهيد كمال ناصر.
من خلال لقائي المباشر بغسان، اتضح لي شيءأساسي فغسان ليس من النوع الصدامي في قضايا الفكر والتحالف، إن كان في الجبهة الشعبية أو في إطار حركة القوميين العرب، ومثله أيضاً الدكتور أنيس صايغ يشكلان نمطاً خاصاً من الرجال الذين يغلبون الفكر على العاطفة والذين يبحثون عن القواسم المشتركة في العلاقة مع باقي القوى، أكثر مما يبحثون عن قضايا الخلاف.
مثل هذه العقلية التي تميز بها غسان وتميز بها أنيس صايغ أعتقد أنها كانت تشكل سبباً ملائماً لكي يكون كل واحد منهما هدفاً للاغتيال، ولكي تبدأ عملية الاغتيالات بغسان كنفاني.
ونفس الأمر يمكن أن ينطلق على الشهيد كمال ناصر رحمه الله الذي كان بمثابة حمامة السلام في الساحة الفلسطينية، الرجل الذي يجمع ولا يفرق، يحاول أن يقرب وجهات النظر في كل اللقاءات والاجتماعات في بحث جميع المسائل.
إذن.. نستخلص من هذا أن العدو (وهذا أمر ثابت في استراتيجيته التي تقوم على التشتيت الاستراتيجي، على تفتيت الطرف العربي)، كان يهمه تفتيت العمل الفلسطيني المقاوم، كان يهمه أن تظل هناك أسوار وفصائل متعددة ومتناحرة ومتسابقة، بحيث من خلافاتها هذه ومن تعددها ومن الفوضى التي تنتج عن الخلافات وتعدد الاجتهادات تكون فرص العدو أكبر للنيل من الساحة الفلسطينية، وعلى أساس هذه القاعدة رسم الموساد خططه التنفيذية لتحديد مَن من القادة الفلسطينيين يوضع على قائمة الاغتيالات والتخلص منه أولاً، وبالتالي تجريد الشعب الفلسطيني من الطاقة الفكرية التي يمثلها هذا القائد، ومن القدرة التوحيدية التي يشكلها في الساحة الفلسطينية وفي المرحلة التي نعيش فيها الآن، وصلنا في الواقع الى ظرف يتحدد فيه شرط آخر من قبل الرئيس الأميركي بوش حددهما على أساس رؤية طرحها شارون وطرحتها الجهات المحددة للاستراتيجية الصهيونية، هناك الطلب الأول تغيير القيادة الفلسطينية أو بالأصح تغيير عقلية القيادة الفلسطينية، طبعاً هم لا يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريده الشعب الفلسطيني، وإنما يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريدونه هم والذي يكون بالتالي مستعداً للتنازل والمساومة والتعايش مع الاحتلال بكل شروطه وفق سياسته القائلة بالاحتفاظ بالأرض دون السكان، وهناك الشرط الثاني وهو التخلص من المقاومة، وما يقوم به العدو عملياً على أرض الصراع هو محاولة منه للوصول الى ما يسمونه بالمطلوب رقم (1)، لقد كان المطلوب رقم (1) يحيى عياش كمهندس في صنع المتفجرات وترتيب العمليات، ثم تتالت سياسة الاغتيالات الصهيونية للقادة الفلسطينيين، حتى أصبحنا الآن أمام المطلوب رقم (1) ثم الخمسين ثم المئة وهكذا سيبقى هناك المطلوب رقم (1) ما استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية، لكن على صعيد القيادات الفلسطينية، وعلى صعيد الفكر الفلسطيني.
كان الفاعل في الساحة الفلسطينية غسان كنفاني هو المطلوب رقم (1) لذلك حين نستذكر واقعة اغتيال الشهيد غسان كنفاني، فإننا في الواقع نستذكر كل السلسلة من أولها وحتى النهاية.. هذا إذا كنا قد بلغنا النهاية.. لأن الصراع قائم ومستمر، وفي كل يوم يسقط شهيد وكل هؤلاء الشهداء لهم ما لغسان وغسان كان لهم.. وهم منا ونحن منهم.. وهذه مسيرتنا، وأعتقد أن درس عقلية غسان.. أسلوب غسان.. فكر غسان.. مقالات غسان السياسية والأدبية من شأنها أن تغنينا في تصور ما يجب أن تكون عليه الحال في إعادة ترتيب أوضاع نضالنا الفلسطيني وصولاً إلى أفق أفضل.

 

لماذا اغتيل غسان كنفاني؟

 

يوسف سامي اليوسف

في الثامن من تموز سنة 1972، كنت أزور بعض أقاربي في مخيم الجليل المجاور لمدينة بعلبك اللبنانية. وعند الظهر أو زهاء ذلك، أعلنت أجهزة المذياع نبأ استشهاد غسان كنفاني، الذي امتدت إليه يد الغدر تماما عندما بلغ ذروة النضوج. وحين انتشر الخبر بين الناس شاهدت في الوجوه حزنا لا يبزه أي حزن آخر، من حيث الأصالة والصدق، سوى ذلك الحزن الذي سبق لي أن رأيته في الثامن من نيسان سنة 1948.
لم يقيّض لي أن أشاهد غسان كنفاني، الذي هو أكبر مني بسنتين فقط، ولم أكن قد طالعت سوى النزر اليسير من مؤلفاته قبل يوم استشهاده. ولكنني أدركت فور سماعي للنبأ الفاجع أن الرجل لا بد له من أن يكون كاتبا وطنيا شديد الأهمية وعظيم القيمة، وإلا لما اغتاله أولئك اليهود اللئام، قيوح التاريخ المنتنة، الذين أدمنوا كل صنف من أصناف النذالة والخبث، كما أدمنوا التخطيط للأعمال الخسيسة، والتآمر الحقير في حلك الظلم، ولهذا، فقد رحت أبحث عن مؤلفاته وأقرأ كل ما وقع منها تحت يدي.
وبعد ذلك بمدة من الزمن كتبت مقالة مطولة له عنوانها <<غسان كنفاني روائياً>>، ونشرتها في مجلة <<المعرفة>> الدمشقية، وذلك سنة 1977. ثم نشرت مقالة أخرى في إحدى الصحف، وكانت تدور حول الشعور المأساوي في أدب غسان، وفي عام 1985 جمعت المقالتين معاً في كتيب صغير عنوانه <<رعشة المأساة، دراسة في أدب غسان كنفاني>>، وقد صدر عن دار منارات في عمان. ولست أعرف كتابا مكرسا لغسان قبل ذلك الكتيب الصغير.
ولقد نشرت عدة مقالات صغيرة أخرى حول ذلك الكاتب الشهيد، ولا سيما في مناسبات استشهاده. كما كتبت دراستين مخصصتين لقصصه ومسرحياته، ونشرتهما منذ زمن بعيد. ولكني أعدت كتابة المقالة الثانية المكرسة لمسرح غسان، وسلمتها لمجلة <<المعرفة>>. وفي نيتي أن أضيف هاتين المقالتين الى الكتيب الآنف الذكر الذي أرجو أن أتمكن من إعادة نشره في زمن قريب.
لماذا اغتيل غسان كنفاني؟.. لأنه كان يؤمن بأن دويلة اليهود التافهة ينبغي أن تزول من الوجود. لهذا السبب حصرا امتدت إليه أيدي الصهاينة اللئام الذين تمكنوا من تسخير الغربيين في خدمة مشروع زائف يهدف إلى إنشاء صنف من أصناف الغيتو على شطر صغير من الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. ومن أجل إنجاز هذا المشروع التافه استطاعوا أن يحشدوا جميع القوى العظمى في هذا العالم الخسيس.
فيا له من كيان مصطنع أنجبه كتاب إجرامي سافل اسمه التوراة. يقيناً، إن ذلك الكتاب هو أحقر الكتب التي ألفها الجنس البشري منذ فجر التاريخ وحتى يوم الناس هذا. ولهذا، فإن الغيتو الصهيوني الشاذ لا يساوي عند ذوي الألباب أكثر من قشرة بصلة، كما يقول أهل قريتنا يوم كانت لنا قرية. ففي صلب الحق أنه خرط كلاً من العرب واليهود في محنة لا يلوح في الأفق أي مخرج منها حتى الآن.
ولكن أهم ما في أمر ذلك الغيتو الحقير أنه يعيش على نحو طفيلي مثل الأشنيات. وعندي، أن المصدر الأكبر لتمويله هو ما ينهبه الغربيون من نفط العرب المستكينين للأميركيين استكانة الميت بين يدي الغاسل. لقد كانت ميزانية الغيتو الصهيوني أربعة وستين مليارا من الدولارات سنة 2001، فمن أين جاء اليهود بهذا المبلغ الباهظ؟ ويبدو لي أن حصة الصهاينة من نفط العرب تساوي حصة البلدان العربية كلها من النفط نفسه. ومن اعترض على هذا النهب الفظيع فهو عدو للحرية والحضارة والديموقراطية، كما أنه أصولي وإرهابي يستحق الموت والزوال من الوجود.
ومن الغرائب أنني لا أعرف أحداً قد تنبّه لميزانية الغيتو الصهيوني وللدلالة المريعة التي تنطوي عليها. ولكن الأمر يتلخص على هذا النحو الوجيز: لقد بنيت دويلة اليهود التافهة بإرادة العرب (إن كان للعرب إرادة)، وكذلك على أرضهم وبأموالهم، أي إن الحقيقة هي على النقيض تماماً مما يتبيّن فوق سطح الأشياء. فأية مؤامرة قذرة تلك التي تجري في منطقتنا منذ زمن لا يسعني تحديده تخميناً؟!!
ولا بأس في التأكيد من جديد على أن غساناً قد اغتيل لأنه كان ملتزماً بأفكار التيار الفلسطيني الأصلي الذي يؤمن إيماناً نهائياً بأن اندثار الغيتو الصهيوني وتدميره وإزالته من الوجود هو حتمية تاريخية لا بد منها، ويتوجب على الفلسطيني أن يعمل من اجل إنجاز هذه الغاية العظمى، ولو بعد ألف سنة. وهذا يعني أن على البرامج السياسية الفلسطينية، وهي عندنا موضع ريب، أن تتبنى قضية فلسطين على نحو جذري حاسم، فإما الذكورة وإما الأنوثة في هذا الوضع التاريخي العسير. ولا وساطة بتاتاً. أما الحال الخنثى التي تعيشها القيادة الفلسطينية ولا سيما أولئك الذين هندسوا معاهدة أوسلو الشائنة، فلن تفضي إلا الى مزيد من إذلال الشعب الفلسطيني. ففي أوسلو وقع الفلسطينيون على صك استسلامهم، وهم صاغرون، ولكنه صك وقعه أناس الفنادق.
ولهذا، فإن فكرة التعايش مع اليهود هي فكرة خنثوية جزما، بل إنها مغلوطة من جذورها بكل تأكيد. ففي الحق أن شايلوك يأخذ ولا يعطي، كما أنه لا يتعايش مع أحد، ولا يقبل الفلسطيني الا ميتا أو راكعاً وحسب.. ولقد اثبتت أحداث هذه السنة أن الفلسطينيين ما نالوا سوى الأوهام بعد اوسلو.
اطرحوا هذه الفكرة المخنثة الى سلال القمامة، ونبهوا المستخذين الراكعين أمام اليهود، أقصد أولئك الخنثويين الذين لا أراهم ذكورا ولا إناثا، ولكم صدق ذلك الفيلسوف اليونني حين قال <<أعدل الأشياء المعركة>>.
.رحم الله شهداءنا جميعا والخلود
لكاتبنا الشهيد غسان كنفاني

 

من موقدة البيت إلى موقدة الثورة

 

حسن حميد

إنني على قناعة بأن قراءة غسان كنفاني قراءتان، قراءة لنصوصه، وقراءة لحياته. في الأولى، نجول في عوالم المخيلة، والرؤى، والذات ومواجعها، والناس وحرائقهم الأبدية. وفي الثانية نمسك بيد التاريخ الذي يدلنا على البقع الأرجوانية العديدة بدءا من طفولة غسان في عكا ويافا، ورحلة المنفى الى صيدا وبيروت، ثم حمص، فالشام. وحياة القهر والمغالبة، والسخرية المرة من الأزمنة الباهتة، والظروف المعطوبة باليباس القحل. بكاء الأم الصامت، تآخيها والليل، والشرود الطويل، وقلق الأخت الكبرى فايزة التي تريد اختراع درب لإخوتها غازي، وغسان، وعدنان، ومروان.. ومن ثم حسان.. درب لا التواء فيه أو تورية في زمن صار جوهره الالتواء والتورية. وأب ما زالت عكا تركض في دمه، حقولاً، وناساً، وذكريات، وأمكنة؛ أب تأخذه حمى الاقتلاع تأخذه من دور الى دور وهو في عز صحوه وفتوة الشباب. غسان الذي يجمع أكياس (الشمنتو) الفارغة من أمام البنايات، والبيوت التي تبنى حديثا ليصوغها أكياسا جديدة بمساعدة صمغ أشجار الزبداني، ثم كتابته للعرائض أمام المحاكم، والصبر على الناس وهم يفتحون جروحهم أمامه، والفرجة المؤسية على همومهم الولود يوميا، ثم حلول اللعنة المركبة.. مرة أخرى، فبعد تشرد الأسرة بكاملها من فلسطين الى لبنان الى سوريا، بدأت أعراض اللعنة الجديدة.. تشرد أفراد الأسرة واحدا واحدا في غربة أزلية لا بد منها. تتغرب الأخت الكبرى فايزة.. بصك شهادتها الثانوية، فتترك البيت لتدرّس في بلدة قارة يصحبها أخوها غسان الذي يسوّغ بحضوره هذا الغياب أو يقلل مفاعيله، ثم تتغرب فايزة مرة أخرى الى الكويت وحيدة، ليلحق بها بعد عام أخوها غازي، ثم يلحقها بعد سنوات أخوهما غسان.. وبذلك تنقسم الأسرة الى أفراد.. هنا وهناك، والى أمكنة، هنا وهناك، وإلى عواطف ومشاعر، هنا وهناك، بعدئذ يطير غازي الى أميركا ليدرس الهندسة الزراعية، وتتزوج فايزة بعيدا عن الشام، ويغيّر غسان منفاه من الكويت الى لبنان، وبذلك تتجسد الغربة المركبة.. لتصير هي ثقافة البيت؛ ثقافة النص الذي سيكتبه غسان، ثقافة المقاومة تجاه الزمن الأصفر، الشاحب المتصالح كذبا مع التاريخ، والناس، والمستقبل. ويوغل غسان في الغربة حين يمضي في ذهابه الأخير، في 8 تموز 1972.
(2)
كلما أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب، أشعر بالحاجة الملحة لقراءة نص حياته الحقيقي لقناعتي بأن أحدهما وريث الآخر، وأحدهما طاقة الآخر ومخزونه، وأحدهما متراس الآخر وخندقه، وأحدهما سبب الآخر أو نتيجته. أشعر أن نص غسان كنفاني المكتوب يصير أحلى وأكثر زهوا حين يتداخل وحيوات الأب المحامي، والأم موقد البيت وجمره، والأخت الشبيهة بتلك الأخت الوحيدة للإخوة السبعة في قصص الشطار وحكاياتهم: الأخت الباحثة عن سعادتها طي سعادة إخوتها. لهذا أشعر أن محبة نصوص غسان كنفاني المكتوبة تتضايف اكتمالاً بمعرفة حياته التي عاشها، وتعالقها مع حيوات إخوته ووالديه. وإذا ما كان غسان كنفاني وريثا لشيء من والديه وأخته الكبرى، فإن ذلك يتمثل بالطموح الذي لا يعرف النهايات، لا بل أكاد أقول الطموح الذي لا يعرف الخواتيم قط! ولذلك أرى أن لغسان كنفاني أربعة آباء، والديه، وأخته الكبرى فايزة، وتاريخ حياته المر!
وحين أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب أتعجب حقيقة من قدرته على الامتلاء دائماً حتى ليبدو لي أن كائنات أو خلقاً خفيين يعملون ليل نهار على نص غسان كنفاني ليظل ممتلئا وغنيا بالأسرار والكشوفات الجديدة، أو لكأن الزمن يعمل لدى نص غسان كنفاني يدا تمحو القدم كيلا تصيبه لوثة البلى، ويدا تبقي معنى القدم شاهدا على الابتكار الأصيل، والروح المتجددة، والأبدية البادية.
أقول هذا، وأنا أقرأ نصوص الذين سبقوا غسان كنفاني في الكتابة الأدبية، والأسماء كثيرة، فلا أجد في نصوصهم الحيوية، والغنى، والجمالية، والأبدية المشتقة من الطبيعة كما هي موجودة في نصوص غسان كنفاني. أحس بإحساس عميق أن نصوصهم كتبت عن الماضي؛ عن خلق عاشوا في الماضي وساكنوه؛ وعن أمكنة صارت بعيدة نائية؛ أمكنة لا تلامسها مشاعرنا ولا تحن إليها، وعن تشوفات وأحلام باتت ماضوية، أحس بأنها نصوص لا تورث، وأن ما من أحد يوصي بقراءتها إلا باعتبارها تاريخا، وبدءا لنشأة العمران القصصي الفلسطيني، كما أقرأ النصوص التالية على نصوص غسان كنفاني، فأجد معظمه، والأسماء كثيرة، مصابا بلوثة المناسبة، والتعليق على الأحداث، واستجداء الرضى الآني الكذوب للجريدة المقاومة، والمخيم المقاوم، والزمن المقاوم، وسيد الإعلام المقاوم، ودائرة الإعلام المقاومة، والسقوط المقاوم، والبيتزا المقاومة.. إلخ.
بلى، ثمة أمر مخالف، ونوعي، وسراني تماما موجود في نص غسان كنفاني والذي أشخصه على النحو الآتي:
موهبة إبداعية فذة نادرة الحضور، وإيمان نبيل وعميق بالإبداع، يجسدهما عمل دائب دائم كخزاف أبدي النقش والصقل، وسلوك مشدود الى القيم السامية، وانشداد حاسم أصيل الى حلم أصيل، ووعي ثقيل كالرصاص بآثار التراجيديا الفلسطينية.. لهذا أتساءل هل كان غسان كنفاني يشعر على نحو مبكر بأن الفلسطينين هم يونانيو العرب، وأنه هو شاعرهم هومير؟! بلى، لعل غسان كنفاني كان يشعر بذلك، فلولا هذا الشعور الغامر لما أبدع غسان كنفاني إبداعه الذي يماشي الزمن خديناً له في الأزلية، والحضور، والسطوة، والأهمية والاعتبار. ولولا هذا الشعور لاكتفى غسان كنفاني بأماديح الصحافة اللبنانية ورجالها، إذ لم يكن في تلك الآونة، مساء يعمر بالناس والأحاديث إلا وكان اسم غسان كنفاني جرسا يرن فيها مثل رنين الفضة المعتقة، وما كان يدور حوار أو نقاش حول الأدب في مشرق بلدان العرب أو مغربهم إلا وكان إبداع غسان كنفاني حاضرا كإنجيل أدبي لشعب صغير جدا أنتج زمنه المنهوب مأساة كبيرة جدا! ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالريادة، والمكانة، والأستاذية الأدبية في منفاه الأول في الكويت.. حين لم تكن هناك قصة أو رواية، ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالوجاهة السياسية، والصحبة الطيبة، ورضى أستاذه الحكيم جورج حبش، ولولا ذلك الشعور.. أيضا لاكتفى غسان كنفاني بسطوة المسميات (كرئيس التحرير)، و(الناطق الرسمي) و(مؤسس اتحاد الكتاب والصحفيين)، و(رئيس دائرة الإعلام).. ذلك الشعور بأن شعبه ينهض مرة أخرى وأخيرة، وأنه هو شاعره الذي يعد له موثباته، هو بالضبط ما جعله يصير منجما للإبداع الصافي؛ منجما يتعاون فيه الألم والقهر والحزن والحنين والقلق والخوف والطموح والموهبة من أجل إنجاز الصياغة الأخيرة لدمغة الأدب الكنفانية.
(3)
دائما، ما تحلو لي المقارنة ما بين غسان كنفاني واثنين من مبدعي العرب والغرب معاً، وذلك لما تميز به هؤلاء الثلاثة ولما اتصفوا به من مشتركات كثيرة، هذان الاثنان هما المتنبي، وهمنغواي، وثالثهما غسان كنفاني؛ كلهم أصابهم سهمان، الأول: سهم الغربة، والثاني: سهم الموهبة الراقية والطموح العالي. انظروا الى هؤلاء الثلاثة، واعصروا تجاربهم وحيواتهم، وراقبوا سلوكهم، وادخلوا نصوصهم، واقتربوا من أحلامهم قليلا، وقفوا على تاريخهم.. إن فعلتم ذلك.. فلن تجدوا سوى الموهبة النادرة، والإبداع الصادق والنفس القلقة التي لا تقف عند عتبة، لا بل ستجدون أنهم أورثوا البشرية قرى من الإبداع الشعري والنثري معاً. ثلاثة عقول، وثلاث مواهب، وثلاثة رجال، وثلاث تجارب، لم يقوَ عليها الزمن ولا الحاسدون، ولا الطغاة الصغار إلا بالقتل! لكن، يا للعجب، فلم يكن الموت لدى هؤلاء الثلاثة سوى نقطة انطلاق لخلود حبّروه مساهرة للإبداع الصافي، والقضايا المؤرقة، وإيمانا بالإنسان والإنسانية في آن واحد.
والحق، فإن العين الرائية الى نصوص غسان كنفاني.. تشير الى أنه لم يهتم بالمخيم الفلسطيني كمكان، لقناعته بأنه مكان طارئ، قارب جغرافي ليس إلا، وسهرة ليلة فحسب. ولم يهتم بالبندقية لاعتقاده بأنها أداة ووسيلة، ولم يجسم حضور القواعد الفدائية لأنها خنادق تتلوها خنادق، لأنها حاشية من حواشي الحياة الفلسطينية الجديدة، أو الممتدة أو هي مستلزم من مستلزماتها، ولم يمتدح غسان كنفاني البيوت، أو الطرق، أو الأشجار، أو العواطف والمشاعر والآمال.. إلا لأنها مؤثثة بأنفاس البشر الصادقين. والعين الرائية الى أدب همنغواي وشعر المتنبي تدرك أيضا مدى اهتمامهما بالإنسان ونزوعه الأبدي للوصول الى المشتهى النائي المحلوم.
(4)
ويا للعجب الذي لا يصدق، في زمن لا يصدق أيضا.. أن نقرأ من الذين يكتبون التاريخ الأدبي يريدون طيّ صفحة غسان كنفاني باعتباره ماضويا، كما يريدون المرور بالمتنبي وهمنغواي مرورا عابرا (وهم بذلك أشبه بالذين يعرفون القرى من اليافطات التي تحمل أسماءها فقط)، لكن الحارس الأكبر، أعني الزمن الذي في طالع صفاته: الديموقراطية.. يرفع بيديه مرآتين، الأولى: تري هؤلاء العابرين قاماتهم وصورهم
الحقيقية، فينكفئون على أنفسهم مثل القنافذ.. لضآلتهم. وفي المرآة الثانية: يريهم، أي الزمن، غسان كنفاني بتمام قامته المضاءة لأنه واحد من .الفلسطينيين المتحدرين من سلالة النور

