"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

عدد مجلة الهدف الخاص الصادر في تموز 2002
في ذكرى استشهاد غسان كنفاني

 

الافتتاحية

غسان كنفاني الرجل والقضية

لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟
وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى:
لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
أبو الخيزران <<رجال في الشمس>>
غسان كنفاني
(لمحات من سيرة غسان مقتبسة من موقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)
تصادف يوم الاثنين 8 تموز (يوليو) 2002، الذكرى الثلاثون لاغتيال غسان كنفاني، الأديب المناضل، السياسي الباحث، الصحافي الرسام، الذي جمع في شخصه مواصفات عديدة وشكل ظاهرة مضيئة في سيرورة الثقافة الفلسطينية لدى بحثها الدائب عن مكانها تحت الشمس.
لهذه الذكرى نخصص ملفا ثقافيا يتناول بعض الجوانب التي تشف عنها هذه التجربة المتميزة لذاتها، ولنا جميعا الجوانب نفسها التي جعلتها تجربة يتواصل إشعاعها ليشكل مصدر إلهام للأجيال اللاحقة.
سيرة ذاتية
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا سنة 1936، نزح مع عائلته الى دمشق في 1948، وعاش عيشة قاسية، لكنه أقبل على الدراسة ليلا حتى نال الشهادة الثانوية وعمل مدرسا للتربية الفنية في مدارس وكالة الغوث في دمشق.
في 1956 سافر الى الكويت حيث عمل مدرسا للرياضة والرسم، وأثناء العمل انتسب الى كلية الآداب في جامعة دمشق وأعد دراسة لنيل الشهادة الجامعة عن <<العرق والدين في الأدب الصهيوني>>.
في 1960 غادر الكويت الى بيروت ليعمل محررا في جريدة <<الحرية>>، كما عمل في جريدة <<الأنوار>> ومجلة <<الحوادث>>، ورئيسا لتحرير <<المحرر>>.
في 1969 أسس جريدة <<الهدف>> الناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبقي رئيسا لتحريرها حتى استشهاده.
اغتالته المخابرات الإسرائيلية في 8 تموز (يوليو) 1972 بتفجير سيارته أمام منزله في الحازمية بيروت، واستشهدت معه ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 عاما).
نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته <<ما تبقى لكم>>.
نال اسمه جائزة منظمة الصحافيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975.
منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.
من أعماله:
روايات:
رجال في الشمس بيروت، 1963.
ما تبقى لكم بيروت، 1966.
أم سعد بيروت، 1970.
عائد الى حيفا بيروت 1970.
الشيء الآخر صدرت بعد استشهاده، بيروت 1980.
العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (روايات غير كاملة نشرت في مجلد أعماله الكاملة).
مجموعات قصصية:
موت سرير رقم 12 بيروت، 1961.
أرض البرتقال الحزين بيروت، 1963.
عن الرجال والبنادق بيروت، 1968.
عالم ليس لنا بيروت، 1970.
الدراسات:
أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 1966 بيروت، 1966.
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال بيروت، 1968.
في الأدب الصهيوني بيروت، 1967.
ثورة 36 49 في فلسطين، خلفيات وتفاصيل وتحليل.
مسرح:
الباب ومسرحيات أخرى بيروت، 1964.
ظهرت أعماله الكاملة في أربعة مجلدات تشمل: الروايات، القصص القصيرة، المسرح، الدراسات.
لمحات عن سيرة غسان كنفاني
نشأته وحياته
والده:
خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء، وبما أن والده لم يكن مقتنعا بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لابنه أن يكون تاجرا أو كاتبا أو متعاطيا لأي مهنة عادية، ولكن طموح الابن أبى عليه إلا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية، صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع، فما كان عليه إلا أن يتكل على جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته، فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذي يرسله له والده ويشتري بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ويشارك بعض الأسر في مسكنها، الى أن تخرج محامياً، وعاد الى عكا ليتزوج ابنة أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب، وليبني مستقبله هناك.
وكافح هناك وزوجته الى جانبه تشد أزره وتشاركه في السراء والضراء ونجح، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين، واعتقل مرارا، كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية.
وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوما بيوم وكانت هذه هي أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة، وينقلها معه حيثما حل أو ارتحل، وكثيرا ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع الى ذكريات كفاحه، فقد كان فريدا بين أبناء جيله، وكان الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلا لنا يحتذى.
هذا هو والد غسان كنفاني الذي له بدون شك أثر كبير في حياة ثالث أبنائه غسان.
غسان الطفل:
هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الإجازة والأعياد في عكا، ويروى عن ولادته أن أمه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل الى سريرها قبل أن تضع وليدها، وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك، وحدث هذا في التاسع من نيسان عام 1936.
كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا، ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات، فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب، وقد شهد أول حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التي بدأت هناك اثر قرار تقسيم فلسطين، لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم الى عكا وعاد هو الى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى أن كانت إحدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جرى الهجوم الأول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في أطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والأطفال إذا اقتضى الأمر.
وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها الى عكا وكانت الصور ما تزال ماثلة في الأذهان. في هذا الجو كان غسان يجلس هادئا كعادته ليستمع ويراقب ما يجري.
استمرت الاشتباكات منذ المساء حتى الفجر، وفي الصباح كانت معظم الأسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن الى لبنان، فوصلوا الى صيدا، وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتا قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في أقصى البلدة على سفح الجبل، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية إذ إن والدهم لم يحمل معه إلا النزر اليسير من النقود فقد كان أنفقها في بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا، وهذا البناء لم يكن قد انتهى العمل فيه حين اضطروا للرحيل.