 

ثلاثون تموز..

 

عدنان كنفاني

يقولون إن الولد قطعة من الكبد!.. فهل بقيت في أجساد بني وطني أكباد؟..
تحملني أجنحة طيور من يافا.. إلى عكا، وتزفني إلى الفيحاء..
آه يا حبيبتي المغموسة في قدر العشق، أنت في القلب!.. كنت وتبقين حتى نهاية الزمان..
أشم ريح بردى، ريح البحر.. تراب قاسيون، قشرة برتقالية.. حور الغوطة، شجيرات المنشية..
أحن إلى أصغر عصفور يبيت في قلب سروة.. أو يستظل بخيال ورقة تين..
تحملني أجنحة طيور.. تفتح أمام ناظري صوراً واضحة جلية..
الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تموز 1972 خبر مقتضب بثته إذاعة لندن.. (انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة..).
بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة تطوي تحت عجلاتها الطريق الى بيروت.
أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة!.. أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة..
ولأول مرة في حياتي أيضا أجتاز حدودا بين دولتين بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح.
فتحوا أمامي البوابات، وحملوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرفاتهم الجادة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء...
  
أهمس ويهمس إليّ الحرف.. حتى الحرف يطن في أذني، ساحة مقروءة حية.. ألمس تفاصيلها وأجزاءها الصغيرة الصغيرة.. لم تعد هشة تجلدني بطيوف الأشياء المنسية.
شاب أشقر، ضئيل، عرفت في عينيه السخرية، والهدوء، والقسوة.. يحمله نعل خفيف عبر حارات دمشق القديمة، بستان الحجر، وباب السريجة، يشتري رغيفا بخمسة قروش من فرن المصري يحشوه عزّو حديد بالفلافل والتوابل والمخللات، ويقسمه بيننا بالتساوي.
وجبة سمينة ليوم كامل..
ننطلق عبر السوق المستقيم الطويل الملون برتلين من الدكاكين، الى باب الجابية فشارع البدوي فالشاغور ومنه الى شارع الأمين.. نقف بوجل أمام البناء الأبيض العريض المسور ببوابات حديدية كثيرة وكبيرة..
الأليانس؟.. كنت تلميذا في الصف السادس يوم دخله غسان في الحصة الثالثة لأول مرة، وبعد أن قدمه المدير للطلاب، خرج وتركه <<كما تصورت>> غارقا في حيرة..
فقد لاحظ بلا شك أن قامات مجموع التلاميذ بوقوفهم للتحية أطول من قامته، وأن معظمهم أيضا بمثل سنه أو ما يقارب، وقد لاحظ أيضا كما لاحظت أن بعض التلاميذ أخذوا يغمزون من تلك الزاوية.. تماسك.. وراح يشد على أسنانه بقوة، وعلى قبضة يده.. أمسك قطعة طبشور وأدار ظهره للتلاميذ.. كتب على اللوح بخط كبير وجميل (درس الرسم) وانفتل فجأة على حركة غير عادية أعطته الفرصة للدخول الى الأمر المهم الذي تصورت أنه يناضل للوصول إليه.
شد ظهر الكرسي بقبضة يده الواحدة، وألقى بقطعة الطبشور بعيدا.. وقال:
أعرف أنكم لم تتوقعوا أن يحدث ويصبح مثلي أستاذا عليكم.. هذا أمر لن أتحدث بتفاصيله الآن على الأقل، المهم أنني هنا معكم وبينكم في صف واحد.. قد نكون متقاربين في السن والقامة، والفرق المهم هنا <<وأشار الى رأسه>> كما أنني أملك السلطة، وأستطيع أن أمارسها ببساطة وكما يتطلب الأمر على شكليها.. وأنتم تقررون ذلك.
نظر طويلاً في وجوه الجميع، وكنت طيلة الوقت أجاهد كي لا تلتقي نظراتنا، أتلهى بالنظر في وجوه رفقائي.. لكن أحدا منهم لم يعلق بكلمة أو بحركة.
عاد ثانية الى اللوح، كتب من جديد.. معرض فلسطين للرسم والأشغال.
بعد شهر كامل من العمل المتواصل افتتحنا في الصالة الرئيسية للمدرسة أول معرض من نوعه اشتمل على مجموعة من الرسوم وبعض المنحوتات البسيطة، والكثير من النماذج الفلسطينية التي طلب غسان من الطلاب جلبها من بيوتهم. ملابس أو أوان أو صور.. إلخ، تنتمي الى الفولكلور والتراث الفلسطيني، وكان يكتب بخطه الجميل تعليقات مميزة على كل قطعة.
مثل المعرض بصورته وإنجازاته المتواضعة مثلاً غير مسبوق لأول معرض حقيقي يحمل الطابع الفلسطيني دون سواه، علامة جلية واضحة تحرض ولا تمسح من الذاكرة صورة مستمرة للوطن.
كان غسان يعمل لساعات طويلة يوميا وحتى ساعة متأخرة من الليل، يرسم ويلون ويكتب ويخطط ويصحح رسوم الطلاب ويخلق مع الجميع ساحة حميمة من الألفة والمحبة جعلته خلال وقت قصير الشخصية المحببة والصديق المفضل، والمميز أيضاً لدى الجميع.
  
تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع..
أقل من ساعة ونصل..
تأخذنا المنعطفات الضيقة المتلاحقة، تنساب الطريق الى بيروت على حافة حادة بين جبل درزته الخضرة حتى القمة، وواد سحيق مفروشة عتباته بألوان زاهية.. خضراء وبنية.. صفراء وحمراء.. تتخللها قطعان تتحرك بكسل.. وبيوت متناثرة بينها، تلفظ سحابات دخان باهتة تحمل روائح فياضة.
  
مع بداية العام الدراسي التالي انتقل غسان للتدريس في إعدادية صفد، في باب الجابية.. وكان عليه أن يتعامل مع مجموعة أخرى من الطلاب أكبر سنا.. ومع مجموعة مميزة مخلصة متفانية من الأساتذة الذين كتبت عليهم أقدارهم أن يكونوا المؤسسين الأوائل لحالة استمرار التاريخ والحقيقة الفلسطينية المتواصلة للفلسطينيين في فكر الجيل الذي تنبأت له أدمغة الأعداء أن يكون الجيل المهيأ للنسيان.
ولا شك أن غسان أدرك منذ البداية هذه الحقيقة وأدرك الضرورة القصوى لإبقاء حالة من الغليان لا بد من أن تخلق في ظرف زمان ومكان، متغيرات على شكل ما.
دخل بثقة هذه المرة قاعة الصف السابع، توجه الى اللوح وكتب بخط واضح ارسم منظرا مرعبا.. اجتاحت الطلاب مشاعر متفاوتة.. أحدهم رسم بحرا متلاطم الأمواج، وآخر رسم دبابة أو طائرة وثالث رسم وجه وحش بأنياب طويلة حادة.. وهكذا توالت الرسوم على الطاولة أمام غسان الذي كان يتابع كل رسم بانتباه، ثم يشطب عليه، ويضيف على ذيله عبارة مقتضبة.. <<مخيف.. وليس مرعباً>>.
وحين انتهى الجميع من تقديم أعمالهم، توجه غسان الى اللوح.. رسم دفترا مفتوحا، لونه بالأحمر، وكتب تحته بخط عريض.. دفتر الإعاشة!..
في اللحظة نفسها دخل مدرّس اللغة العربية الأستاذ محمود فلاحة قاعة الصف ليراقب عن كثب ولكثرة ما سمع ذلك الشاب الضئيل الهادئ، النموذج الديناميكي للفلسطيني الحديث الذي استطاع بزمن قياسي ومن خلال تدريس الفنون <<الرسم والأشغال>> المادة الهامشية البعيدة عن اهتمام الفقراء اللاجئين الدائرين حول محيط حلقة فيها ألف هم وألف مشكلة وألف سؤال.. وكيف استطاع أن ينحي شعور الاستسلام السائد، وأن يخلق صورة مختلفة عن الفلسطيني المهزوم والمقهور تنقله وتضعه في مقدمة استحقاقات أخرى أهمها القدرة على الفداء وتجاوز الحالة ورسم صورة جديدة للفلسطيني الفدائي، لم تكن واضحة المعالم بعد..
وقد أسس الحدث الذي شاهده وأدرك أبعاده الأستاذ فلاحة الى نشوء صداقة متينة بينهما أدت في حينه الى إقامة تعارف بين غسان والدكتور جورج حبش ليسيرا معا انطلاقا من حركة القوميين العرب وما بعدها..
  
تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت...
فجأة يصافحنا البحر.. لأول مرة يسكت المذياع..
التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف الى اليمين:
<<الحازمية>>.
ترتجف أطرافي المتحفزة، أتلهف أتوسل لاستقبال مفاجأة الكذبة..
تتوقف السيارة..
يمسك السائق يدي.. يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة.. يقودني عبر الحطام والدمار. يصل بي الى حافة واد عميق الغور، فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض.
في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسان ونصف صدره.. ورأيت شيئا متفحما يشبه الصبية الجميلة <<لميس>>.. وكأنه تحسس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن.
كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم.
فبكيت..
  
في 31/5/1959 اكتشفنا بحزن واكتشف بسخرية مرضه بالسكري..
وهكذا سقطت أمامه الشوارع.. وراحت تزحف مستقيمة الى نهاياتها المجهولة..
لم يعد يذكر الصحراء.. غزاها وانتهى.. كان عليه أن يبدأ سباقا آخر.. لم يجد في العالم الذي مخر عبابه على مدى ست وثلاثين سنة متسعا لرعشات ريشته..
كان الورق أضيق من غزارة قلمه.. والعمر قصيرا.. والسياط تملأ الأمكنة كلها..
لم يدرك أبدا أن الموت وهو يسخر من حقن الأنسولين اليومية، ومن الحمية المنهكة، ومن الخوف المعشش في اللحظات سيأتيه من ها هنا، ليكمل بفعله المأساوي حلقة أخرى متصلة مع حلقات ما زالت تسطر سفر ملحمة، تكرسه أثرا ومعلما.
.رحم الله غسان
كنفاني الشهيد الشاهد

 

ماذا يتبقى من غسان كنفاني؟

 

أنطون شلحت

نص الكلمة التي ألقيت في أمسية خاصة لذكرى مرور ثلاثين عاماً على استشهاد غسان كنفاني عُقدت في مدينة عكا، مسقط رأسه.
أخذت على عاتقي، مساهمةً في هذه الأمسية، أن ألقي بعض الضوء، وليس الضوء كله بطبيعة الحال، على غسان كنفاني الباحث، الذي تصادف في الثامن من تموز الجاري (يوم الاثنين القريب) الذكرى الثلاثون لاستشهاده، وهذا ما سأحاول أن أفعله.
لماذا أقول أحاول؟
لأنه لدى قراءة كنفاني من الصعوبة بمكان إقامة حد فاصل بين نتاجه الأدبي، الذي توزع على <<جانرات>> مختلفة، وبين بحوثه التاريخية والأدبية، وأهمها بحثه التاريخي عن ثورة 1936 وبحوثه الأدبية: <<أدب المقاومة في فلسطين>> و<<الأدب الفلسطيني المقاوم>> و<<في الأدب الصهيوني>>.
وفي هذه البحوث، كما في نتاجه الأدبي عموما، يظهر كنفاني حاملا على كتفيه مشروعا ثقافيا سياسيا يتغيّا جبهتين: الأولى قومية عربية والثانية وطنية فلسطينية.
وإن مقارنة جوهر هذا المشروع بما يجري الآن على الجبهتين ذاتهما تكشف لنا عمق غاياته وضرورته في آن.
يمكن القول إن كنفاني كان مثقفا غرامشي النزعة، ذلك المثقف الذي يتوئم المعركتين السياسية والثقافية، وتبرز هذه النزعة، أكثر شيء في بحوثه السالفة.
لكي نجعل هذا الكلام ملموسا لا بد من ربطه بالسياق العام. من المعروف أن ظهور كنفاني كأديب كان مع روايته <<رجال في الشمس>> (1963)، في مناخ ثقافي وفكري عام شكلت فيه القضية الفلسطينية خلفية بعيدة لهموم النخب الثقافية العربية. وقد نجم عن ذلك استغراق هذه النخب في مفاهيم مطلقة تجرد الصراع العربي الإسرائيلي من محتواه التاريخي والقومي وتختزله في تعبيرات رثائية من طراز <<مأساة فلسطين>> و<<نكبة فلسطين>>، والأدب، الذي كتب برسم ذلك، تمظهر في حقل من دلالة التجريد.
في مناخ كهذا يسجل لكنفاني أنه قاد سيرورة تنزيل الفلسطيني من فضاء التجريد الى أرض التحديد، لا بالمفهوم المباشر التنميطي، بل بمفهوم نقل الفلسطيني من صورة البطل المبهم الغائم الملامح، المؤسطر، الى صورة الشخصية الروائية التي تتحرك ضمن حيز من التاريخ الشخصي، السياسي والاجتماعي والنفساني، فضلا عن التاريخ الجماعي. وهذا الأخير تبدى، على يدي كنفاني، في صيغة ذاكرة حافلة مركبة أكثر من صيغة السجل التنميطي.
مجرد هذا الأمر هو إثبات على أن كنفاني سعى الى ثقافة أخرى تغاير الثقافة المسيطرة، بل وتنقضها، ثقافة لا تنفصل، في الوقت ذاته، عن الممارسة الكفاحية بوصفها إطارا لا استغناء عنه للوعي بالواقع، لناحية إدراكه في محدداته أكثر من أوهامه، ولدى قراءة كنفاني اليوم نكتشف، أولا ودائما، أنه في عمق وعيه كان يدرك أن الثقافة أصل، من عدة أصول، للسياسة وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي.
لعل المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد، لجهة التأني عن الإنسان المجرد والفلسطيني المجرد والاقتراب من الإنسان الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه.
وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي، المتجاوز لما هو سائد، الذي يقطع مع القيم البالية، وإن دراسته حول <<أدب المقاومة في فلسطين المحتلة>> وكذلك دراسته <<في الأدب الصهيوني>> هما دراستان رائدتان بل الدراستان الرائدتان في هذين الحقلين.
في الدراسة الأولى تحددت ريادة كنفاني في تعريف الشارع العربي الثقافي على أدبنا الفلسطيني هنا، وصدق أحد الدارسين حين ذكر أنه قبل هذه الدراسة لم يكن القارئ العربي، من المحيط الى الخليج، يعرف إلا القليل أو لا يعرف أي شيء أحياناً عن أسماء مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. وبدورهم لم يكن هؤلاء الأدباء يدركون على نحو واضح ما يمكن أن يؤديه أدبهم من ديناميكية كبيرة في الاتصال والتواصل مع العمق العربي.
أما في الدراسة الثانية <<في الأدب الصهيوني>> فقد برزت ريادته في دخول مناطق ملتبسة هي تلك التي لا تقنع فقط بما يفرضه الشعار المعروف: <<اعرف عدوك>>.
وبذل فيها ربما للمرة الأولى محاولة مخصوصة تتمفصل على محور اشتقاق معرفة الذات من معرفة الآخر.
بيد أن منجز كنفاني في هذه الدراسة يظهر تبسيطية محاولته المذكورة، حسبما سأبيّن في الفقرات التالية:
في مقدمة كتاب <<في الأدب الصهيوني>> يكتب كنفاني ما يلي: <<قاتلت الحركة الصهيونية سلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي.
كان <<الأدب الصهيوني>> جزءا لا يتجزأ ولا غنى عنه، استخدمته الصهيونية السياسية على أوسع نطاق، ليس فقط لخدمة حملاتها الدعاوية ولكن أيضا لخدمة حملاتها السياسية والعسكرية.
ولن يكون من المبالغة أن نسجل هنا أن الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية، وما لبثت أن استولدتها وقامت الصهيونية السياسية بعد ذلك بتجنيد الأدب في مخططاتها ليلعب الدور المرسوم له في تلك الآلة الضخمة التي نظمت لتخدم هدفا واحدا.
وإذا كانت الصهيونية السياسية نتاجاً للتعصب وللعرقية، فقد كانت الصهيونية الأدبية هي أول إرهاصات ذلك التعصب وتلك العرقية، وسوف نلاحظ أن التيار العصبي العرقي، وتسيس الدين اليهودي عبّر عن نفسه أولا بالأدب، وان هذا الأدب قام، تحت ضغط نمو العنصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بلعب دور دليل العمل لذلك التيار اليهودي المتعصب الذي ما لبث ان بلور نفسه في حركة صهيونية سياسية>>.
ويتابع: <<سنستخدم تعبير <<الأدب الصهيوني>>، في هذه الدراسة للأدب الذي كتب ليخدم حركة استعمار اليهود لفلسطين سواء أكتبه يهود أم كتاب يعطفون، لسبب أو لآخر، على الصهيونية ويخدمونها مباشرة أو غير مباشرة.
وهذا يعني بالطبيعة أن <<الأدب الصهيوني>>، كما سنستخدم هذا التعبير، يشمل الأدب الذي كتب بلغات غير عبرية ومن قبل كتاب غير يهود ما دام ينضوي تحت راية الصهيونية السياسية ويخدم مخططاتها.
ويعني أيضا أننا لن نتقيد بتاريخ ولادة الحركة الصهيونية السياسية علناً في أواخر القرن الماضي كنقطة بدء للدراسة، ولكن سنمضي الى الوراء في تقصي جذور الصهيونية في الأدب الى أبعد ما نستطيع.
وستعتبر هذه الدراسة ولادة الصهيونية السياسية، نقطة تبلور في تاريخ الصهيونية الحقيقي، وانها كانت نتيجة إرهاصات أدبية صهيونية مبكرة ما لبثت ان اندفعت، بعد ولادة الصهيونية السياسية، لتصير جزءا أساسيا منها، وتعمل بانضباط تحت شعاراتها وبتوجيه منها ولخدمة أهداف محددة لها سلفا.
وسنلاحظ أن هذا الانضباط على إيقاع التعاليم السياسية للحركة الصهيونية السياسية يتبلور ويكشف عن نفسه يوما بعد يوم في رواية وراء رواية وقصة وراء قصة، يتضح فيها جميعا ذلك الموقف الموحد من الأمور الذي يجعل الأدب الصهيوني أقرب الى سيمفونية دعاوية وإعلامية أكثر منه الى عمل فني خلاق>>.
طبعا ثمة مبالغة في هذه الأحكام. والحق أن عددا من نقاد كنفاني أشاروا الى ذلك. ومنهم فيصل دراج الذي أكد أن <<ما جاء به غسان في هذا الصدد ليس فيه الكثير من الدقة>>. فما يقول به يرد الى محاكاة المهزوم للمنتصر أو الى ما يسميه <<بداهة المطاولة>>، أكثر مما يحيل على بحث علمي شديد الأناة.
ونقرأ أيضا: أعطى غسان الأدب دورا مبالغا فيه، وأعطى الحركة الصهيونية كلها استقلالا ذاتيا هي غريبة عنه بقدر ما هو غريب عنها. فلا يمكن لبصيرة تاريخية أن ترى في <<الأدب اليهودي>> تاريخا للحركة الصهيونية، مثلما أنه لا يمكن لوعي تاريخي أن يقرأ نشوء الحركة الصهيونية في كتابة الأناشيد والقصص واللغة العبرية الجميلة.
ولماذا نذهب بعيدا، ففي مقدمة كنفاني لدراسته نعثر على إشارة الى ما يمكن أن تستجره من نقد. فهو يقول فيها: <<ان هذه الدراسة تحاول قدر ما تستطيع أن تتجنب السقوط في خطر احتمالين لا بد من وجودهما في ظروفها:
الأول: هو ان لا تحاول التعميم فتأخذ من مصدر واحد أو من موقف جزئي دليلا على ظاهرة متوافرة، أو أن تجعل مما هو عابر شيئا أساسيا، ولذلك فإنها تحاول أن تتلمس الخيوط المشتركة في أكبر عدد ممكن من المصادر المتوافرة.
والثاني: هو أن لا تسوقها حقيقة أنها طرف في الصراع الى نسيان الحد المطلوب من موضوعيتها. ومن الطبيعي أن لا يكون التنبه والتمسك بهذا الحذر دليلا على النجاح في تجنبه تماما، ولكن الإشارة الى أنه كان مراقبا أساسيا في الدراسة يبرر ويفسر>>.
ومع التنويه بما يقوله لا بد من الإشارة الى ما يلي:
لقد اغتيل كنفاني في أواسط ثلاثينياته، واغتياله، في جوهر الأمر، كان اغتيالا لمشروع، ما يجعلنا نقول ان مشروع كنفاني ظل ناقصا، غير مكتمل.
لذا فما من جواب عن السؤال العالق: ما هو الأفق الذي كان سيصل إليه، لو تيسرت له إمكانية إكمال هذا المشروع؟ وربما ان هذا الأمر يثقل علينا نحن من أتينا بعده في الوصول الى مشروع جواب عن هذا السؤال.
مرت ثلاثون سنة على اغتيال غسان كنفاني، وكما في كل ذكرى سنوية نعود الى السؤال: ماذا يتبقى من كاتب <<ما تبقى لكم>>؟ في مقدمته لمجلد الأعمال الأدبية الكاملة لغسان كنفاني أشار محمود درويش الى معضلة حرف العطف الواو الذي يفصل بين مفردتي <<الكاتب>> و<<المناضل>> في التعريف بكنفاني. وتساءل: لماذا لا يتماهى الكاتب في المناضل فيقال الكاتب المناضل بدل الكاتب والمناضل؟ وهي تستعصي العلاقة بين رجل يكتب في سياق نضاله أو لأنه يناضل، ورجل يناضل في سياق كتابته أو لأنه يكتب؟ ولماذا لا يتم ذلك في حالة ساطعة صريحة مثل غسان كنفاني بالذات؟
.لئن كانت هذه المقولة
تعبّر عما كانه غسان كنفاني في حياته ونتاجه فإنها، بالقدر نفسه، تعبّر كذلك عما يتبقى منه

 

الرمز في أدب غسان كنفاني

 

توفيق علي إسماعيل

إن طريقة التعبير، توازي، في الأهمية ما يُراد التعبير عنه. وفي العمل الأدبي الناضج يفرض المضمون الشكل الذي يتطلبه.. فلا يعود هناك، مثلاً، مضمون متقدم مع أسلوب تقليدي، أي لا يعود هناك فصل بين المضمون والشكل.. والتجربة الجديدة تحمل بالضرورة شكلاً جديداً خاصاً بالكاتب نفسه.
قد لا يكون ما قدمه غسان كنفاني على الصعيد الفني شيئا جديدا للغاية وإنما بالتأكيد فرض المضمون على كنفاني الشكل الذي يناسبه.. وهكذا تنوعت أشكال الكتابة عنده، فكان أحيانا يتبع الأسلوب الواقعي المبسط كما في <<أم سعد>> وفي <<عائد الى حيفا>> وغيرهما.. كما كان أحيانا يتبع الأسلوب الرمزي.
إن كنفاني وإن اعتمد على الواقعية الى حد كبير، إلا أن ذلك لا ينفي وجود الرمز في الرواية.
فمعظم رواياته لا تخلو من الرموز التي ترمي الى دلالات معينة، فإذا تتبعنا رواياته، نجد أنها تحفل بالرموز:
فزراعة فرع الدالية الذي يرمز الى أن الأمل يبقى رغم الهزيمة، ففعل (زرع) يشكل وحده الرواية، إذ إننا نرى <<أم سعد>>، منذ البداية، تزرع فرع الدالية، وكلها أمل أنه سيبرعم يوما ما بعكس المثقف الذي يظن أنه جاف ولن يبرعم أبدا. لكن نظرة <<أم سعد>> تكون هي الصائبة وتبرعم الدالية.
هناك أيضا <<أم سعد>> وهي رمز المرأة (الأم الفلسطينية).. إنها تعطي ولديها للثورة.. يقول عنها <<أبو سعد>>: <<هذه المرأة تلد أولادا فيصيرون فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ>>.
فأم سعد هي أم الجميع.. إنها الفلسطينية في داخل فلسطين، وهي أم الفدائي الذي شب على أرض المنفى، هي أيضا الأم الروحية للمثقف الثوري الذي يريد أن يكون ابناً باراً لفلسطين الثورة وفي فلسطين الكادحين.
الرفاق محاصرون، جوعى، منذ أيام عدة.. تمر امرأة فلسطينية عجوز على الدرب. يقول لهم <<سعد>>: <<ها قد جاءت أمي>>، أحد الرفاق يقول له إنه جن لأنه أمه في المخيم. لكن سعداً أصر: <<أنتم لا تعرفون أمي.. إنها تلحق بي دائما، وهذه أمي>>.
ورغم اعتراض رفاقه، وخوفهم من أن تشي بهم العجوز لليهود، إلا أن سعداً يناديها قائلاً:
<<يا يما ردي علي..
يا يما ردي علي..
أنا هون يما..>>
ويتابع.. <<أنا سعد يا يما جوعان>>.
يقترب سعد من المرأة لتحتضنه.. ثم في الأيام التالية تأتيهم بالطعام، وتدعو لهم بالتوفيق وتخبرهم عن اليهود.
عندما عاد سعد الى المخيم قال لأمه إنه رآها هناك..
نخلص مما سبق، إلى أن أم سعد هي رمز المرأة الفلسطينية (الأم).
ومنذ أن كتب د. إحسان عباس مقدمة الأعمال الروائية الكاملة (6) لغسان، والدراسات النقدية تثرى بمتابعة رأي الناقد كمسلمة، وهي أن <<أبو الخيزران>> رمز القيادة الفلسطينية، فقد كان يكفي أن يشير ناقد كبير كالدكتور عباس الى هذه الدلالة حتى تتحول الى يقين رمزي.
يشير د. عباس في مقدمة الأعمال الكاملة الى أننا لو اتخذنا <<أبو الخيزران>> مدخلا لفهم هذه القصة (رجال في الشمس) لما تعذر علينا أن نرى فيه رمزا للقيادة الفلسطينية. وهي تؤدي دورا <<قاتلا>> مغرورا خادعا مخدوعا قائما على المداورة والمراوغة والكذب، فإنها في ذلك شأن <<المهربين>> ممثلي القيادات العربية الأخرى، لافتا الانتباه الى أن فقدان <<أبو الخيزران>> لقدرته الجنسية رمز لعجز القيادة وعنتها في 1948، وظلت مع ذلك، تدعي أنها تستطيع توجيه الفلسطينيين وإنقاذهم، ويمضي الناقد مؤوّلاً كل أحداث الرواية على ضوء هذه القراءة الرمزية لها، مانحاً تحليله أقصى حدود التماسك المنطقي الداخلي للتأويل.
ولكن د. عبد الرزاق عيد له رأي آخر في شخصية <<أبو الخيزران>>: نقول ليس من المعقول من وجهة عامية مسردية، ودلالية رمزية، أن تكون شخصية عادية، مهملة، سائق شاحنة، رمزا للقيادة الفلسطينية، بل إن <<أبو الخيزران>> ذاته هو الذي يصرخ في نهاية الرواية <<لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟.. لماذا لم تقولوا، لماذا..>>.
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: <<لماذا لم تدقوا جدران الخزان، لماذا لم تقرعوا جدران الخزان، لماذا، لماذا، لماذا؟>>.
إذاً كان غسان يتابع د. عيد يريد تعرية القيادة الفلسطينية، وفق قراءة الدكتور عباس، فإن علاقات النص الحضورية، وفق تموضعها في المتن والبناء لا تتيح للمتلقي أن تهتاج في داخله حالة من الذهول لهول الخاتمة التي تتوّج مسار الأحداث. لم يتكوّن شعور السخط نحو <<أبو الخيزران>> رمز القيادة المدانة، سوى في لحظتين، لحظة رميه الجثث عند كومة القمامة، ولحظة عودته الى استخراج النقود من جيوب الجثث، وانتزاعه ساعة مروان، مع ذلك فإن الحيادية الشديدة التي يمارسها منظور السرد عبر (الراوي) تقدم تبريرا لفعلة <<أبو الخيزران>>.
فدافعه، وفق تعليل السرد ذاته، أنه كان يهدف من رمي الجثث بجانب كومة القمامة أن تكتشف عند الصباح، وتدفن بإشراف الحكومة، فقد كان <<لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء، ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات.. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل>>.
وكنفاني هنا إذ يحاول تقديم رواية واقعية بأبعاد رمزية، فإنه يحاول استعمالا جدليا للرمز في ذلك التفاعل الجدلي الذي يقيمه بينه وبين الواقع، محددا عبر ذلك رؤيته التاريخية الاجتماعية، أو بالأحرى موقفه التاريخي الاجتماعي. محاولة لا يمكن الحكم عليها إلا بتتبع آلية إنتاجها تفصيليا.
وفي هذه البنية بالذات، البنية الرمزية لرواية واقعية، يعلن غسان كنفاني موقفه على أنه إدانة كاملة للابتعاد عن الأرض (فلسطين).
وإذا عرجنا على القسم الأول من مجموعة غسان كنفاني القصصية التي أعطاها عنوان <<عن الرجال والبنادق>> مثل رواية قصيرة فالشخصية هي نفسها في القصص الخمس، والحدث يتنامى ويتطور من لحظة لأخرى، حتى يصل الى غايته الأخيرة أو الى خاتمة الرواية.. إلخ. ودون أن ندخل في تفصيلات الفرق بين القصة القصيرة والرواية، نرى أن كنفاني قد اختار أن يضع لكل واحدة منها عنوانا طويلا يشير الى موضوعه الأثير المحبب في أدبه كله: فتحمل القصة الأولى العنوان التالي: <<الصغير يستعير مرتينة خاله ويشرق الى صفد>>. وما يحدث فيها حين يذهب منصور الى خاله ليطلب منه إعارته البندقية كي يشارك في المعارك التي تدور حول قلعة صفد، فالسلاح هنا هو الذي يشكل الرمز بالنسبة للصغير منصور، والإشارة الضرورية الى معنى المقاومة والثورة. ويحقق منصور مأثرته حين يصوّب فوهة بندقيته ويصيب الرامي من طلقة واحدة، فيسمع صرخة التحية: <<آه يا سبع يا أبو العصا>>.
ولا تنتهي رحلة كنفاني عند هذا الحد، بل يعود الى الرمزية في رواية <<الأعمى والأطرش>> حيث يتمثل الرمز في تسمية الأعمى بالولي أولا، وفي حمل الأعمى للميزان وتشبيهه <<بفورتونا>> <<ربة العدالة>>.
أيضا يتمثل الرمز في القدرة على اجتراح المعجزة التي تدل على قيامة شعب بأكمله هو الشعب الفلسطيني، وكل معذبي الأرض.
هناك أيضا الشخصيات التي تمثل شرائح فلسطينية، مثلا <<مصطفى>> هو الجانب الانتهازي في الثورة.. إلخ.
كثيرة هي الأشخاص في روايات كنفاني التي تحمل رموزا معينة، فهذا <<دوف>> مثلا.. إنه رمز لجريمة جيل فلسطين منذ أن ترك الأرض وتباكى على فقدها. وهناك <<خالد>> رمز الجيل الجديد الذي يحمل السلاح، وهناك أيضا الأب الذي يرمز الى الكثيرين ممن هربوا وتركوا وطنهم.
وإذا ما تطرقنا في الحديث عن مسرحية <<الباب>> (1964)، نجد أن الباب هو رمز لمملكة الرب، هو رمز للرب ذاته. ووجود الشخصية الطاغية (الأم)، الجدة، في المسرحية، وشجرة الزيتون، يعبران عن تناقض، فكلتاهما رمز فلسطيني قوي وواضح، وليس في أدب غسان وحده، بل في مجمل الأدب والحياة الفلسطينية. وإذا كان الرمزان هنا يتخذان شكلا مختلفا وخاصا في العلاقة بينهما، فربما كانت هذه مساهمة غسان في هذه المسرحية بشأن القضية الفلسطينية. ربما كان المفتاح هو التمرد على هيمنة الضمير والتقاليد، وحتى الأم، لصالح حرية الإنسان وإرادته وفكرته شجرة زيتون.
وفي مرحلة لاحقة، بدا واضحا أن كنفاني قد تجاوز الرؤية الرومانسية للمرأة وانطلق في عالم الكتابة عن الرجل والمرأة في إطار الكفاح الوطني، حيث تغدو المرأة، أحياناً، مصدر إيحاء بالبقاء في الوطن والتمسك بالأرض، وأحيانا تصبح رمزا للطريق الى الوطن وأحيانا تكون ذاكرة الشعب الحية التي لا تموت ولا تنسى ولا تغفر لأعداء الوطن.
إن غسان الذي صوّر دموع المرأة مصدر إيحاء ليبقى منشدا الى جذوره وترابه وأرضه. كانت أيضا مبعث قوة للذي أنهكه التعذيب، ليعود فينتقم.
لقد دفعت المرأة حياتها لأنها بالذات امرأة ترمز للعطاء والولادة والتجدد.
يتصاعد هذا الرمز للمرأة في ارتباطها بالوطن، لدى غسان، في قصة <<العروس>> ضمن مجموعته الثالثة <<عالم ليس لنا>>.
وكذلك ارتقى غسان بالمرأة رمزا عندما ضمنها معنى السلاح ورمز الحرية، حتى تصبح العروس البندقية، أو البندقية العروس رمزا متلاحما لا انفصام فيه يجسد معنى البشارة والولادة الجديدة.
وقد سجل كنفاني للمرأة اعترافا في أكثر من موقع بتحملها الأعباء الرئيسية الناجمة عن فقدان الأرض وتشتت الشعب وتشرذم الأسر والانعكاسات الاجتماعية الاقتصادية على الفلسطينيين في أعقاب النكبة واستلاب الأرض. من هنا لم يكن غريبا أن يصدر مجموعته القصصية الأولى بإهداء يقول:
<<إلى أختي فائزة إن كان في القصص ما يستحق أن يهدى>>، الى العزيزة فائزة ليس فقط لأنها شقيقته، وليس فقط لأنها الكبرى التي تحمّلت الأعباء الأسرية الجديدة التي أعقبت التشرد الفلسطيني، بل لأنها أيضا كانت رمزا للأم والأخت الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة.
لقد ارتبط غسان بالمرأة في حياته، وفنه. ومن العجب أن رحيله أيضا قد ارتبط بلميس التي أهداها ذات يوم مجموعة <<عالم ليس لنا>>، فكان غسان يصر على أن يكون رفيقا للمرأة ليس فقط في رحلة حياته، بل حتى في أسطورة استشهاده.
إن للرموز دورا هاما، ليس فقط في المساهمة بالإبداع والتجديد، بل في التمييز بين ما هو أدب وغير أدب، كما يقول جبرا <<الأدب في حاجة إليها، إذا أراد صاحب الأدب ألا يكون مجرد صحفي التقارير الآنية، أو مؤرخ يؤرخ هذه الأحداث، أو فيلسوف يرى النظريات التي تتحكم بها، أو عالم اجتماعي يتابع تغيرات الحياة...>>.
والروائي لا يعيش في ملكوت خاص به، ولا يستمد من خياله فقط مادته الروائية، ومهما أغرق في الخيال لا بد أن يستمد رموزه من مجتمعه، ولا بد أن يعكس صورة لواقعه، كما يفعل المؤرخ.
وبكلمة أخيرة يمكن القول: ان تأرجحا مستمرا بين الواقعية والرمزية يظهر في كتابات غسان كنفاني.. فهو يمر في مراحل من الواقعية الى الرواية المبسطة فالرواية المعقدة فالواقعية من جديد ثم الرمزية.
لقد وصل
كنفاني الى الجماهير.. وصل قبل أن تصل إليه الأيدي الأثيمة لتضع تلك القنبلة.. وصل لأنه كان أديبا له أصالته، وله صوته الخاص الذي، وإن كان لم يقدم كثيرا من الأشياء الجديدة، إلا أنه كانت له خصوصيته، كما .أوضح الكثير من الأمور