من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين الى حلب ثم الى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق، وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان في طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كان الجميع يكتشف دائما أنه مشترك في مشاكلهم ومهيّأ لها دون أن يبدو عليه ذلك.
غسان اليافع:
في دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة، أبوه المحامي عمل أعمالا بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعا أكياس الورق، ثم عمالا، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي الوقت نفسه كان غسان يتابع دروسه الابتدائية.
بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتبا لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحيانا التحرير، واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة، وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.
وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته فايزة التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير على حياته. وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين، وبالذات في مدرسة الإليانس بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي. وذلك بالإضافة الى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.
وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب، وما يذكر أنه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجا مع والده الذي كان يحرص على إنهائه لدروسه الجامعية، وهو كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وإخلاصه لرغبة والده.
في أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه، وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد، الذي يبدو غير معقول، على القراءة، وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق، كان يقول إنه لا يذكر يوما نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستمئة صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة.
وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسيا بتوقيع <<أبو العز>> لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل في العراق.
في الكويت كتب أيضا أولى قصصه القصيرة <<القميص المسروق>> التي نال عنها الجائزة الأولى في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت أيضا، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة، مما زاده ارتباطا بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، وتفاخر بها أمام رفيقاتها، ولم يتأخر غسان عن ذلك إلا في السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله.
عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة <<الحرية>> كما هو معروف.
غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته لالتقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة <<الحرية>> ثم أخذ بالإضافة الى ذلك يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة <<المحرر>> البيروتية التي كانت ما تزال تصدر أسبوعية، صباح كل اثنين، لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحافي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعا لكثير من المهتمين.
عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دنماركي، كانت بين أعضاء الوفد الدنماركي فتاة متخصصة بتدريس الأطفال، قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولأول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية.
واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة، فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق، ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار وإياها المخيمات، وكانت هي شديدة التأثر بحماسة غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب، ولم تمض على ذلك عشرة أيام إلا وكان غسان يطلب يدها للزواج، وقام بتعريفها على عائلته، كما قامت هي بالكتابة الى أهلها، وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلى في 12/11/1966.
بعد أن تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية، إذ كثيرا ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه.
عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حي المزرعة، ثم الى مار تقلا حيث أقام أربع سنوات، وحين طلب منه المالك إخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بإيجار معقول.
وفي بيروت أصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاما مبرحة تقعد المريض أياما، ولكن كل ذلك لم يستطع يوما أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل، فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل.
ورغم انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الأخيرة إلا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدسا. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره، وكان يقضي أيام عطلته إذا تسنى له ذلك يعمل في حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته.
غسان القضية:
أدب غسان وإنتاجه الأدبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به.
<<عائد الى حيفا>> وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعى وكان ما يزال طفلا يجلس ويراقب ويستمع، ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.
<<أرض البرتقال الحزين>> تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية.
<<موت سرير رقم 12>> استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض.
<<رجال في الشمس>> من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت، واثر عودته الى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصوّر ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتا أنهم قد ضلوا الطريق.
من قصته <<ما تبقى لكم>> التي تعتبر مكملة <<لرجال في الشمس>> يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين، وكان ذلك تبشيرا بالعمل الفدائي.
قصص <<أم سعد>> وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين، في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين، فأخذ يجتمع الى ناس المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها، هذه الدراسة (نشرت في مجلة شؤون فلسطين، ثم أصدرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كراس خاص)، أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتملت منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه <<عن الرجال والبنادق>>.
كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف، فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لأحد العمال وهو يكسر الصخر في كاراج البناية التي يسكنها وكان ينوي تسميتها <<الرجل والصخر>>.