 

الوجه وحده بقى سليماً.. يبتسم

 

عدنان كنفاني

تحرّك حفيدتي رأسها يمنة ويسرة، تحملق بحيرة في الصورة المعلقة على الجدار، ثم تجثو على ركبتيها وكفيها كأنها حمل ولد للتو، تنظر الى وجهي مرات عديدة، فأتجاهلها، تمسك يدي بكفها الصغيرة، تهزني برفق، تسألني ولا تزال عيناها معلقتين على الصورة..
كيف يبتسم وهو ميّت؟
شدني السؤال فنظرت بدوري الى الصورة..
كان يبتسم حقا!
يا ملاكي.. سألتني أمك عندما كانت بمثل سنّك، ذات السؤال، جلست مثلما تجلسين الآن، ونظرت بدهشة كما تنظرين..
يومها تحيرت.. ماذا اقول؟ وكيف استطيع ان أحشو في رأسها الصغير إجابة معقولة؟
أردت ان أقول كلاما كثيرا وطويلا، اتحدث فيه عن الموت.. هذا المجهول يا صغيرتي الذي لا يدركه ولا يفهمه احد، رغم انه الحقيقة الواضحة في مفهوم الحياة كلها!
تحدثنا ليلتها عن الموت.. كانت المرة الأولى والأخيرة التي تمكن فيها غسان من الحضور الى دمشق منذ سفره الأخير الى لبنان ليشارك في تشييع امي التي توفيت في 28 أيار 1967 قبل أيام من حرب حزيران.. تحدثنا ليلتها عن الموت..
كان جلدا وحزينا ومقهورا. لكنه تحدث عن الموت ايضا..
قال انه القريب القريب الذي نحسبه ونحن نعيش، أبعد من التصور.. فنبتسم في كل الأوقات، نضحك أحيانا، وهو يتربص بنا على مقربة مذهلة.
لا أحد يدرك متى يأتي الموت، ولا كيف.
قال إنه القاهر الأكبر لغرور الإنسان.. نبتسم في لحظة نحسبها تستمر الى الأبد، في ذات اللحظة التي يسخر فيها منا.
يا صغيرتي.. تساءلت أمك مثلما تتساءلين، ولم أجد لسؤالها جوابا.. قلت لها <<بعد ان أعياني البحث>>:
عندما تكبرين، عندما تعيشين مختلف فصول الحياة.. ستدركين!
إنها ذات الابتسامة التي تعوّد ان يرسمها في مناسبات هامة ومفصلية.
رأيتها واضحة على أطراف شفتيه وعينيه المسدلتين على صورة حلم ساخر، يوم استشهد وتناثرت أعضاؤه بين أنقاض كثيرة في مساحة جبل وواد..
ذراع واحدة ونصف صدر وبلا أرجل.. وأصابع تتعلق على أغصان الاشجار الكثيفة.. الوجه وحده بقي سليما، يبتسم مثل هذه الابتسامة...
كما عاد يحمل على وجهه ذات الابتسامة ايضا، بعد يوم اختباره الاول للانتساب الى مدرسة الكلية العلمية الوطنية في حي سوق ساروجة. قال بثقة انه يعرف من الفرنسية والانكليزية والعربية السليمة افضل مما يعرفه الاستاذ الذي اختبره، ولذلك لم يترددوا لحظة في قبوله تلميذا، سيرفع رصيد المدرسة من المتفوقين، وسجلوه <<قياسا لسنه فقط>>، في الصف السابع..
ورغم ان والدي أنّبه في ذلك اليوم على رسم <<الابتسامة الساخرة القليلة الأدب>> كما أسماها.. إلا أنه بدا سعيدا ومطمئنا لنجاح غسان في اختبار سبر المعلومات، وقبوله لمتابعة الدراسة التي انقطع عنه اكثر من عشرة أشهر.
قبل أسابيع قليلة من يوم استشهاده، ذهبت معه الى أحد المصورين في شارع كورنيش المزرعة في بيروت، كان بحاجة الى صور شخصية حديثة لتجديد جواز سفره.. وعندما بدأ المصور حركاته المعهودة لضبط مقاييس الجلسة ووضع الوجه والإضاءة، وما الى ذلك حسب خبرته، ابتسم غسان ذات الابتسامة الساخرة.
لم يكن يعرف ان صورته وابتسامته الساخرة في ذلك اليوم، ستعلق على الجدران، صورة لشهيد.. يا إلهي.. اعترف الآن بأنني أنحت في صخر!..
كأنني أحاول انتشال بوتقة من الزجاج الرقيق، محشورة بين حجارة صغيرة وصلبة وعلى عمق كبير، أمسكها من طرفها الأملس، تكاد تفلت من يدي، تعرق أصابعي، تلفحني سخونة أنفاسي، ثم شيئا فشيئا أبدأ بتحريكها صعودا، تصطدم بحجر فأتوقف أبعد الحجر والحجر الثاني والثالث..
هي كذلك بهذه الصعوبة وأكثر! كيف استطيع إمساكها؟.. كيف اخرجها من العمق ولا تكسر او تشعر او تخدش؟..
تبقى هي ذاتها تحمل البصمات والأنفاس والتاريخ والنبضات التي لا تلمس أبدا، لكنها تمتلئ بالإحساس والضمير، هي أمانة ترصد الحركة وتنقل اللحظة وتلامس قدر ما تستطيع البذور بعد العلامة الجلية الواضحة على الشكل وما وراءه.
أجد نفسي في مكان موحش.. أجلس وحدي، أمسك بقدسية دفاتر صفراء، مجلدة بعناية أنيقة تحمل على غلاف الدفتر الأول رقما يبدو أبعد من التاريخ 1924 وينتهي على جلده الدفتر العاشر برقم أخير 1984 مكتوبة بخط اليد، حرفا بعد حرف، وسطرا وراء سطر، وصفحات تتجاوز خمسة آلاف.. تتحدث عن التاريخ.. يوما بيوم، ساعة بساعة...
هي ذكريات، تختلط فيها الهموم بالآمال، الحزن بالسعادة، احلام الأنا والبحث المتواصل عن الذات، وخرائط الوطن الممزقة والمنهوبة، الشهداء بتفاصيل الأسماء والمواقع التي استقبلت اجسادهم، المعارك والمعتقلات، الأحداث السياسية الوطنية والقومية والعالمية والولادات والوفيات، الثورات والانقلابات، اخبار الزوجة وأدق تفاصيل الحياة اليومية الحميمة، وأخبار الإخوة والأقارب والأولاد.. المدارس والملابس، الأمراض واللقاحات المحصنة، الرحلات والأسفار، الخواطر، والأسرار العائلية...
هي ذكريات ومذكرات واصل كتابتها بصبر مذهل، وصدق فطري طيلة ستين سنة والدي رحمه الله، المولود في عام 1900 والمتوفى في 1984.
قلبت الصفحات بوجل ورفق، قرأت برهبة، وبعشق:
أوائل شهر تموز 1936 أبعدت من يافا (مكان عمله وإقامته) الى عكا (موطنه الأول ومسقط رأسه) تحسبا من نشاطي السياسي ضد الحكومة البريطانية (خلال الفترة التي عرفت بإضراب الستة أشهر الشهيرة عام 1936).. وكنت كما ذكرت على صفحات سابقة قد أرسلت زوجتي والأولاد الى عكا.. وهكذا كانت فرصة بالنسبة لي لزيارة أهلي والعائلة. علمت أن الحكومة أعلنت نظام منع التجول ليلا في المدينة، فذهبت مع بعض الأصدقاء الى جامع الجزار لصلاة العصر واتفقنا على البقاء مع خلق كثير في المسجد حتى موعد صلاة العشاء، وقد حدث ما توقعناه!.. إذ رفضت السلطات السماح لنا بالعودة الى بيوتنا حرصا على تطبيق النظام، وعلينا قضاء الليل في الجامع..
بدأنا بالتسبيح والتهليل والتكبير حسب عادات أهل عكا ، ثم أخرجنا العدة (الطبول والدفوف والصاجات) التي تستخدم في حلقات الذكر والمولوية، وصعد بعضنا الى مئذنة الجامع.. عندما سمع سكان المدينة التهليل وأصوات الطبول والصاجات خرجوا من بيوتهم بعفوية لاستجلاء الأمر، وهذا ما حدث ايضا عندما سمع المعتقلون في السجن القريب، راحوا يشاركون في التهليل والتكبير، وحمل صدى الليل أصواتنا الى أسماع الناس في بعض القرى المجاورة.. وساد الهرج والمرج، وسارت جموع الناس بتظاهرات حاشدة الى وسط المدينة.. ولم تعد من قدرة للسلطات البريطانية على ضبط الأحداث التي جرت بسرعة، واستطعنا باختصار اختراق نظام منع التجول.
واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.. وبينما كنت في بيت عمي مع أسرتي في اليوم نفسه، حضر عدد من رجال البوليس اقتادوني بعنف الى مكتب مساعد مدير البوليس السيد حسن الكاتب الذي حقق معي، وأمر بإرسالي تحت الحراسة الى حيفا، ومنها أرسلت الى يافا دون حرس على أن أثبت وجودي هناك بنقطة بوليس المنشية ثلاث مرات يوميا.
في 15/7/1936 قابلت الميجر هارنغتون بمحاولة لتخفيف قيود إثبات التواجد، وبعد حديث مطول بيننا، تركز حول أسباب كرهنا للإنكليز، وعدني أخيرا، على ان أراجعه شخصيا في اليوم التالي.. وبالفعل دخلت غرفته صباحا، وحييته قائلا:
صباح الخير ميجر هارنغتون..
بالإنكليزية طبعا. أجابني بلؤم واضح:
قل سيدي..
شعرت أنه يقصد إهانتي عن عمد، رفضت وخرجت من مكتبه..
بعد ثلاثة ايام صدر أمر اعتقالي، وقبل أن أرسل مخفورا الى معتقل الصرفند.. أدخلني الميجر هارنغتون الى مكتبه وقال ان المستر كوبلاند رئيس المحكمة المركزية حدثه بأمري، وأنه على استعداد لتخفيف أمر اعتقالي إذا قلت له.. سيدي..
لم أفعل.. ومضيت مع الجنود الى المعتقل..
عند دخولي المعتقل، وتسجيل اسمي في قيوده الرسمية، انتشر خبر وجودي بالمعتقل بين جميع المعتقلين الذين كنت أرافع عن اكثرهم امام المحاكم الانكليزية.. فحملوني على الأكتاف، وداروا عدة دورات في الساحة يهتفون ويرددون شعارات النصر لفلسطين قبل ان أدخل معهم القاووش الجماعي الكبير المبني من الخشب، وألواح التنك.
رأيت بين المعتقلين، الحاج سعيد المدهون والدكتور خليل أبو العافية وخليل أبو الهدى وعبد الرحمن بامية ورباح أبو خضرة وجودت حبيب وجودت بيبي وجودت الهباب وميشيل متري.. وغيرهم.
كان يسمح لنا بالخروج لقضاء حاجاتنا الضرورية، ساعة واحدة في اليوم.
وقد ضم المعتقل 16 (قاووشا) بين الواحد والآخر طريق يفصل بينهما، وشريط شائك إضافة للشريط الرئيسي المحيط بالمعتقل.. وأمامنا على مسافة بعيدة، قسم آخر من المعتقل، علما انه يحتجز فيه رؤساء الأحزاب وغيرهم ايضا.. عوني عبد الهادي وحسن صدقي الدجاني والاستاذ المظفر.. استطعنا ان نبتكر طريقة للاتصال مع بعضنا بواسطة التحدث عبر <<جرة>> من الفخار نكسر قعرها ونستعملها كالبوق وكانت تفي بالغرض، ونتبادل من خلالها صباحا ومساء الأخبار. وكان بيننا ايضا بعض الأحداث الصغار.
في 13/8/1936 علمنا ان المندوب السامي البريطاني سيقوم بزيارة للمعتقل، فاتفقنا في ما بيننا على أمر وقع الاختيار عليّ لتنفيذه..
جمعنا في الساحة الرئيسية لاستقبال (فخامته)، وفور دخوله ورؤيته لنا حاول رفع يده للتحية، وفي اللحظة نفسها رفعني بعض الرفاق على أكتافهم.
هتفت بصوت مرتفع وجهوري:
يسقط المندوب السامي..
وردد الجميع ورائي يسقط ثلاث مرات.. بدت مظاهر الغضب على وجهه الأحمر، ولم يكمل رفع يده، وعاد أدراجه على الفور، وقد أوجب تصرفنا هذا حرماننا لوقت طويل من ساعة الفسحة اليومية.. بعد خروج من المعتقل مع استمرار ضرورة إثبات تواجدي أمام الميجر هارنغتون كنت أكثر حرصا وقصدا على ان لا أقول له سيدي..
وعلى إثر ذلك أخبر حرس مكتبه الخاص برفض مقابلتي تحت اي ظرف، وأحالني إلى ضابط آخر لإثبات تواجدي عنده..
يتابع والدي فيقول:
في صباح يوم من أيام شهر ايلول 1938 وبينما كنا في اجتماع عادي أنا والمحامي إبراهيم نجم والمحامي أمين عقل في مكتب الأخير، نتدارس أمر ترتيبات الثورة في يافا، بعد ان تم تكليفنا من قبل اللجنة القومية، وما ان غادرنا المكتب، توجهت الى مكتبي وطلبت من الكاتب الموظف عندي <<كامل الدجاني>> وهو من قرية بيت دجن ان يغلق المكتب تمشيا مع واقع الثورة العامة في جميع أنحاء فلسطين. ثم قصدت العودة الى بيتي، وأثناء مروري بجانب دكان رستم ابو غزالة أخبرني ان البوليس ألقى القبض على زميلي أمين عقل، وأنهم في طريقهم الى مكتب ابراهيم نجم ومكتبي، وحركة الاعتقالات مسعورة وعلى قدم وساق. ركبت الباص الى بيتي، حزمت أمتعة قليلة بسرعة وركبت سيارتي وانطلقت الى عكا، وهناك طلبت من أخي زكي السفر الى يافا وإحضار زوجتي والأولاد الى عكا، وواصلت سفري الى رأس الناقورة نقطة المخفر الانكليزي، ثم نقطة المخفر الفرنسي.. وكانت سعادتي عظيمة ان أمر منع مغادرتي البلاد لم يصل بعد الى نقاط الحدود.. وصلت الى بيروت وقضيت فيها عدة ايام بزيارة الأصحاب، ثم الى دمشق، حي الميدان، للإقامة بحماية صديقي الشيخ محمد الأشمر.. <<انتهى>>.
أقمنا بعد رحيلنا الأخير من الزبداني في حي الميدان بدمشق، الحي الذي ما زال الماضي المعتق ينضح فيه.. ينبض ويعيش بتفاصيله، صريحا بملابس الرجال، وواجهات الحوانيت.. تحت إبط الباعة الجوالين وأصحاب الدكاكين والخانات، في المساجد وأمسيات الفرح والعزاء، على أسلاك القطار الكهربائي (الترامواي) الذي ينطلق من بوابة الميدان وحتى ساحة المرجة ويحمل يوميا فايزة الى مدرسة الثانوية الأهلية التي قبلتها طالبة للاستعداد الى صف الشهادة الثانوية، وغازي المنتسب الى الصف التاسع (شهادة البروفيه) مع غسان في مدرسة الكلية العلمية الوطنية.
تمكنت والدتي في ذلك الوقت من استعارة ماكينة خياطة يدوية من السيدة أم ابراهيم إحدى جاراتنا، والعمل عليها بخياطة القمصان لصالح أصحاب محلات بيع الألبسة في السوق بأجرة 30 قرشا عن القميص الواحد.. وقد حقق ذلك مبالغ متواضعة ساهمت بفاعلية بأجور المواصلات ومتطلبات المدارس القليلة.
بينما انتسب مروان الى مدرسة خالد بن الوليد طالباً في الصف الخامس، وأنا في مدرسة أسامة بن زيد طالبا في الصف الثاني، وكلتا المدرستين في حي الميدان، مما يعني أننا لن نستهلك نقودا في الذهاب أو الإياب.
أقول <<بكثير من التحفظ>> ان منهج حياتنا الجديدة بدأ يستقر على واقع الحال، فقد باشر والدي عمله في سوق الهال، اضافة الى متابعته المتواصلة لدى السلطات والمسؤولين للسماح له بممارسة المحاماة.. كما استطاع غازي بواسطة احد أعمامي العمل (بالواردية الليلة) في معمل الزجاج القريب من المدينة، اضافة إلى مواصلة دراسته النهارية، بجانب عمل أمي في الخياطة، مما حقق إيرادا منتظما ومعقولا لتأمين القدرة على مواصلة العيش.
ورغم ذلك واعتمادا عليه فقد كان والدي يقسم الخبز بالتساوي بيننا، ويحدد حجم قطعة الجبن مثلا لواحدنا، ويفرض علينا بعد ذلك أكلها بلا زيادة ولا نقصان، وهذا الشكل من التنظيم الغذائي شمل مختلف أنواع الأطعمة، وفي كل المناسبات.. ولست أنسى كيف كانت دموع غسان <<الذي لم يكن يحب البامية على الاطلاق، رغم أشكال الإغراء>> تتساقط فوق صحن الطعام وهو مكره على أكل ما فيه بالكامل.
كنا في ذلك الوقت نعيش مع عمتي وأسرتها الكبيرة في بيت واحد، في الوقت الذي كانت فيه أعمار أولادها متقاربة مع أعمارنا، ولك ان تتصور حجم المشكلات الممكن حدوثها رغم بساطتها وتفاهتها على الغالب إلا أنها تتراكم وتخلق عند الكبار مشاعر متفاوتة بين المهانة والاستعلاء، فهم يردون أي شيء الى واقع الفقر النسبي.
وهذا لا يعني أن زوج عمتي أحسن حالا، كان فقيرا هو الآخر، الفارق أنه كان قادرا بكثير من اللامبالاة ان يأتي كل مساء الى بيته في عربة حنطور، وبثياب على قدر من الأناقة، على واقع كونه موظفا في مؤسسة اللاجئين ومسؤولا عن توزيع المعونات بأشكالها المختلفة على اللاجئين. كان حريصا على شكل المظاهر البراقة والتافهة كما يسميها والدي .. بينما تعاني أسرته من الضنك ما تعاني.
تنتشلني حفيدتي من جديد، تترغل بكلمات متقطعة متلعثمة لا أفهمها، كزقزقة الحسون الذي أفلت من قفصه، وراح يصدح بفرح على غصن أقرب شجرة بلحن حر جميل.. وهو يدرك.. ربما يدرك؟.. انه ميت لا محالة بعد حين، إذ كيف يستطيع ان يتعلم العيش معتمدا على نفسه، وقد ولد في قفص وتربى فيه طيلة حياته!..
يا صغيرتي.. أعرف أنك لا تدركين!.. كنا نتسابق نحن الأربعة أمام أبي..
يأخذنا الى الحلاق في آخر الشارع المستقيم الضيق الذي يكاد يتسع (للترامواي) ذهابا وإيابا والعدد القليل من السيارات والكثير من عربات الحنطور وعربات النقل المختلفة التي تجرها البغال او الحمير، وزحمة الباعة.
هذا الطريق المنتهي (ببوابة الله) وقبل ان نصل بأمتار قليلة الى صالون الحلاقة، ندخل في زقاق ضيق ونسير دورة كبيرة لنعود من الطرف البعيد الى الشارع المستقيم نفسه، وهكذا في طريق العودة دون ان نجد لذلك تفسيرا.
كنا نعلم أننا لو نسلك استقامة الطريق، نختصر المسافة.. ورغم ذلك لم نجرؤ على مخالفة والدي وإصراره على ان ندخل الزقاق وندور دورتنا الطويلة كل مرة لنتجاوز ما لا يزيد عن عشرة أمتار ليس أكثر.
اكتشفنا ايضا في ما بعد ان مضافة الشيخ <<محمد الأشمر>> تقوم بين مسافة الأمتار العشرة هذه.
كان والدي يهرّب بسيارته الخاصة عن طريق لبنان بعض أنواع من السلاح والذخيرة المطلوبة والضرورية للثوار السوريين إبان كفاحهم ضد المستعمر الفرنسي ويسلمهم شخصيا للمجاهد الأشمر، ويحمل في طريق العودة من طريق لبنان ايضا أصناف سلاح اخرى للثوار الفلسطينيين.. وغالبا ما كانت ترافقه فتاة صبيّة متطوعة من الثوار لا على التعيين، ليبدو الأمر كأنه رحلة حب لعاشقين، زيادة في التمويه.
في صباح يوم ماطر، وبينما كان والدي في السوق القريب، وأمام أحد حوانيت بيع الخضار يشتري لوازم للبيت، لفتت انتباهه حركة وجلبة، سمع أحدهم يقول:
الشيخ!
وقبل ان يتوارى، وجد نفسه وجها لوجه أمام الشيخ محمد الأشمر.. تعانقا طويلا، وذرفا الكثير من الدموع.. وتبادلا الكثير من الكلام، سمعت الشيخ يقول:
حري بغيرك ان يخجل!
في مساء ذلك اليوم، وقفت أمام بيتنا عربة طويلة يجرها حصان قوي، أفرغت حمولتها من السكر والرز والصابون والسمن والطحين واللبن وبعض الملابس، على عتبة بيتنا.. قال صاحب العربة:
هدية من الشيخ محمد الأشمر!
يا صغيرتي.. عندما تكبرين.. ربما تجدين جوابا.. لماذا يبتسم غسان وهو ميت؟.
.لمست شعرها الناعم، كانت نائمة
كالملائكة.. وفي أفق عينيها المسدلتين شبح ابتسامة