 

جماليات السلاح لدى غسان كنفاني

 

د. ماجدة حمود

بعد هزيمة حزيران بدأ إبداع كنفاني أكثر التصاقاً بهمّ الثورة الفلسطينية، وبأهم تجلياتها: الإنسان والسلاح، وحين نتأمل رواية <<أم سعد>> نلاحظ حضور أوجاع المخيم الى جانب السلاح في معظم فصولها، إذ بات يستخدم لغة جديدة تبدع وتجسد امتزاج الإنسان بالسلاح بصورة فريدة!
يصف لنا نظرة (أم سعد) المرأة البسيطة التي بدأت تعيش وعي الثورة <<ونظرت إليّ مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوءة بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة>>.
عرفت أم سعد الطريق الصحيح لفلسطين، لذلك استحقت هذا الوصف الموحي لنظرتها، الذي يجمع بين النبوءة والحقيقة والسلاح، إنها نظرة المرأة التي بدأت تدرك حقائق الثورة التي تجمع التضحية والسلاح! لذلك قدم لنا لوحة تشكيلية لنظرتها مستمدة من الرمح الذي ينطلق ليحقق نبوءة جديدة، والرصاصة التي تنطلق بسرعة في طريقها دون أن تهتم بالمعوقات، ودقة تصويب البندقية نحو الهدف (الحقيقة) تتحول هذه الأسلحة الى معادل جمالي لنظرة الإنسان الصائبة!
تتحلى مثل هذه المرأة بعقد مبتكر يتناسب والزمن الجديد الذي بدأ يلوح أفقه، إن ذلك العقد هو رصاصة نسيها ابنها الفدائي، ونجدها تدعوه ب(الحجاب) بعد أن تخلت عن ذلك الحجاب الذي كتبه لها الشيخ، ولم ينفعها في شيء! وبذلك تتحول إحدى أدوات الثورة (الرصاصة) الى قوة روحية وجمالية، لن يستغني عنها الفلسطيني سواء أكان امرأة أم رجلاً في الحياة الجديدة!
إن المعاناة التي عاشتها المرأة في المخيم أسهمت في تطور وعيها، فباتت تؤمن بأهمية السلاح في إنقاذ الإنسان والوطن معاً! وقد سبقها الى ذلك الجيل الجديد الذي حمل السلاح وبدأ يواجه الصهاينة، لهذا وجدنا (أم سعد) تتبنى وجهة نظر ابنها (سعد) في ضرورة الثورة، وصارت ترى الإنسان الفلسطيني، الذي لا يحمل سلاحاً، ويرضى بحياة الذل يعيش في سجن، سواء أكان ذلك في المخيم أم في البيت! ولن يستطيع أن يعرف معنى الكرامة والحرية إلا إذا غيّر حياة الذل التي استمرت مدة عشرين عاماً (كتب رواية <<أم سعد>> 1969 أي بعد عشرين سنة من النكبة) لهذا تقول (أم سعد): <<أعمارنا حبس، العشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس..>>.
إن الحياة الذليلة التي يعيشها الفلسطيني في المخيم سجن لن يخرج منه إلا من التمس طريقاً إلى السلاح ليعود إلى فلسطين! فيتحول السلاح عند كنفاني الى معادل جمالي للحياة الحرة!
وهي تصف أهمية البندقية (البارودة) بلغة الفلاحين وأمثالهم الشعبية: <<البارودة مثل الحصبة، تعدي، وعندنا بالفلح كانوا يقولون إن الحصبة إذا أصابت الولد فهذا يعني أنه بدأ يعيش، وأنه صار مضمونا..>> (1).
المرأة البسيطة لا تجد طريقة للتعبير عن انتشار السلاح في المخيم سوى تجاربها اليومية، لذلك كانت البندقية لديها تصيب بالعدوى شباب المخيم كمرض الحصبة، وكي ينفي الكاتب التداعيات السلبية للحصبة، يبرز أهمية هذا المرض معتمداً على الحكمة الشعبية، إذ يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الحياة ويكسبه مناعة، تضمن له الاستمرار في العيش دون أمراض! عندئذ يطمئن قلب الأم على أولادها الذين يحملون السلاح، لأنهم بدأوا يعيشون الحياة الحقيقية محصنين من الضعف كما حصنتهم الحصبة من المرض!
يرتبط حضور السلاح لدى كنفاني بالإنسان البسيط وخاصة الفلاح، لذلك وجدنا مفرداته وأعماله في الحقل تشكل جزءاً من جماليات العلاقة بين الإنسان والسلاح! فحين يعيد منصور البندقية إلى خاله الفلاح (أبي الحسن) نجده يحملها بشيء من الحنين يشوبه القلق على سلامتها، يتفقدها كأنها إنسان عزيز عليه، وهو لا يكتفي بذلك بل يعاملها <<كما تعامل أشجار حقله الصغير، يقصقص عروقها ويسلخ فروعها عنها ليطعم فيها فروعاً أخرى، ويرفعها ويشذبها ويملأ نواقصها حتى تعود كتلة واحدة من جديد>>(2).
يرى كنفاني أن أكثر الناس نضالاً ضد الصهاينة والإنكليز، قبل النكبة، هو الفلاح الفلسطيني، لذلك أصبحت البندقية جزءاً من كيانه، ومصدراً لحياته، نجده يعتني بها، كما يعتني بأشجاره، يدهشنا في هذا التصوير تلك النظرة الفريدة للبندقية التي تنطلق من عالم الفلاح الذي يتعامل معها كما يتعامل مع مصدر عيشه (أشجار الزيتون) وهذا ليس مستغرباً على الفلاح الذي صار يجد فيها مصدراً لكرامته!
كما تلفت نظرنا تلك الصور البسيطة التي تبدعها مخيلة كنفاني التي تستمد عناصرها من مفردات حياة الفلاحين اليومية، فرائحة الرشاش حين يسقى بماء المطر تذكر الفدائي (سعد) برائحة الخبز وقد خرج لتوه من الفرن، تبتكر لنا مخيلة المبدع صورة مؤثرة للسلاح، إذ يتحول، لدى الفلاح (الفدائي) الذي يحمله الي معادل لرغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنه! وما شكل جماليات هذه الصورة أيضاً أنها اعتمدت على حاسة البصر (الرغيف الشهي) وحاسة الشم (وقد خرج لتوه من الفرن) وهي تلبي حاجة أساسية لدى الإنسان (الجوع)، وبذلك يلبي السلاح لدى الفلسطيني حاجة أساسية تعادل الحاجة للطعام هي الحاجة الى الكرامة! فيمتزج لديه ما هو حياتي بما هو جمالي، ليصنع إبداعاً متميزاً!
لعل أنسنة السلاح من أبرز الجماليات التي جسد عبرها كنفاني العلاقة بين الفلسطيني وسلاحه، إذ لم تعد البندقية أداة جامدة بيد الفلاح، بل إنسانا صديقا يحاوره <<أنت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يخطئ.. المهم في الأمر أنك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك إلا من مكان واحد>>(3).
يحيط منصور البندقية بجملة أوصاف تلتصق بالإنسان عادة (الطيبة، الدقة في التصويب، الأمانة..) فهي ليست آلة للقتل وإنما إنسان صديق يؤنس (منصور) في وحشته أثناء سيره في الطريق الوعر الى قلعة جدين، كما يمد يد العون في ساعة الخطر، فيصيب العدو وينقذ صديقه (الأستاذ معروف) وهي أمينة لا تخون صاحبها!
لعل أنسنة السلاح تبلغ أقصى جمالية ممكنة في هذه الصورة، حين يتحول عضو من أعضاء الإنسان الى أداة من أدوات المدفع، كما حصل لسعيد الحمضوني حين وضع يده في ماسورة المدفع ليصلحه فيصبح قادراً على العمل بعد أن تعطل أثناء قتال الصهاينة! لذلك لن نستغرب أن يربط <<الناس صورة المدفع بوجه سعيد الحمضوني المربع، ولم تعد تجد من يفصل هذا عن ذاك في حديث الدفاع عن (قرية سلمة) بأن أصبح الآن ضرورة مكملة.. بل أساسية للمدفع، وعندما تحدث الناس عن سعيد كانوا يشعرون أنه أداة من أدوات المدفع المعقدة>>(4).
تبدو عناصر الصورة شكلية تجسد تلاحماً خارجياً بين الإنسان والمدفع! ما إن ينظر الناس في وجه سعيد المربع حتى يذكرهم بالمدفع! كما نجد تلاحماً عضوياً آخر بينه وبين المدفع أقرب الى التلاحم الداخلي، فقد أصبح الإنسان جزءاً أساسياً من أجزاء المدفع، وبذلك يتوحد الإنسان بالسلاح توحداً فريداً من نوعه!
نستطيع القول إن كنفاني جسّد لنا الروح الفلسطينية في لحظة همودها، إثر النكبة، وهي تبحث عن ذاتها وعن السلاح! وفي لحظة تألقها وهي تثبت ذاتها ممسكة به!
لذلك ختم القسم الأول من مجموعة <<عن الرجال والبنادق>> (التي كتبها مع بزوغ الثورة الفلسطينية 1965) بهذه الخاتمة الموحية التي تجسّد لحظة استشهاد والد منصور <<في ذلك الخلاء المبتل كان منصور يقف عاجزاً وهو يرى أباه يموت رويداً رويداً دون حركة واحدة، إلا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه، فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفه وتتوزع في بدن البندقية أيضاً، وأخيراً انتفضوا جميعاً معاً: الشجرة والرجل والمرتينة، ومن وراء غبش المطر الغاضب، ودموعه، خيل لمنصور أنهم ليسوا سوى جثة هامدة>>(5).
يقدم لنا كنفاني عبر هذا المشهد عدة دلالات موحية، فالدم الذي ينزفه الشهيد يغذي جسد البندقية، ليمدها بالحياة، وتتوحد مع الشهيد، فتنتفض في صحوة الموت معه، بعد أن امتزجت بدمه! ويدخل الكاتب الى عنصري الصورة (الشهيد والسلاح) عنصراً هاماً يتوحد بهما هو الأرض الفلسطينية، التي اختزلها الكاتب بأحد رموزها الأساسية (الشجرة) لذلك نجد الصحوة تجمع الفلسطيني والسلاح والأرض كما تجمعهم لحظة الموت! فلا حياة للفلسطيني بعيداً عن الأرض والسلاح! كما لا حياة لهما بعيداً عن الشهيد!
هكذا أرّخ لنا كنفاني للإنسان الفلسطيني، وهو يسطّر أنصع صفحات حياته، وهو يحمل سلاحه، فيحقق توحداً رائعاً مع فلسطين!