 

هكذا تبدأ القصص ,هكذا تنتهي..

 

أيمن الغزالي

.. عندما قرأت كتاب <<هكذا تنتهي القصص هكذا تبدأ>> للكاتب فضل النقيب، وهو عبارة عن انطباعات شخصية عن حياة غسان كنفاني وباسل الكبيسي، أحسست بأنني أتعرف إلى غسان كنفاني من جديد، ولهذا شعرت بأن من المهم ذكر اسم هذا الكتاب وكاتبه لما له من أهمية في التعريف بحياة غسان كنفاني الذي هو موضوع مقالتي الآن.
ولأول مرة شعرت بلذة البحث عن هذه العلاقة الحميمة التي تربط الكاتب بأبطاله والتي من خلالها نقرأ الكاتب الذي يمثل نموذجاً فريداً للمناضل والرمز في دفاعه عن قضاياه التي من خلالها، ذهب إلى الموت.
بين لوحاته الأولى الملونة وكتاباته الصحافية كان غسان كنفاني دائماً يؤكد أنه بالكتابة يستطيع أن يعبّر أكثر من الرسم، لماذا يجيب عن سؤال لم يسأله أحد، لكنه بهذا يحاول تحميل قضيته معالم فكرية من حجم الرؤية التي يملكها، فإذا كانت لوحاته تصافح عينيك بأشياء غير اللون والضوء والخطوط والتشكيلات والأشخاص، فإن قصصه غالباً ما كانت نسيجاً من المشاعر والأفكار التي تستأثر بك، عبر مواقف مشحونة ومتوترة، هكذا تنتهي بكلمات وأشخاص ومواقف.
فبدءاً من <<القط>> نستطيع أن ندرك أن غسان كنفاني كان يحتفظ فقط بالمعنى لا بالهيكل، إذ كان لقضيته بداية ونهاية في الوقت نفسه، ومن هنا كان يكتب <<بداية شيء ما>> أو <<نهاية شيء ما>>، وما بينهما كان يستطيع من خلال كتاباته المحافظة على تلك الروابط الخفية التي كان لها الدور الكبير في حماية الإنسان الفلسطيني ويقظته، ليجعل دائماً من كل شيء قضية وموقفاً ومعنى يبحث لها عن أطر وإيديولوجيات وقوانين ودعم وإعلام.
فمن <<رجال في الشمس>> و<<موت السرير رقم 12>> كان غسان يعتني كثيراً بالتفاصيل المباشرة وغير المباشرة لدعم الحزام النفسي داخل المقاومة، فكان يمثل الابتعاد والاقتراب في مكان واحد، شعور سيعتني به كثيراً في ما بعد في <<أم سعد>>، <<أرض البرتقال الحزين>>، <<عالم ليس لنا>>، لأنه بذلك يجعل من القضية الفلسطينية قضية عالمية في تأكيد تفاصيل الآخر وهواجسه ومشروعيته، هذا الشعور سيأخذ في ما بعد أشكالاً أخرى أكثر عمقاً وتجذراً.
في محاولته الدائمة والعنيدة لقراءة الواقع والمستقبل، اكتشف غسان أن المحافظة على الجنين مسألة في غاية الأهمية، عندما كانت فلسطين توحي بذلك الدفء الراقد والمستقر، عوالم آمنة، ليأتي العالم الآخر ضمن معطياته وتعرجاته صاخباً ومضطرباً، غسان كان يحاول من خلال الكتابة أن يبقي على هذا الدفء والأمان في قعر ووجدان وذاكرة الفلسطيني، أن يبقي على هذا الجنين حياً، زمنياً، في محاولة كسب الصراع أو الرهان مع هذا الوحش <<العالم الخارجي>> الذي ينقض على ضعفه.
هذان العالمان ظلا حبيسي قلمه طيلة حياته، كان المضمون فلسطين، أما الأسلوب والشكل فكان هذا العالم الباهت والمضطرب، فبينهما كان غسان واقفاً يتحدى المراهنة الزمن في المحافظة على الانتماء بحيث يبدو كل شيء يتعلق بالمضمون حنوناً ومحبوباً، وكل ما يتعلق بالأسلوب مرفوضاً.
.. هل كان غسان كنفاني بذلك يحافظ على عالمه الداخلي وتوازنه؟
.. هل كان يعي خطورة الراهن والمستقبل؟
.. هل كان يمضي إلى النهاية؟
.. هل كانت همومه واعتقاداته أكبر من هذا العالم؟
.. هل كان سيغيّر العالم؟
خمسة أسئلة جديدة لخلق أسلوب آخر لمعنى الفلسطينية، بحيث نستطيع أن نحبها، أن نتعاطف معها.
لكن الجواب عنده، كان يرى أن المسألة مسألة وقت ليس غير، كذلك تبدأ القصص، كذلك تنتهي.
بعد أن قرأت غسان كنفاني مناضلاً وسياسياً وكاتباً، كان جلّ اهتمامي يتركز على روايته <<الشيء الآخر>>، وما لفت انتباهي هو زاوية النظر، طريقة المعالجة للقضايا الكبرى في الحياة، التي تتجلى في <<الحب، الموت، الحياة، الصدفة، الصمت، القانون،..>> والكثير من
القضايا التي تشغل ذهن الإنسان وتحتل الكثير من تفكيره ووجدانه. خطر الأحوال في حياتنا والتي تتقاذفنا دائماً، القبض على حجر الدوافع عند الإنسان وقضايا الإنسانية النبيلة والتي تتجلى في قيمه ونضاله ومصيره، في رصد نوازعه وهواجسه خارج الآخر والعقائد والإيديولوجيات، جاعلاً من الحبكة محور اللغة من أجل جر الفكرة إلى سياقها الزمني والطبيعي، بقيت الفكرة قائمة والشيء الذي قتل ليلى الحايك مجهولاً، فقمت بمحاولة كشف هذا الجانب الذي أتمنى أن يخرج إلى النور على شكل .فيلم تلفزيوني، وشجعني على ذلك المخرج قيس الزبيدي

 

<<غسان يعود إلى حيفا>>

 

فريدة النقاش

<<غسان كنفاني>> واحد من المبدعين العرب الذين سيعاد اكتشافهم في كل زمن جديد، ومع تجلي الوجوه المختلفة للقضية الفلسطينية وحتى بعد أن نصل الى حل مؤقت يرضينا لسبب أساسي هو أن غسان لم يكن مجرد صوت للقضية، بل كان أيضا صوتا داخليا لذاته وللإنسان من المطلق، سواء كان هذا الإنسان يتعذب لأن وطنه سلب منه أو لأن قضية الوجود الإنساني تؤرقه، حيث تتلاحق أسئلته دون إجابات، عن الوضع البشري وعن مصير الإنسان وعن الحب المستعصي وعن الموت المحدق وعن الظلم المركب الذي تتواطأ قوى كثيرة تبدو لشدة قبضتها قدرية وكونية وسرمدية.
البكاء الصامت وهدير البحر.. بهذه المقابلة العنيفة تفاجئنا قوة التشكيل حيث تنهمر الدموع المالحة وكأنها تصب من الماء المالح، وكأن بينهما قناة غير مرئية من بداية روايته <<عائد الى حيفا>> الموحية بقوة موضوعها كتنويع جمالي فكري مركب على قضية العودة لفلسطين الراهنة، ومن زمن اجتياحها من أقصاها لأقصاها.. وفلسطين في عالمه هي راهنة دوما.. وهي الآن ربما أكثر من أي وقت مضى جرح كبير نازف.
ولعل سيل الدموع الصامت وهدير البحر اللذين يفتتحان الرواية، يكونان الشاهدين المبكرين على عنف الارتطام التراجيدي الذي يمهد له السارد اللاهث خلف حكايته التي تكاد تسبقه، لا لأننا نعرف وقائع التاريخ وحوادثه ولكن أيضا لأن اللغة المكثفة المثقلة بالدلالات تتدفق كشلال يسبق ركض الذاكرة الى حكاياتها. يرتفع عنف الارتطام التراجيدي من الزمن الذي وقعت فيه هزيمة العرب سنة 1967 لتنسج خيوطه ذاتها عناصر المواجهة الآتية من زمن الرواية.
<<طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم، تحدث الى زوجته عن كل شيء. عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندليون التي هدمتها الجرارات، وعن العدو الذي وصل الى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات، وعن وقف إطلاق النار والراديو ونهب الجنود للأشياء والأثاث ومنع التجول، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق. والجار الذي لملم أغراضه وهرب. والجنود العرب الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى أوغستا فيكتوريا، والرجال الذين خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارع القدس والفلاح الذي أعدموه لحظة رأوه قرب أكبر فنادق رام الله..>>.
بعد هذه اللوحة التي تضم كل ظلال المشهد الفلسطيني والعربي بعد الهزيمة.. يصل الزوجان <<سعيد>> و<<صفية>> الى حيفا في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1967.. ذلك التاريخ الذي سيكون له معنى آخر في ما بعد، لأنه ختام شهر الهزيمة الكبرى والإيذان ببدء جديد سوف يكون بدوره ختاما للارتطام التراجيدي الثاني، حين يقرر الابن <<خالد>> الالتحاق بالعمل الفدائي.
<<هذه هي حيفا إذن بعد عشرين سنة>>. ووجد نفسه يقول لزوجته <<صفية>>:
<<هذه هي حيفا يا صفية>>.
وتبدو لنا هذه الجملة بعد التمهيد الحي الكثيف اللاهث لها، كأنها الاكتشاف من عدم، كأنها الانبثاق لكل ما اختزنته الذاكرة من ألم، وكأن الفقد يتم الآن فقط، في لحظة الاستعادة المؤقتة لمدينة الميلاد والحب وللبيت القديم وصور الأهل معلقة على جدران المنازل التي استولى عليها المستعمرون الصهاينة.. لكن ما زال <<البحر يهدر على القرب>> كأن الصواعق لم تؤثر أبدا في نظام كون لا يبالي.
يسعى الزوجان الى بيتهما القديم في حيفا، حيث كانا قد أجبرا على ترك <<خلدون>> ابنهما ذي الخمسة شهور وعجزا عن العودة إليه.. وها هي المدينة الآن تذكرهما <<إنني أعرفها، ولكنها تذكرني>>، كان ذلك يدور في عقله دون أن ينطق به.. فثمة صوت داخلي لا يكف عن تغذية الوعي لذلك البطل المكسور بفقد الوطن والابن، ولكنه المسكون بوعي ثاقب بخطط العدو وطبيعة رسائله وأشكال سلوكه.
<<لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفورا. لم يحدث ذلك في أي حرب في التاريخ، أتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948 والآن، بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ لا. ذلك جزء من الحرب. إنهم يقولون لنا: تفضلوا.. انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقيا.. عليكم أن تقبلوا أن تكونوا خدما لنا، معجبين بنا..>>.. وهو ما سوف يظهر بعد ذلك في قول الابن الذي ضاع لأبيه: لنكن متحضرين، لكن الماضي القريب ينبثق كله دفعة واحدة، حادا مثل سكين، هكذا دون أي زوائد من الوصف أو العاطفة، إنه ذلك الانبثاق مع فيض الدموع الصامتة، عرف أنه لا يستطيع معرفة ذلك العذاب على وجه الدقة>>.
وما إن نتعرف على ملامح زمن البداية النهاية 30 يونيو (حزيران) 1967 إلا ويعود بنا السرد عبر تيار الوعي الى نهاية أخرى <<صباح الأربعاء 21 نيسان عام 1948 لتكون المسافة بين الزمانين والمستويين من القص عذابا مقيما.. بفعل الذاكرة والتداخل بين الأزمنة، زمن النكبة وزمن الهزيمة، ويكون الزمن الثالث ساعيا في الطريق حيث فقد الوطن يتوازى مع فقد الابن الذي ليس موتا ولكنه أشد إيلاما من الموت.. ومن قلب هذا الزمن يلوح بصيص نور لمستقبل آخر.
<<هل كان يتوقع تلك الفجيعة؟ الأمور هنا تختلط، الماضي يتداخل مع الحاضر.. وهما يتداخلان مع أفكار وأوهام وتخيلات ومشاعر عشرين سنة لاحقة، هل كان يعرف؟ هل أحس ذلك الشيء الفاجع قبل أن يحدث، أحيانا يقول لنفسه: <<بلى، عرفت ذلك قبل أن يحدث>>.
هكذا يدلنا الراوي على حيلة الكاتب ويكشف عن تداخل الأزمنة في رؤيته الى الماضي والحاضر والمستقبل حيث تتواصل الهزيمة وتولد المقاومة كتيار تحتي خارجة من هذا البكاء وهذا المشهد السينمائي السريع الإيقاع لرحلة الخروج من <<حيفا>> وحيث البحر ملاذ وجحيم. كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشاع الرئيسي المتجه الى الميناء، رجالا ونساء وأطفالا، يحملون أشياء صغيرة أو لا يحملون، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح. وحيث البحر كملاذ يكشف عن وجهه الآخر كجحيم <<حين رأى أكوام البشر تتساقط فوق الزوارق الصغيرة..>> وليس ثمة بعد ذلك إلا بوابة حديدية.
ولأن غسان كان قد ولج الى عالم الكتابة الجديدة بكل معنى الكلمة وغادر الساحة التقليدية للسرد وللصور النمطية للضحايا والمعذبين في الأرض ككائنات فوق بشرية، أسس هو مع آخرين لكتابة أخرى وبلغة جديدة بالغة، جديدة باردة ومحايدة لكنها تقطع كسكين.. فها هي الضحية أقرب الى التوحش.. حيث يهدر اليأس والحصار إنسانية الإنسان إذ هو لا يرتقي بها إلا في شروط جديدة وسياق مختلف.
يصور حركة <<سعيد س.>> وهو خارج من حيفا وسط الجموع المذهولة <<يعود ويتقدم بشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقا مستحيلا في دغل كثيف متشابك..>>.
وكان الإنكليز واليهود قد أخذوا يكتسحون حيفا خادعين أهلها.
ينحدر الإنسان الى الوحش الذي كان قد غادره منذ أن استوى الإنسان إنسانا وشكل وعيه بذاته وبالعالم من حوله وكون الحواس والمشاعر إذا ما بلغ قاع اليأس وقلة الحيلة كأنها الموت أو ذروة الكلبية والشره الاستهلاكي والإمعان في استغلال الآخرين دون شفقة.
كان اللاجئون الذين طردوا من وطنهم قد سقطوا في الحالة الأولى، حيث جردهم اليأس من صفاتهم الإنسانية وأطلق الخوف من الموت في الفوضى غريزة البقاء. ورغم أن البشر الغارقين في الفوضى كانوا بالآلاف فإننا لا نقف في هذا المشهد السينمائي المكثف على أي حوار.. لا تواصل إذن بين هؤلاء الذين وقعوا في الفخ وأطبقت عليهم المصيدة وضاعوا في المتاهة السوداء التي يجرون في طرقاتها ثم يكتشفون أنهم عادوا الى نفس النقطة التي كانوا فيها حيث الأزقة مغلقة بالمتاريس أو بالرصاص، والدموع وحدها تغسل هؤلاء البشر من حالة الوحش <<كانت حيفا تغيم وراء غبش المساء وغبش الدموع، وفي مواجهة صورة الوحش الباحث عن ملاذ لجسده المحاصر حين كان اللجوء الذي استدعاه البطل من الذاكرة تطل أمام عينيه تلك البناية التي كانت تمتلكها عائلته.. ويوم الفرار.. لاحظ الكلمة التي تحكم حكم قيمة.. فهي ليست اللجوء، في ذلك اليوم تمترس المقاتلون العرب وقاتلوا حتى آخر رصاصة، وربما آخر رجل..>>.
<<أطل المنزل، المنزل ذاته>>، وتحمل لنا هذه الجملة وهذا المشهد بمقارنته مع مشهد الجموع العزلاء بصيص أمل لنصر ما.. إنه التأكيد أن <<المنزل ذاته>>.. التأكيد المقصود لذاته رغم أنه يخرج بالتكرار على روح الاقتصاد بل ربما الشح في لغة غسان كنفاني المكثفة التي يكاد هو أن يصفها لنا حين يقول:
<<كما لو أن العشرين سنة الماضية وضعت بين متلبسين جبارين وسحقت حتى صارت ورقة شفافة لا تكاد ترى..>>.
وهكذا وعبر ثلاثين صفحة من القطع الصغير كان الزوجان قد وصلا الى بيتهما في حيفا.. وكانت الذاكرة قد استدعت كلاً من النكبة والهزيمة، وكان <<سعيد>> إصبعه على جرس منزله ليكتشف أنهم <<غيّروا الجرس>> وسكت قليلا ثم تابع <<والاسم طبعا>>.
يجد منزله في القدس وقد سكنته امرأة عجوز وزوجها وابنهما <<دونف>>.. لم يحدث تغيير جذري في البيت يؤدي الى طمس معالمه وبقيت أشياء كثيرة حميمة من تلك التي تركاها بتفصيلاتها، صورة للقدس وسجادة شامية صغيرة.. ولكن ماذا يعني هذا؟..
كانت العجوز تتوقعهما.. تلك العجوز القادمة من بولندا والتي لم تنجب وقد نجت من مذابح هتلر، هي نقيض تماما للصورة النمطية للعدو الشرير والشيطان، فالمرأة تقول له ببساطة ان ابنها <<دوف>> الذي تبنته وربته هي وزوجها يشبهك.. هي التي كانت قد بكت حين قضت عطلة حقيقية يوم السبت: <<إنني أبكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعة حقيقية هنا ولا أحد حقيقي..>>.
إنه النقد الجذري لحركة الاستعمار الاستيطاني من داخلها، ذلك الذي استشرفه غسان كنفاني لا من روايته تلك فقط، وإنما أيضا في نضاله السياسي طيلة حياته...
كانت المرأة التي قتل أبوها على يد النازي قد تغيّرت <<حين شهدت وهي تدور قرب كنيسة بيت لحم في الهادار شابين من الهاغاناه، يحملان شيئا ويضعانه في شاحنة صغيرة..>>، كان ذلك الشيء طفلا عربيا ميتا <<ولو كان يهوديا لما فعلوا ذلك..>>.
ومع ذلك فإن المرأة ربت ابنها على احترام العقيدة الصهيونية، حتى إنه في لحظة المواجهة مع والديه الأصليين قال لهما: <<إن الإنسان قضية>>.
إن سعيد نفسه يسأل ما هي الأبوة. وهنا يأتي عنصر آخر من عناصر التجديد في الرواية. إنها تطيح بخرافة الدم وتؤسس للعلاقات الإنسانية على أساس الاختيارات والمواقف والرؤى طبعة عربية مكرورة من حكاية دائرة الطباشير القوقازية.
وحتى نستوعب نحن القراء حالة التوتر القصوى ونستعد لها حين يقابل الأب الأصلي ابنه يأخذنا الى تنويعة جانبية على اللحن، فإذا كانت قصة <<خلدون>> هي قصة حقيقية لابن تركه أبواه لحظة اللجوء الكبير، فإن صورة بدر اللبدة الشهيد <<أول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الأسبوع الأول من كانون الأول عام 1947>>.. صورة هذا الشهيد هي بطلة الحكاية، ذهب <<فارس اللبدة>> شقيق الشهيد ليزور بيتهم في حيفا بعد أن رحل هو بدوره وعاش في <<رام الله>> ليجد ان ساكن بيته عربي وقد علق صورة بدر الشهيد في صدر غرفة الجلوس، واسترد الشقيق الصورة ولكنه عاد وردها للساكن العربي الجديد الذي سمى ابنه بدرا على اسم الشهيد.. وللرجل روايته الخاصة عن النكبة والثمن الذي دفعه، فما من فلسطيني إلا ويدفع ثمنا <<لست أريد أن أروي لك الآن، كيف سقطت يافا.. وكيف انسحبوا، أولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق، ذلك شيء راح الآن، المهم أنني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا، وأمضيت فترة طويلة في المعتقل. ثم حين أطلقوني رفضت أن أغادر يافا. وقد عثرت على هذا البيت، استأجرته من الحكومة..>>.
ووجد الصورة في البيت فاتخذ منها رفيقا في مدينة شبه فارغة وموحشة بعد أن طرد منها أهلها.
ونعود الى ذروة التوتر الى مشهد التقاء الأبوين بابنهما وكأنما ترتطم الكواكب. وفي بنية الرواية ثمة تحذير دائم من العواطف المجانية أو المشاعر الرخيصة. حين دخل <<دوف>> تذكر سعيد <<مشاهد درامية مفتعلة من أفلام رخيصة تستدر توترا تافها>>.
ومباشرة تقدم الشاب من أمه التي ربته ثم عبّر توتر الأبوين عن نفسه في قهقهات عالية فلا دموع ولا صراع ولا إغماءات، ثم قال الشاب: <<دعونا نتحدث كأناس متحضرين>>.
وبوسعنا كقراء ونقاد أن نقف طويلا أمام مفهوم التحضر هذا الذي طالما جرى استخدامه كأحد الأسلحة الإيديولوجية في الصراع العربي الصهيوني، وطبقا لهذه الرؤية يعد التخلف العربي ذريعة ملائمة لاغتصاب فلسطين وإدخالها في مضمار الحضارة حيث يقوم الصهاينة بتحديثها. قال الشاب لوالديه العربيين ما يعرفانه جيدا: <<إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية>>. وهذا القول هو الذي يحسم عبره الأب موقفه من التحاق ابنه الآخر <<خالد>> بالعمل مع الفدائيين حيث كان يمنعه من ذلك خوفا عليه.
<<في الأسبوع الماضي، التحق خالد بالفدائيين، أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمّه خلدون؟ لأننا كنا نتوقع العثور عليك، ولو بعد عشرين سنة، ولكن ذلك لم يحدث، لم نعثر عليك، ولا أعتقد أننا سنعثر عليك!..>>.
وفي ختام الرواية حين ينسحب الأبوان عائدين من حيفا يجري طرح السؤال الوجودي الفلسفي الكبير حتى قبل أن يكون سياسيا: <<أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي، ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟.. إنه لا يعرف المزهرية ولا الصورة ولا السلم ولا الحليصة ولا خلدون. ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها. وبالنسبة لنا أنت وأنا مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة.. وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار، غبار جديد أيضا، لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط.. أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل..>>.
اصطدم غسان كنفاني بصفة عامة بإشكالية الكتابة وتساءل دائما عن وظيفتها ومعناها متجاوزا السائد، خاصة إشكالية الكتابة عن قضيته الواضحة المحددة أطرها سلفا، فخلق ما لا حصر له من الشخصيات ومن الأصوات الداخلية التي استطاعت أن تقف بصلابة في مواجهة هذا الوضوح الساطع وتكشف عن أعماق غائرة له، لأنها لم تختزل الواقع المعقد المتعدد المستويات والمتناقض أبدا، إنه يلتقط لآلئه من أعماق غائرة ومن شظايا نجوم تكسرت في ذلك الارتطام القدري الذي لا يصدق. وحيث هذا الذي يجري هو مجرد حوار مستحيل، ومن الاستحالة إنكار ورفض <<إن المدينة تذكرني>>..
ويقول سعيد للساكنين الأغراب في بيته بحيفا، والذين استولوا على الابن الذي دفعه ثمنا: <<تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا. فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب>>.
"ولا يتبادل كلمة واحدة مع زوجته ولكنهتملعمل كله بهذه الجملة: أرجو أن يكون
خالد قد ذهب أثناء غيابنا

 

ثلاثية غسان كنفاني

 