 

ذكريات مع غسان كنفاني

 

عبد الرحمن غنيم

لو عدنا بذاكرتنا التاريخية إلى الوراء، وحاولنا أن نتذكر العمليات التي نفذها الموساد الصهيوني منذ العام 1948م وحتى الآن، فسنجد الوقائع الأساسية التالية:
هناك واقعتا اغتيال الرائد مصطفى حافظ في غزة وكان قائداً لكتيبة الفدائيين التي تشكلت عام 1955م، وفي موازاتها أيضاً كانت عملية اغتيال المقدم صلاح مصطفى في السفارة المصرية في الأردن، وكان يشرف على الفدائيين الذين ينطلقون إلى فلسطين المحتلة، بعد ذلك كانت وقائع الطرود الملفوفة التي أرسلت الى العلماء الألمان الذين كانوا يتابعون برنامج إنتاج الصواريخ المصرية التي عرفناها شفوياً باسم الظافر والقاهر..، بعد ذلك جاء اغتيال غسان كنفاني ليكون بداية سلسلة الاغتيالات التي وجهت لقيادات معينة في الساحة الفلسطينية، حتى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير رحمه الله لم يكن منفصلاً عن واقعة واحدة في سجل نضال أبو جهاد الطويل، هي أنه نجح في إعداد خلية فدائية وصلت الى النقب، وبالذات الى الطريق المؤدي الى المفاعل النووي في ديمونة، وهاجمت سيارة باص على ذلك الطريق، فكانت تلك العملية النوعية بهدفها سبباً للاغتيال.
هذا الأمر يجعلنا نتساءل.. لماذا اختير غسان كنفاني ليكون أول الشهداء الذين استهدفهم الموساد الصهيوني؟ لا شك في أن الموساد الصهيوني قرأ في غسان كنفاني أشياء ربما كانت غائبة حتى عن تفكيرنا وحساباتنا نحن بالنسبة لقيم القادة والرجال!
عرفت غسان كنفاني كاتباً في جريدة المحرر اللبنانية وكنت أراسلها منذ كنت طالباً في قطاع غزة، وكانت تنشر لي فيها مواد ما بين الحين والحين، أحياناً باسمي الصريح وأحياناً أخرى باسم رائد غنيم، حينها كنت أتابع كتابات غسان بعد ذلك، ثم كتاباته في <<الحرية>> وتعرفت عليه بصفة شخصية ومباشرة ربما قبل أربعة أو ثلاثة أسابيع فقط من واقعة اغتياله حين صرت وإياه عضوين في اللجنة الإعلامية ل<<م.ت.ف.>> في بداية تشكيلها في بيروت، وكان رئيس هذه اللجنة الشهيد كمال ناصر.
من خلال لقائي المباشر بغسان، اتضح لي شيءأساسي فغسان ليس من النوع الصدامي في قضايا الفكر والتحالف، إن كان في الجبهة الشعبية أو في إطار حركة القوميين العرب، ومثله أيضاً الدكتور أنيس صايغ يشكلان نمطاً خاصاً من الرجال الذين يغلبون الفكر على العاطفة والذين يبحثون عن القواسم المشتركة في العلاقة مع باقي القوى، أكثر مما يبحثون عن قضايا الخلاف.
مثل هذه العقلية التي تميز بها غسان وتميز بها أنيس صايغ أعتقد أنها كانت تشكل سبباً ملائماً لكي يكون كل واحد منهما هدفاً للاغتيال، ولكي تبدأ عملية الاغتيالات بغسان كنفاني.