فريدة النقاش

(رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) و(أم سعد).. تشكل مجتمعة رواية القضية! <<رواية الأرض التي أحب.. والتي أراد أن يصلنا بحبه لها.. والتي حمل معنى الحب لها معنى الموت في سبيلها..>>.. إنها مجتمعة رواية قضية مصيرية.. كلها تحمل هم القضية.. وتحدد اتجاه السير الصحيح واتجاه السير الخطأ. ولئن كان الرجال في الشمس يبحثون عن لقمة عيش لعلها تكون طرية لهم ولأسرهم ولأولادهم بعد أن حرمتهم منها حياة التشرد في المخيمات.. ولئن مضوا يتجهون شرقا.. ويبتعدون عن عشقهم (أرض فلسطين) ويضيعون عشقهم.. ولا يظفرون إلا بالموت الذي ينتظر من يخطئ في اتجاه السير.. وأين؟ على مزبلة الصحراء.. صحراء النفط التي لا تعطي خيرها بسخاء إلا للأعداء.. لكن كان شخوص الرواية الأولى كذلك يمثلون العتمة والليل والعجز.. إلا أنه ليل غير مقيم.. بل هو آخر الليل. فتأتي الرواية الثانية لتشير الى طلائع الفجر.. والى الظروف الموضوعية التي توقظ الإرداة فيمن كان يظن أنه فقد إرادته!
تأتي رواية القضية الأخرى أو الحلقة الثانية في هذه المسيرة الروائية.. تأتي رواية (ما تبقى لكم) لترفع شعارها السياسي المتوهج.. شعار الهم الساخن والقضية السيدة.. ولتشير الى الاتجاه الصحيح في حركة السير.. لتعلن أنه لا سبيل للخروج من الدوامة.. دوامة الضياع والركود والعجز إلا بالمواجهة.. وبالمواجهة وحدها.. وهذه المواجهة العريضة تتداخل فيها مجموعة من الخيوط أو العروق أو القنوات وتنبض فيها وتتلاقى معها وتشكل شبكة متداخلة!
العروق الاجتماعية.. المتمثلة في أسرة بسيطة التكوين فقدت الأب.. ونزحت الأم.. وابتعدت الخالة.. وبقيت البنت (مريم) وأخوها (حامد).. البنت والأخ في ضياع.. في عجز.. لا يحسان بأية قيمة لوجودهما.. مقطوعان أمام هذا الموج من حركة الاحتلال التي أفقدت الناس ترابطهم.. وتواجه البنت حالة من الافتراس.. يفترسها نتن (زكريا) تحت ضغط المطلب الجسدي وإلحاحه في الخامسة والثلاثين من عمرها.. وتتجمع الظروف: المأذون.. والحمل.. والشرع.. والتقاليد.. لتحمل مريم وتنتقل بها الى المستنقع.. مستنقع زكريا النتن المفترس الذي يخون ويتعاون مع رموز الاحتلال ويشي بالفدائي ويكون سببا في قتله..
هذه الظروف التي خلقت هذا العجز في ظل الفقد تأخذ في التغير.. فينطلق (حامد) ليتخلص من قيده.. لعله يصل الى أمه النازحة.. فيقطع الصحراء من غزة الى بئر السبع في الطريق الى الأردن.
ولكن صحراء بئر السبع غير صحراء الكويت.. إنها رمال الأرض والوطن.. فحين تنشأ ظروف تدفع به الى معانقة هذه الرمال يحس بنبضها وحرارتها ولسعتها فتبعث فيه حالة عجيبة من العشق.. وينفض عن ساعده العجز.. ويخلع ثوب الخوف ويقطع القيد.. وحين يجد نفسه وجها لوجه مع جندي صهيوني.. تشتعل فيه حالة المواجهة.. وتزول من عروقه دقات التردد.. وكأنما يجد ذاته.. ويحس بوجوده لأول مرة في حياته.. فيواجه! وفي اللحظة ذاتها تبدأ (مريم) تحس بالتغيير وبدقات تطرد من عروقها الخوف والعجز والتردد.. فتنتزع السكين وتغرسها في صدر زكريا.. وتخلص نفسها من حالة الغرق في المستنقع وتنتشل ذاتها الى حالة الخلاص والإنقاذ والإحساس بالوجود! إنها عروق غير منقطعة.. بل هي متصلة بين (حامد) و(مريم).
عروق المكان والزمان:
في كل أعمال غسان القصصية والروائية.. يحتل المكان والزمان ما يحتله الحدث وما يحتله الإنسان.. فلا يشكل المكان لديه ظرفا أو وعاء منفصلا أو مجرد إطار فحسب تتحرك فيه الشخوص والوقائع.. بل هو شخصية حية نابضة تنمو وتتطور وتلتقي وتتصل وتتقاطع ولها أكبر دور.. كما قلنا في السابق.. فحين احتضن (حامد) حضن الصحراء ليتجنب ضوء (الدورية) ولينجو بنفسه منها.. نبضت العروق.. وتوحدت النبضات.. ولسعته الرمال، وانتفضت فيه إنسانيته المفقودة.. وقامت حالة من العشق عجيبة بينه وبين هذه الرمال.. رمز الأرض والوطن والحب! فتحول من حالة العجز الى حالة القدرة.. وكانت المواجهة التي نفضت الخوف بعيدا بعيدا.
أما الزمان فهذا المارد الذي خلقه غسان ليكون الإيقاع النابض في الرواية.. يتحول في لحظة العجز والفقد والضياع الى دقات خوف وشلل وقيد.. يبدأ لدى (حامد) أول عهده بالصحراء نبضا للخوف والفزع والتردد.. ثم لا يلبث أن ينزعه من معصمه ويلقي به (يلقي بالساعة) في الرمال ليخمد صوت الرعب في داخله.. ولتنشأ بعد ذلك حالة من الخلاص.. وإذا الزمن يتحول الى دقات تحريضية تساعده على المواجهة والإحساس بالوجود! وكذلك يمتد عرق الزمان في الوقت ذاته الى (مريم) التي تواجه (زكريا).. حيث أحست بدقات الزمان الرتيبة البليدة التي تفقدها الإحساس بوجودها.. وتحس كأنما هي تغرق في كل دقة من المستنقع.. مستنقع النتن.. مستنقع زكريا.. ولكنها لا تلبث أن تتحول الدقات لديها بفعل ظروف موضوعية ونفسية.. فإذا هي دقات تحريض بدلا من دقات جنائزية عجائزية! وتأخذ في النهوض والارتفاع بقامتها من المستنقع فتجد الخلاص.. كل الخلاص.. في المواجهة.. فتتناول السكين وتجهز على رمز المستنقع النتن.. زكريا!
هذه الحالة من التحول بدقات الزمان من العجز الى المواجهة الى الظفر بقيمة جديدة للحياة لم يكونا يحسانها.. أضافت قيمة جديدة للرواية.. قيمة فنية.. فظفرت الرواية بقيمتين على مستوى رفيع: قيمة حياتية وقيمة فنية.
وظل الشكل الحماسي الذي أقام عليه معماره الروائي الأول.. قاعدة للمعمار الروائي الثاني: حامد.. ومريم.. وزكريا.. والزمان وساعته التي تدق.. والمكان وصحراؤه التي كانت ميدان المواجهة!
وتظل الصحراء رفيقة لحامد.. لم يعد بمقدوره أن يكرهها.. لقد اختار حبها.. إنه مجبر.. ليس ثمة من تبقى له غيرها!
ولئن كانت رواية غسان الأولى تغمرها العتمة.. ويشتمل عليها الليل.. ويتخللها العجز.. وتمضي إلى آخر الليل لا تخرج منه.. فإن روايته الثانية.. تبشر بطلائع الفجر.. كأنها رواية الظروف الموضوعية التي تخلق إرادة.. وإن تكن إرادة ذات أبعاد فردية.. فلم يكن للإرادة يد في خلق الظروف.. بل كانت اليد للظروف في خلق الإرادة.. ولم يكن الفكر الفلسفي هو الذي وعى وعبأ وخطط.. بل ترك الأمر للظروف تفعل فعلها.. فلولا الظروف هذه لكانت الخمس عشرة سنة التي مضت على الاحتلال قادرة على ترسيخ صوت الصمت والسكون والموت.. ولكن الظروف تغيرت بفعل المواجهات اليومية على أرض الاحتلال.. تغيرت عما كانت عليه في السنوات العشر الأولى.
ولئن كانت الرواية رواية العجز.. رواية الماضي المستسلم.. فالرواية الثانية تشير الى الحاضر حيث لا خلاص إلا بالمواجهة.. وقد رمز لبداية اليقظة هذه بدقات الساعة.. تلك الدقات التي تنتقل من سراديب الماضي المظلم الى خيوط الفجر الصادق.. وبذلك يتنامى غسان في أعماله الإبداعية بموازاة تنامي الظروف وخط السير التاريخي ومنطق الأحداث.. ويتم هذا التناغم الذي يحرص عليه بين الزمان التاريخي والزمان الاجتماعي الذي أشرنا إليه من قبل.
ويكون هذا التنامي معقولا.. من مأساوية مشتعلة غاضبة متفجرة صارخة.. الى مأساوية المواجهة التي تتخللها خيوط من الضوء لا تخفي المرارة والأسى.. ولكنها تشير الى بداية فرح وزهو وأمل مشرق.. إلى أن يتم امتلاك الزمام.. زمام المعالجة والسيطرة على الحركة في (أم سعد) وفي (الأعمى والأطرش) وفي (العاشق) وفي (برقوق نيسان)! لقد تحول الغضب لديه الى رفض.. ومواجهة.. فثورة.
أجل.. لقد كان (حامد) حريصا على الساعة متعلقا بها.. ولكنه حين أحس بأنها تقيده وتشده وتعيقه.. تخلص منها في الصحراء! لقد كانت دقاتها تشير الى دقات الركود الفلسطيني السياسي والنفسي والعسكري طوال خمس عشرة سنة.. كانت صوت الصمت والسكون والموت.. وحين تخلص منها أنتجت لديه قدرة لم يكن يحلم بوجودها في داخل هذا الجسد!
هذه الأصوات التي تتفجر لدى شخوص غسان.. ليست أصواتا غريبة.. أليس هناك من بذور بعيدة.. وكأنها صوت الأعماق التي يمتد إيقاعها في الواقع لعله يستشرف المستقبل!
وكأنما رأينا غسان يتخلى عن قوته الشديدة على شخوصه فيمنحهم قدرا من الإنصاف.. ولهذا حين أراد أن ينبعث هذا الصوت أو ينبجس في جنبات الصحراء فجره.. فدوّى في الدويه.. لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ وقد أذهلنا عن أنفسنا لم نعد نميز مصدر الصوت وكأنما أحسسنا أنه انبعث من أفواهنا مشاهدين وقراء ومستمعين.. ولئن لم نشعر بذلك فكأنما نحس أنه انبعث عن الراوي أو عن المؤلف أو الكاتب.. وإلا فقد نحس أنه انبعث من الصحراء نفسها.. وقد نحس أنه انبعث من هنا وهناك.. وحين نتبين أنه انبعث في رأس أبي الخيزران نشعر كأن غسان أراد أن يعيدها الى أعماق هذا الشخص حين كان قويا ونقيا وحين كان يجاهد.. فلا ضرورة لأن ينطمس كل هذا الجهاد وكل هذا الضوء في زاوية من زوايا نفسه! كل هذا الحوار تحتمله المواقف في روايات غسان.. أكثر مما تشير إليه التفسيرات القريبة.. من مثل أن أبا الخيزران حين تلقى الضربة من نبأ موت الثلاثة كان النبأ حارا فلم يؤثر فيه.. حتى إذا برد النبأ أحس بوقعه فصرخ صرخته!
هذا تفسير وليس حوارا.. وغسان كنفاني أجدر بالمحاورة منه بالفهم القريب.. لأنه لا يبدع إلا بعد أن يحاور واقعه.. ويحاور فنه.. ويحاور مواده الفنية!
وما قلناه في صرخة أبي الخيزران نقول مثله في (حامد).. حين نفض عن كاهله الخوف.. بعد أن رأى نفسه وجها لوجه أمام جندي صهيوني ضل الطريق في صحراء بئر السبع وضاع عن دوريته فتساوت الظروف تقريبيا في ما بينه وبين (حامد) وأصبحا في ظل وضعين متكافئين.. فتنبهت في عروق حامد كل دواعي المواجهة والإرادة والقدرة على الإمساك بزمام الموقف.. فانقض عليه وأخذ سلاحه.. وأحس أن كل إنسانيته قد رجعت إليه من مكان بعيد بعيد.. ووضع حامد الجندي في موضع معلق بين الموت والحياة وجعله يحس بأن حياته في يد (حامد) متى شاء انتزعها منه!
وكان غسان قد أشار إشارة عابرة مضت في الأعماق.. الى أن هناك بذورا بعيدة لدى (حامد).. إذا جاءت ظروف موضوعية واستحيتها تستطيع أن تستيقظ.. فأبو حامد كان قد مات شهيدا دفاعا عن الأرض!
إن غسان يحاور الظروف في هذه الرواية أكثر مما يحاور الفكر والتوعية والتعبئة والتخطيط.. إنه يتعامل مع الظروف الموضوعية.. والواقع الذي تتيحه الفرص.. حتى زكريا.. على نتنه وخيانته حين دل على الفدائي.. نرى أنه لم يقع في المستنقع.. مستنقع الخيانة إلا لضعفه وخوفه.. فهو وإن بدا شريرا كبيرا.. لا يعدو أن يكون تحت تأثير الخوف والعجز والتعاسة.. حيث له زوجة أولى وخمسة أطفال.. ونحن نحس من طرف خفي أنه لو هيئت له الظروف لعادت له نفسه.. لكن اليأس والعجز جعلا منه كائناً نتناً!
ولقد أصر غسان على أن يضع بين يدي القارئ لهذه الرواية (توضيحا) يقول فيه:
الأبطال الخمسة في هذه الرواية.. حامد ومريم وزكريا والساعة والصحراء.. لا يتحركون في خطوط متوازية أو متعاكسة.. كما سيبدو للوهلة الأولى.. ولكن في خطوط متقاطعة تلتحم أحيانا الى حد تبدو كأنها تكون في مجموعها خطين فحسب. وهذا الالتحام يشمل أيضا الزمان والمكان بحيث لا يبدو هناك أي فارق محدد بين الأمكنة المتباعدة أو بين الأزمنة المتباينة وأحيانا بين الأزمنة والأمكنة في وقت واحد!
إن الصعوبة الكامنة في ملاحقة عالم مختلط بهذا الشكل هي صعوبة معترف بها.. ولكن لا مناص منها أيضا إذا كان لا بد أن تقول الرواية ما اعتزمت قوله دفعة واحدة..>>.
وقد عكف على كتابة روايته هذه بين عامي 1963 و1964.. وإن يكن نشرها تم في عام 1966.. <<وقد نالت جائزة جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان.. عن أفضل رواية لعام 1966. وهي أكثر روايات كنفاني إشكالية.. لأنها تحاول أن تجعل من الشكل الروائي ساحة لصراعات الذاكرة والواقع. وقد ترجمت الرواية الى الفرنسية والسويدية والدنماركية>>.
هذا ما أورده الناشر في الطبعة الثانية التي صدرت عن مؤسسة الأبحاث العربية.. مؤسسة غسان كنفاني الثقافية سنة 1980.
ولعل أهمية هذا الزمان ترجع الى ما كان يتردد في أوساط بيروت الأدبية والثقافية قبيل هذه الأعوام وفي أثنائها حول الرواية العالمية.. وأشهر المبدعين فيها.. وبنيتها الحديثة.. وجوائزها.
وكان الحديث يدور في هذا المجال حول (وليم فوكنر).. بعد أن كان جبرا إبراهيم جبرا.. الروائي الفلسطيني.. أول من أطلع القراء العرب على وليم فوكنر.. وذلك حين كتب من أميركا دراسة مطولة عن <<الصخب والعنف>> نشرتها مجلة <<الآداب>> البيروتية في مطلع عام 1959.. وفي أواخر عام 1962 فرغ جبرا من ترجمة كاملة لهذه الرواية.. وكانت معدة للنشر في أواخر ذلك العام. وكان وليم فوكنر قد توفي في السادس من تموز عام 1962. وكان من قبل أي في عام 1950 قد حاز جائزة نوبل للآداب، وقد أحيوا ذكر هذا الروائي الأميركي المتفوق وذكر روايته <<الصخب والعنف>> وبنيتها الفنية الحديثة في بيروت في هذه السنوات سنة 1962 وسنة 1963.
كان فوكنر بين يدي غسان في هذه الأعوام.. بل كانت روايته <<الصخب والعنف>> موضع اهتمام وحوار ومناقشات.. وكان غسان طرفا مشتعلا في هذه المناقشات الثقافية!
وقد عكف فوكنر عامين أو ثلاثة على إقامة المعمار الفني لروايته التي نشرها عام 1929.
وقد اتخذ فوكنر عنوان روايته من صرخة صدرت عن (مكبث) في رواية شكسبير، حين انتحرت (السيدة مكبث) المتجبرة العاتية.. بعد أن ارتكبت هي وزوجها مكبث عبث الحياة غاص في الدماء من أجلها.. فيصيح واصفا إياها:
<<شمعة آفلة.. ظل يتحرك.. ممثل هائج مائج يصرخ مدة ساعة على خشبة المسرح دون أن يسمعه أحد.. حكاية يرويها مجنون.. كلها (صخب وعنف) لا معنى لها..>>.
ويمضي فوكنر يروي عن المجنون حكاية (آل كومبسون) سنة 1699 سنة 1945.. هذه الأسرة التي تتعرض لصراعات داخلية تمزقها شرق ممزق.. وفي الأسرة إخوة ثلاثة يسردون الوقائع كل على طريقته.. ويعارضها بسرد الوقائع ذاتها في أسلوبه الخاص.. وتتوازى سبل السرد وأحيانا تتقاطع. ولعل الجزء الثاني من الرواية يلفت النظر الى رواية (كونتن) للأحداث التي تنتهي بقصة انتحاره.. وقد وضع فوكنر كل قدراته في التحرك بين أطراف الزمان ومستويات الوعي واللاوعي.. إنها معجزة فوكنر كما يقول جبرا إبراهيم جبرا.. بل يقول إنها من أعجب ما كتب في الأدب!
وينتهي كونتن جثة يلتهمها النهر.. وقد ثبتت فيها ثقالتان من الحديد لتبقي عليها في القاع انتظارا ليوم البعث.. يوم القيامة.. يوم ينفخ في الصور!
وفي الرواية إشارات ذات دلالات حول اللعنة التي حلت بالأسرة حين تخلى رب الأسرة عن الأرض الموروثة وباعها لينفق على ابنه كونتن في هارفرد وعلى زفاف ابنته كادي.. وينتحر كونتن قبل أن ينهي عامه الأول في جامعة هارفرد.. ويتم طلاق كادي.. وسقوطها في عالم الدعارة.. وتتقطع الروابط وتقوم المؤامرات بين الابن والأم وابنة الأخت بسبب المال.. ويعلل فوكنر كل هذا الدمار بتعلق أصحاب الأرض بحياة المدينة التي يدينها ويراها موطن الشر والفساد.
ويقيم فوكنر عالما من الخطوط المتقاطعة في الزمان.. خط يمثل الحاضر.. ويتداخل الأمس باليوم.. وجعل لصوت الزمن دقات تنبعث من الساعات المتعددة.. حيث وضع ساعة في البيت المدمر.. وساعة على الطاولة في غرفة كونتن في جامعة هارفرد.. وساعة في جيب كونتن.. وساعة في دكان الساعاتي تدق دقاتها.. وساعة في البرج في ميدان (جفرسن) عاصمة المقاطعة في جنوب الولايات المتحدة.. وتدق الساعات لتثير في سمع الوعي صوتا منبها مقلقا مثيرا حيث يأخذ منه كل فرد معنى غير الآخر...
وينتهي الزمان بهذا البيت الكبير الى أن يصبح بنسيونا (نزلا) ينزل فيه صغار الفلاحين.. إنها رواية الخراب والدمار والسقوط والانتحار والقتل والقسوة والخيانة في أحلك الليالي المأساوية.. بحثا عن خلاص نفسي <<يلوح ويختفي في غابات جفرسن النائية من مقاطعة يوكناباتوفا.. لصاحبها ومالكها الأوحد وليم فوكنر>>.
وكان فوكنر قد قال يوم تكلم حيث تسلم جائزة نوبل:
<<خوف خوف خوف يملأ الكون كله.. يلقانا في حياتنا.. لم نعد نقوى على تحمله.. ولم يعد يلوح لنا غير سؤال واحد: متى سأتفجر ويتفجر وجودي..>>.
مثل هذه الأصداء كانت تتردد في سماء بيروت الثقافية في أوائل الستينيات وكان غسان على بينة من أمرها.. وكان غسان يتأهب ليبدأ روايته <<ما تبقى لكم!>>.
وقد أحست الدكتورة <<رضوى عاشور>> بظلال لهذه الأصداء حين قالت: إن غساناً يتبنى في رواية <<ما تبقى لكم>> شكلا تجريبيا يعتمد فيه على استخدام تيارات الشعور المتداخلة لشخصياته.. وعلى التجريد.. وإدخال الزمان والمكان شخصيتين أساسيتين في الحدث.. ومن الواضح أن غسانا في اتجاهه التجريبي هذا كان متأثرا الى حد بعيد بإنجازات الرواية الأوروبية والأميركية في الثلث الأول من هذا القرن وخاصة برواية <<الصخب والعنف>> للكاتب الأميركي (ويليام فوكنر). ولقد أقر غسان بهذا التأثر في حديث إذاعي أعيد نشره في مجلة (الهدف) بعد استشهاده قال:
<<.. بالنسبة لفوكنر.. أنا معجب جدا بروايته <<الصخب والعنف>>. وكثير من النقاد يقولون إن روايتي <<ما تبقى لكم>> هي امتداد لهذا الإعجاب ب<<الصخب والعنف>> وأنا أعتقد أن هذا صحيح.. أنا متأثر جدا بفوكنر.. ولكن <<ما تبقى لكم>> ليست تأثرا ميكانيكيا بفوكنر.. بل هي محاولة للاستفادة من الأدوات الجمالية والإنجازات الفنية التي حققها فوكنر لتطوير الأدب الغربي>> (غسان كنفاني: في آخر لقاء إذاعي الهدف السبت 15 أيلول سنة 1973 العدد 129 المجلد الخامس ص 18).
هذا الإحساس لدى الدكتورة رضوى إحساس صادق.. وهذا الإقرار من غسان إقرار صحيح. وهذه الساعة النعش المعلقة أمام السرير في غرفة مريم في رواية (ما تبقى لكم) تبدو كالساعة لدى كوينتين في <<الصخب والعنف>>.. مقبرة كل الآمال.. غير أن الزمن المتطور والظروف المواتية الموضوعية تنتشل ساعة (مريم) وساعة (حامد) من دقات العجز الناتج عن حصار الماضي الكئيب.. الى دقات الفعل والمواجهة ونبذ الخوف والعجز والهزيمة..
إن أسرة فوكنر تنتهي الى الدمار والانهيار بينما الأسرة لدى غسان تنتهي الى التحرر والانعتاق.
وأنا أرى كأن غسانا أراد أن يقدم للمثقفين والدارسين والنقاد والمتحذلقين بنية روائية مثقفة مركبة حديثة متحذلقة تحديا لهم وتشكل معارضة لبنية الرواية لدى فوكنر!.. وإذن فهي في تقديري أشبه بالمعارضات في مجالات الأدب والشعر!
ولا ضير على المعارض من استعارة العديد من الإنجازات الشكلية وأقول التشكيلية لأنه سيلجأ حينذاك الى إعادة صياغتها من موقعه هو وزاوية رؤيته هو وموقفه هو وفكره الفلسفي الاجتماعي الواعي هو.. وحواره هو معها.
لقد أعاد غسان تشكيلها وعجنها وخبزها مع <<خصوصيته الفلسطينية>> على حد تعبير الدكتورة رضوى عاشور التي تقول في هذا الصدد:
<<.. كان غسان كاتبا واعيا بحرفته.. وجريئا في إقدامه على التجريب الشكلي.. ولكن هذا الإقدام لم يتخذ شكل المغامرة غير المسؤولة.. لقد استخدم تيارات الشعور المتداخلة في روايته <<ما تبقى لكم>> فجاءت الرواية إنجازا شكليا استقبله العديد من النقاد بالترحيب!>>.
وقد كان غسان نفسه يرى في هذه الرواية قفزة من ناحية الشكل.. ولكنها أثارت في الوقت نفسه تساؤلات لغسان: لمن يكتب غسان؟ فهذه الرواية لا يستطيع قراءتها إلا نفر قليل من المثقفين العرب.. فهل تراه يكتب من أجل أن يقول أحد النقاد: غسان يكتب رواية جديدة.. أم تراه يكتب من أجل أن يصل الى الناس.. ومن أجل أن تكون هذه الرواية شكلا من أشكال الثقافة الموجودة في المجتمع العربي والتي من واجب المثقف التعامل بها مع الناس؟ إنه ليس مفتونا بها بالدرجة الأولى.. ولكنه يقول إنها مهمة في حياته الأدبية لأنها أثارت لديه هذا السؤال الحار وهذا الحوار المشتعل.. وقد أجاب عن السؤال في روايتين صدرتا بعد رواية <<ما تبقى لكم>>.. هما <<عائد الى حيفا>> و<<أم سعد>>.. حيث نهج فيهما نحو التبسيط الذي يهمه أمره قبل أن يهمه أمر تحقيق إنجازات في الشكل.. لأنه السبيل الى الوصول للقارئ العربي:
<<.. ففي المرحلة التالية.. إذا استطعت أن أقول الأشياء العميقة ببساطة فأكون في الواقع راضيا عن تطوري لأنني أعتقد أنه ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة.. والإنجاز الفني الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان أن يقول الشيء العميق ببساطة!>>.
إن غساناً أحس بخطورة ما أقدم عليه حين تحدى إعادة تشكيل الإنجازات الشكلية الأوروبية ليمزجها في إيقاع عربي فلسطيني خاص.. ويخرجها من دائرة العبثية الى مجالات الواقع الموضوعي والظروف الحياتية المؤاتية!
لقد استطاع غسان بمعارضته وتحديه أن يطوع الحديث الداخلي والإيقاع الذي ينبض في النفس الداخلية والتداعي وتلاقي النبض الخارجي وتقاطعه مع النبض الداخلي.. هذا التيار.. تيار الشعور الذي اتخذه الكتاب الأوروبيون في النصف الأول من القرن العشرين واشتهر به جيمس جويس وفرجينيا وولف. حيث استطاعوا به اختراق الواقع النفسي والفلسفي للإنسان الأوروبي المأزوم <<في ظل رأسمالية القرن العشرين>>.. أجل لقد استطاع غسان أن يسخر تيار الشعور لخدمة أهداف الفن الجماعي والفن الواقعي ما دام الفرد لدى غسان هو ضمير الجماعة..
وقد عاد غسان لهذا الأسلوب في روايتين من رواياته التي استشهد قبل أن يكملهما وهما (الأعمى والأطرش) و(العاشق). وتقول رضوى في هذا الشأن:
<<.. استخدم غسان أسلوب تيار الشعور في رواية (الأعمى والأطرش) لأن الرواية تقدم لنا وجهتي نظر أعمى وأطرش.. والعزلة مفروضة على كليهما بسبب عجزه.. إن عزلة هاتين الشخصيتين تجد تعبيرا موفقا في هذا الأسلوب.
أما رواية (العاشق) التي لو اكتملت لربما صارت من أعظم أعمال غسان فتقدم لنا صورة الكادح الفلسطيني الذي شارك في الحركات النضالية في البلاد طوال الثلاثينيات.. والعاشق كشخصية إنسان متفرد ومميز ومستوحد، ومن هنا فتقديمه من خلال تيار شعوره مناسب تماما ويتداخل هذا الأسلوب طوال الرواية مع أسلوب السرد التقليدي على لسان الراوية العارف بكل شيء. ويعكس تداخل الأسلوبين تفاعل الذات مع الموضوع اللذين يخلقان معا العالم الموضوعي للرواية.. لقد قدم غسان في كل من (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) رسالة محددة في شكلها وتقدمية في مضمونها الى أبناء شعبه.. ألا وهي عقم الخلاص الفردي وعقم الاستمرار في سجن الماضي>>.
ونحن نقول إن هذه الأساليب.. التيار الشعوري وسواه.. يستطيع أن يستعملها أي كاتب في أية مدرسة أدبية.. فإذا كان رومانسيا استعمل هذه الأساليب من موقعه وموقفه وزاوية رؤيته وفكره الاجتماعي.. وإن كان واقعيا استعمله من موقع آخر وموقف آخر وزاوية أخرى وفكر اجتماعي مغاير.. وكل فرد له عالمان خارجي وداخلي.. والعلاقة بينهما في نوعها تتحدد بتحديد المواقف التي يصدر عنها الفرد أو تصدر عنه.. والعلاقة بين الخاص والعام موجودة على الدوام لدى جميع الشخوص.. ومحاولة الإنسان المد في بعده الذاتي ليصل الى الإنسان الكلي يحتاجا إيقاعا داخليا وإيقاعا خارجيا.. يحتاج الى النبضين!
ومن هنا نقول إن تيار الشعور ليس وقفا على فئة من الكتاب دون غيرها! ولا على مدرسة إبداعية دون غيرها.
ولعلنا بهذا نكون قد أثرنا مواطن للحوار في رواية (ما تبقى لكم) ورواية (رجال في الشمس) ولم نعمد الى التلخيص الذي يخل بقيمة العمل الإبداعي.
ولعلنا لحظنا أن غسانا في هاتين الروايتين قد ابتدأ من البؤرة من حيث بنية الرواية.. فقد فجر الحدث في قلب العمل.. ثم بدأ يمتد ويلقي بخطويه ويفتح قنواته ويشق دروبه ويشير الى أسهم السير ويضيء الأخضر والأحمر أحيانا في تقاطع الخيوط والتقاء الدروب.. وإذا نحن أمام شبكة من الشخوص والأماكن والأزمنة والأحداث.
هذا الانطلاق من البؤرة الساخنة يحمل في ذاته حرارة المواقف الدرامية.. ولكن غسانا رغم كل هذا يظل قصاصا روائيا وليس مسرحيا. وإن تكن الفنون الحديثة تأخذ بقدر من كل نفس إبداعي ونبض فني أو إيقاع أدبي، إنها إحدى ملامح الأدب الحديث أن ينتفع الفن الواحد بمقومات الفنون الأخرى.
ولعل اهتمام غسان فتفجر البورة في أول العمل الروائي والانطلاق من الموقف الساخن بعد أن يضعه في دائرة الضوء.. لعل ذلك لعدم قدرة غسان على الصبر أولا.. أو على تسخين الأحداث ببطء.. ثم لعله بسبب موقعه من الواقع الحار المصيري حيث يزج بنفسه دوما في الخط الأمامي من قضايا الإنسان العربي الفلسطيني ولا يقبل أن يتلقى أنباء الأحداث من سواه!
هذا الحضور في الخط الأمامي جعل الابتداء بالبؤرة لتكون المنطلق في روايات غسان.. بل لعل تبادل الحضور هو الذي أخفى علينا أي الحضورين سبق الآخر.. والأغلب أن العلاقة بين الحضورين جدلية!
ولعل التمرس بالكتاب والكتابات الواعية قد دفع بغسان الى الفعل والممارسات المتقدمة! ثم أصبحت المسافة بعد ذلك ملغاة!
من أجل ذلك نرى أنه ابتدأ بالموقف الحار.. موقف المواجهة.. وقد توحد بالأرض.. بالصحراء.. وأعانه هذا التوحد على الخلاص من الخوف ومن العجز ومن الإحساس بالضياع.
<<.. وفجأة جاءت الصحراء.. رآها لأول مرة مخلوقا يتنفس على امتداد البصر.. غامضا ومريعا وأليفا في وقت واحد.. واسعة وغامضة.. ولكنها أكبر من أن يحبها أو يكرهها.. لم تكن صامتة تماما وقد أحس بها جسدا هائلا يتنفس بصوت مسموع.. وفجأة انتابه الدوار وهو يغوص فيها.. وأخذ يغوص في الليل مثل كرة من خيوط الصوف المربوط أولها الى بيته في غزة، طوال ستة عشر عاما لفوا فوقه خيطان الصوف حتى تحول الى كرة.. وهو الآن يفكها تاركا نفسه يتدحرج في الليل: <<كرر ورائى: زوجتك أختي مريم.. زوجتك أختي مريم.. على صداق قدره.. على صداق قدره.. عشرة جنيهات.. عشرة جنيهات.. كله مؤجل.. كله مؤجل>>، ثم أخذت العيون تأكل ظهره وهو جالس أمام الشيخ.. كل الذين كانوا هناك كانوا يعرفون أنه لم يزوجها وأنها حامل، وأن الكلب الذي سيصبح صهره يجلس الى جانبه يضحك من أعماقه بصوت مسموع.. كله مؤجل.. طبعا.. فالمعجل هو جنين يخبط في رحمها. وخارج الغرفة أمسكها من ذراعيها: لقد قررت أن أترك غزة!>>.
بكل تلك الشاعرية.. وكل تلك الصور التي لا تصدر إلا عن رسام.. وبكل هذه البراعة في جعل الشخص الفرد نمطا للمجموع.. ومن هذه البوابة التي تحمل شعار الموقف الاجتماعي.. فجر غسان قضيته السياسية المصيرية بعد مضي ست عشرة سنة على بدء النكبة.. في رواية (ما تبقى لكم) واستخدم كل الأساليب الحديثة متحديا معارضا موفقا متفوقا.
ومضى ينسج خيوطها ويفك حبال الصوت المتكورة.. حتى انتهى بها الى الموقف الحار المتدفق دما.. خيطا من الدم هنا وهناك.. ونزيز الدم يتدافع حول النص:
<<.. هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي لي ولدا أيتها العاهرة؟!.. اسمعيني وقولي غدا إن زكريا قال: إذا لم تستطيعي إسقاط ذلك القواد الصغير.. إذا لم تستطيعي إسقاطه فأنت طالقة.. طالقة.. طالقة.. هل تسمعين؟ طالقة.. وأمامه مباشرة كان صوت آخر ينبع من داخل جسدي ويدوّي هناك مرتدا في رأسي الى ألف صدى كأنه نباح كلب مجروح.. طبّ فوقه برميل معدني فارغ! ليس بوسعنا التخلص منه بعد.. ليس بوسعنا التخلص منه بعد.. وفجأة تكشف لي وأنا واقفة أنه ليس بوسعي أيضا التخلص من زكريا.. وكان حامد يبتعد.. يدق فوق جباهنا خطواته العنيدة بلا رحمة.. فيبدو وقد ذوبه المدى.. ولم يتبق منه إلا أصداء خطواته العنيدة التي لا تنتهي.. آخر قطار غادر المحطة المهجورة وتركنا على رصيفها المحطم.. نستمع الى صوت الصمت المفعم بالغربة والوحشة والمجهول يدق.. يدق.. يدق!>>.
ثم بكل دراية وبراعة يرسم لنا صورتين من المواجهة تتطابقان.. مواجهة حامد في الصحراء للجندي الصهيوني الذي تاه عن دوريته فوقع بين يدي حمد ونزع منه بندقيته ومطارته.. ومواجهة مريم لزكريا:
<<.. وانبثق الضوء فجأة فبدت الصحراء النائمة.. أشد صمتا وانتظارا.. ومن جديد عاد الدم ينساب في عروقي (عروق حامد ومثله في عروق مريم) مرة أخرى. وكان هو (الجندي الصهيوني) قد استسلم الى جانبي مرهقا.. وحاول أن يقف إلا أنه لم يستطع.. فأخذ ينظر إليّ محاولا أن يقول شيئا.. وبادلته النظر ببرود.. وأخذت أمرر نصل السكين فوق حافة حذائي.. فيصدر صريرا متطاولا.. واستطعت أن ألتقط في أعماق عينيه.. خوفا حقيقيا وانتظارا مهيضا بائسا.. كأنه أحس بانتصاري الصغير المتوحد.. وبذل محاولة ليزحف على مؤخرته.. وقلت له ببطء محاولا كل جهدي أن يفهم: لتمت عطشا.. ولكنه مضى يشير بعنقه الى المطارة المعدنية من جديد. وبدا ظامئا حقا.. فتناولتها وهززتها قرب أذني فاصطفق داخلها ماء قليل إلا أنني لم أفتحها. وبعد لحظة قذفتها الى حيث كانت مرة أخرى. ونظرت الى وجهه وشفتيه المفتوحتين تموجان بالغضب المشلول. وقلت له مرة أخرى ببطء: <<لتمت عطشا.. لتمت عطشا.. وأخيرا قرأت على ختم ليلكي صغير في أسفل الهوية.. حروفا لاتينية جاءت واضحة الى جانب حروف عبرية ملتفة على بعضها: يافا، طويت الأوراق بعناية ووضعتها في جيب سروالي.. وجلست أمامه مباشرة.. وكان ينظر إليّ بحذر وترقب محاولا استكشاف خطتي.. ولكن الأكيد هو أنه لم يكن ليستطيع، ذلك أنني أنا نفسي كنت أجهلها.. ثم قلت له: هيا.. كن رجلا طيبا ودعنا نتحدث عن يافا، إن الانتظار الصامت لن يأتي إلا بالرعب!.. لكنه ظل يحدق.. كأنه لم يفهم شيئا!.. هيا! كيف انتهى الأمر بكل ذلك الحي الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية؟!.. وجلست مرة أخرى الى جانبه.. وفرشت أمامه كفي لأقول له إنه ليس ثمة ما بوسعنا فعله.. ولكن بدل أن ينظر إلى كفي.. مضى يراقب السكين التي أخذ نصلها الفولاذي يتوهج في الضوء ملقاة بين قدمي.. فتناولتها وسحبت نصلها من جديد فوق حافة حذائي فانطلق الصرير المحذر كأنه عويل أخير.. وعندها فقط نظر إلى عيني.. ولمحت في وجهه من جديد تلك المسحة الخرساء من الرعب العاجز فأدركت أنه سيكون بوسعي ذات لحظة أن أحز عنقه دون رجفة واحدة.. وأن هذه اللحظة ستأتي لا محالة.. تحت وقع البريق المرعوب في عينيه.. وصرير نصل السكين فوق حذائي.. والشمس اللاهبة التي كانت تجلد مؤخرة عنقي بلا هوادة>>.
ويترك أمر هذه اللحظة للظروف دون أن يحسم أمرها، أجاءت أم لم تجئ في ذلك الوقت.. ولكنه يضع في المرآة الاجتماعية صورة منعكسة عنها.. حيث تقوم مريم بحسم الأمر.. وتتخلص من زكريا:
<<.. كان النصل مندفعا من بين كفي المحكمتي الإغلاق، وأحسست به حين ارتطمنا يغوص فيه.. كان النصل يغوص في عانته فوق فخذيه مباشرة.. وحاول أن ينتزعه إلا أن كفيه اللتين أخذتا تزرقان وترجفان عجزتا عن الإمساك بالمقبض.. فانحنى واستند بذراعيه الى الطاولة فيما أخذ الدم يبلل سرواله وينتشر قانيا لامعا فوق ساقيه.. ثم شخر كأنه يصحو من نومه.. وتناهى إليّ صوت نزيز الدم يتدافع حول النصل.. ثم انتفض وتساقط وتكوم بين قدمي الطاولة.. وأضاء شعاع الشمس الضيق المتسرب من النافذة خطا رفيعا من الدم يزحف برأس مدبب.. وسط بلاط المطبخ الناصع البياض.. ودوى صوت الصمت فجأة.. حين أخذت الكلاب خارج النافذة تنبح نباحا مسعورا لا ينقطع، ولم تصمت إلا حين جاءت خطواته مثلما كانت دائما خارج ذلك النعش المعلق فوق الجدار (الساعة): تدق في جيبي إصرارها القاسي الذي لا يرحم.. تدق فوقه مكوما هناك قطعة من الموت.. تدق.. تدق.. تدق>>.
أترى كيف كان غسان وأبطال غسان حينذاك يستجيبون لحركة الظروف الموضوعية المؤاتية؟
أتراهم كيف لم يكونوا حينذاك يعرفون ما هي الخطة.. تلك الخطة التي لم تنكشف لهم إلا في المرحلة الثالثة من مرحلة الحركة الفلسطينية ومن مرحلة المسيرة الروائية في إبداع غسان؟
أرأيت كم كان الانتظار الصامت مقيتا.. لا يثمر إلا الرعب؟!
وهكذا رأينا أنه لا شيء يعوض عن الاتصال المباشر بهذا الإيقاع النابض في العمل الروائي الغساني وحواره.. حيث نشاهد فيه براعم <<الانتصار الصغير المتوحد في الحالين>>.. الحال السياسية.. والحال الاجتماعية.. والعلاقة بينهما جدلية
جدلية.. ولكنه بداية تفجير للتخطيط والتوعية والتعبئة من أجل انتصار كبير كبير لحركة تحرير .شعبية تحمل عبء القضية

 

<<أم سعد>> ..سر المعادلة الفلسطينية الصعبة!

 

علي الكردي

لكأن الأمس يشبه اليوم.. ودورة الزمن تنغلق على نفسها، لكن هذا الأمر هو من ظاهر الأشياء، فيما تبدو المسألة في العمق أكثر تعقيداً وتركيباً، وإن كان الجوهر واحداً، فتراكم الزمن والخبرات والانكسارات والانتصارات، والتواءات التجارب وصعودها وهبوطها، لا بد أن يضيف تراكماً إلى حياة الأفراد والشعوب على حد سواء.
خطرت في ذهني هذه الفكرة، وأنا أستعيد قراءة رواية غسان كنفاني المدهشة <<أم سعد>>.. حيث راحت تنثال أمام مخيلتي المشاهد اليومية للأحداث الحالية المرعبة، التي حوّلت المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية الى سجون جماعية فظيعة، مسيجة بقضبان الآلة العسكرية الإسرائيلية، المدججة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة التي فرضت حصارها على الهواء والماء والشجر والأرض والبيوت والنساء والأطفال.. فيما جنون هذه الهجمة البربرية الجديدة للمحتل الإسرائيلي بستهدف خنق وكسر روح المقاومة الكفاحية لشعب استعصى على التطويع على مدار أربعة وخمسين عاماً.. رغم كل المجازر والآلام والسجون والنفي والحصارات.
إن تراجيدية المشهد الفلسطيني وأحزانه لم تستطع كسر إرادة هذا الشعب وصموده، ولعل موقف الأم الفلسطينية هو أحد أسرار هذه المعادلة الصعبة، التي يستعصي على الآخرين استيعابها.
يقول غسان كنفاني: <<إن أم سعد ما تزال شامخة، تمشي بقامتها العالية، كرمح يحمله قدر خفي (..) تصعد من قلب الأرض، وكأنها ترتقي سلماً لا نهاية له>>.
ويضيف: <<لقد اختفت أم سعد منذ تفجر القتال. وها هي تعود وكأنما على إيقاع الهزيمة.. لقد قاتلوا من أجلها، حين خسروا خسرت هي مرتين، تراها ماذا ستقول الآن؟ لماذا تجيء وكأنها تريد أن تبصق في وجوهنا؟ كيف تراها رأت المخيم حين غادرته هذا الصباح؟>>.
لقد طرح غسان كنفاني قبل أكثر من ثلاثين عاماً حزمة من الأسئلة الصعبة الإشكالية عن مدى علاقة هذه الأم المعطاء، التي تمثل روح الأرض وصمودها وكينونتها بأبنائها ومحيطها.. ولما كان السؤال يحمل في طياته نوعاً من الشك والإدانة والاتهام لشريحة المثقفين السياسيين الذين وقفوا عاجزين أمام وقع الهزيمة المر.. كانت أم سعد بصدرها الرحب، ورؤيتها العفوية الصادقة العميقة تنظر الى ما خلف الأشياء.. وتسخر من <<المختار>> الذي أراد المساومة مع سعد ورفاقه، فطلب منهم توقيع تعهد كي يتوسط لهم للخروج من السجن، فردوه خائباً على وجهه.
تقول أم سعد: <<أتحسب أننا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع يا ابن العم! المخيم حبس، وبيتك حبس، والجريدة حبس، والراديو حبس، والباص، والشارع وعيون الناس..