ونفس الأمر يمكن أن ينطلق على الشهيد كمال ناصر رحمه الله الذي كان بمثابة حمامة السلام في الساحة الفلسطينية، الرجل الذي يجمع ولا يفرق، يحاول أن يقرب وجهات النظر في كل اللقاءات والاجتماعات في بحث جميع المسائل.
إذن.. نستخلص من هذا أن العدو (وهذا أمر ثابت في استراتيجيته التي تقوم على التشتيت الاستراتيجي، على تفتيت الطرف العربي)، كان يهمه تفتيت العمل الفلسطيني المقاوم، كان يهمه أن تظل هناك أسوار وفصائل متعددة ومتناحرة ومتسابقة، بحيث من خلافاتها هذه ومن تعددها ومن الفوضى التي تنتج عن الخلافات وتعدد الاجتهادات تكون فرص العدو أكبر للنيل من الساحة الفلسطينية، وعلى أساس هذه القاعدة رسم الموساد خططه التنفيذية لتحديد مَن من القادة الفلسطينيين يوضع على قائمة الاغتيالات والتخلص منه أولاً، وبالتالي تجريد الشعب الفلسطيني من الطاقة الفكرية التي يمثلها هذا القائد، ومن القدرة التوحيدية التي يشكلها في الساحة الفلسطينية وفي المرحلة التي نعيش فيها الآن، وصلنا في الواقع الى ظرف يتحدد فيه شرط آخر من قبل الرئيس الأميركي بوش حددهما على أساس رؤية طرحها شارون وطرحتها الجهات المحددة للاستراتيجية الصهيونية، هناك الطلب الأول تغيير القيادة الفلسطينية أو بالأصح تغيير عقلية القيادة الفلسطينية، طبعاً هم لا يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريده الشعب الفلسطيني، وإنما يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريدونه هم والذي يكون بالتالي مستعداً للتنازل والمساومة والتعايش مع الاحتلال بكل شروطه وفق سياسته القائلة بالاحتفاظ بالأرض دون السكان، وهناك الشرط الثاني وهو التخلص من المقاومة، وما يقوم به العدو عملياً على أرض الصراع هو محاولة منه للوصول الى ما يسمونه بالمطلوب رقم (1)، لقد كان المطلوب رقم (1) يحيى عياش كمهندس في صنع المتفجرات وترتيب العمليات، ثم تتالت سياسة الاغتيالات الصهيونية للقادة الفلسطينيين، حتى أصبحنا الآن أمام المطلوب رقم (1) ثم الخمسين ثم المئة وهكذا سيبقى هناك المطلوب رقم (1) ما استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية، لكن على صعيد القيادات الفلسطينية، وعلى صعيد الفكر الفلسطيني.
كان الفاعل في الساحة الفلسطينية غسان كنفاني هو المطلوب رقم (1) لذلك حين نستذكر واقعة اغتيال الشهيد غسان كنفاني، فإننا في الواقع نستذكر كل السلسلة من أولها وحتى النهاية.. هذا إذا كنا قد بلغنا النهاية.. لأن الصراع قائم ومستمر، وفي كل يوم يسقط شهيد وكل هؤلاء الشهداء لهم ما لغسان وغسان كان لهم.. وهم منا ونحن منهم.. وهذه مسيرتنا، وأعتقد أن درس عقلية غسان.. أسلوب غسان.. فكر غسان.. مقالات غسان السياسية والأدبية من شأنها أن تغنينا في تصور ما يجب أن تكون عليه الحال في إعادة ترتيب أوضاع نضالنا الفلسطيني وصولاً إلى أفق أفضل.

 

لماذا اغتيل غسان كنفاني؟

 

يوسف سامي اليوسف

في الثامن من تموز سنة 1972، كنت أزور بعض أقاربي في مخيم الجليل المجاور لمدينة بعلبك اللبنانية. وعند الظهر أو زهاء ذلك، أعلنت أجهزة المذياع نبأ استشهاد غسان كنفاني، الذي امتدت إليه يد الغدر تماما عندما بلغ ذروة النضوج. وحين انتشر الخبر بين الناس شاهدت في الوجوه حزنا لا يبزه أي حزن آخر، من حيث الأصالة والصدق، سوى ذلك الحزن الذي سبق لي أن رأيته في الثامن من نيسان سنة 1948.
لم يقيّض لي أن أشاهد غسان كنفاني، الذي هو أكبر مني بسنتين فقط، ولم أكن قد طالعت سوى النزر اليسير من مؤلفاته قبل يوم استشهاده. ولكنني أدركت فور سماعي للنبأ الفاجع أن الرجل لا بد له من أن يكون كاتبا وطنيا شديد الأهمية وعظيم القيمة، وإلا لما اغتاله أولئك اليهود اللئام، قيوح التاريخ المنتنة، الذين أدمنوا كل صنف من أصناف النذالة والخبث، كما أدمنوا التخطيط للأعمال الخسيسة، والتآمر الحقير في حلك الظلم، ولهذا، فقد رحت أبحث عن مؤلفاته وأقرأ كل ما وقع منها تحت يدي.
وبعد ذلك بمدة من الزمن كتبت مقالة مطولة له عنوانها <<غسان كنفاني روائياً>>، ونشرتها في مجلة <<المعرفة>> الدمشقية، وذلك سنة 1977. ثم نشرت مقالة أخرى في إحدى الصحف، وكانت تدور حول الشعور المأساوي في أدب غسان، وفي عام 1985 جمعت المقالتين معاً في كتيب صغير عنوانه <<رعشة المأساة، دراسة في أدب غسان كنفاني>>، وقد صدر عن دار منارات في عمان. ولست أعرف كتابا مكرسا لغسان قبل ذلك الكتيب الصغير.
ولقد نشرت عدة مقالات صغيرة أخرى حول ذلك الكاتب الشهيد، ولا سيما في مناسبات استشهاده. كما كتبت دراستين مخصصتين لقصصه ومسرحياته، ونشرتهما منذ زمن بعيد. ولكني أعدت كتابة المقالة الثانية المكرسة لمسرح غسان، وسلمتها لمجلة <<المعرفة>>. وفي نيتي أن أضيف هاتين المقالتين الى الكتيب الآنف الذكر الذي أرجو أن أتمكن من إعادة نشره في زمن قريب.
لماذا اغتيل غسان كنفاني؟.. لأنه كان يؤمن بأن دويلة اليهود التافهة ينبغي أن تزول من الوجود. لهذا السبب حصرا امتدت إليه أيدي الصهاينة اللئام الذين تمكنوا من تسخير الغربيين في خدمة مشروع زائف يهدف إلى إنشاء صنف من أصناف الغيتو على شطر صغير من الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. ومن أجل إنجاز هذا المشروع التافه استطاعوا أن يحشدوا جميع القوى العظمى في هذا العالم الخسيس.
فيا له من كيان مصطنع أنجبه كتاب إجرامي سافل اسمه التوراة. يقيناً، إن ذلك الكتاب هو أحقر الكتب التي ألفها الجنس البشري منذ فجر التاريخ وحتى يوم الناس هذا. ولهذا، فإن الغيتو الصهيوني الشاذ لا يساوي عند ذوي الألباب أكثر من قشرة بصلة، كما يقول أهل قريتنا يوم كانت لنا قرية. ففي صلب الحق أنه خرط كلاً من العرب واليهود في محنة لا يلوح في الأفق أي مخرج منها حتى الآن.
ولكن أهم ما في أمر ذلك الغيتو الحقير أنه يعيش على نحو طفيلي مثل الأشنيات. وعندي، أن المصدر الأكبر لتمويله هو ما ينهبه الغربيون من نفط العرب المستكينين للأميركيين استكانة الميت بين يدي الغاسل. لقد كانت ميزانية الغيتو الصهيوني أربعة وستين مليارا من الدولارات سنة 2001، فمن أين جاء اليهود بهذا المبلغ الباهظ؟ ويبدو لي أن حصة الصهاينة من نفط العرب تساوي حصة البلدان العربية كلها من النفط نفسه. ومن اعترض على هذا النهب الفظيع فهو عدو للحرية والحضارة والديموقراطية، كما أنه أصولي وإرهابي يستحق الموت والزوال من الوجود.
ومن الغرائب أنني لا أعرف أحداً قد تنبّه لميزانية الغيتو الصهيوني وللدلالة المريعة التي تنطوي عليها. ولكن الأمر يتلخص على هذا النحو الوجيز: لقد بنيت دويلة اليهود التافهة بإرادة العرب (إن كان للعرب إرادة)، وكذلك على أرضهم وبأموالهم، أي إن الحقيقة هي على النقيض تماماً مما يتبيّن فوق سطح الأشياء. فأية مؤامرة قذرة تلك التي تجري في منطقتنا منذ زمن لا يسعني تحديده تخميناً؟!!
ولا بأس في التأكيد من جديد على أن غساناً قد اغتيل لأنه كان ملتزماً بأفكار التيار الفلسطيني الأصلي الذي يؤمن إيماناً نهائياً بأن اندثار الغيتو الصهيوني وتدميره وإزالته من الوجود هو حتمية تاريخية لا بد منها، ويتوجب على الفلسطيني أن يعمل من اجل إنجاز هذه الغاية العظمى، ولو بعد ألف سنة. وهذا يعني أن على البرامج السياسية الفلسطينية، وهي عندنا موضع ريب، أن تتبنى قضية فلسطين على نحو جذري حاسم، فإما الذكورة وإما الأنوثة في هذا الوضع التاريخي العسير. ولا وساطة بتاتاً. أما الحال الخنثى التي تعيشها القيادة الفلسطينية ولا سيما أولئك الذين هندسوا معاهدة أوسلو الشائنة، فلن تفضي إلا الى مزيد من إذلال الشعب الفلسطيني. ففي أوسلو وقع الفلسطينيون على صك استسلامهم، وهم صاغرون، ولكنه صك وقعه أناس الفنادق.
ولهذا، فإن فكرة التعايش مع اليهود هي فكرة خنثوية جزما، بل إنها مغلوطة من جذورها بكل تأكيد. ففي الحق أن شايلوك يأخذ ولا يعطي، كما أنه لا يتعايش مع أحد، ولا يقبل الفلسطيني الا ميتا أو راكعاً وحسب.. ولقد اثبتت أحداث هذه السنة أن الفلسطينيين ما نالوا سوى الأوهام بعد اوسلو.
اطرحوا هذه الفكرة المخنثة الى سلال القمامة، ونبهوا المستخذين الراكعين أمام اليهود، أقصد أولئك الخنثويين الذين لا أراهم ذكورا ولا إناثا، ولكم صدق ذلك الفيلسوف اليونني حين قال <<أعدل الأشياء المعركة>>.
.رحم الله شهداءنا جميعا والخلود
لكاتبنا الشهيد غسان كنفاني

 

من موقدة البيت إلى موقدة الثورة

 

حسن حميد

إنني على قناعة بأن قراءة غسان كنفاني قراءتان، قراءة لنصوصه، وقراءة لحياته. في الأولى، نجول في عوالم المخيلة، والرؤى، والذات ومواجعها، والناس وحرائقهم الأبدية. وفي الثانية نمسك بيد التاريخ الذي يدلنا على البقع الأرجوانية العديدة بدءا من طفولة غسان في عكا ويافا، ورحلة المنفى الى صيدا وبيروت، ثم حمص، فالشام. وحياة القهر والمغالبة، والسخرية المرة من الأزمنة الباهتة، والظروف المعطوبة باليباس القحل. بكاء الأم الصامت، تآخيها والليل، والشرود الطويل، وقلق الأخت الكبرى فايزة التي تريد اختراع درب لإخوتها غازي، وغسان، وعدنان، ومروان.. ومن ثم حسان.. درب لا التواء فيه أو تورية في زمن صار جوهره الالتواء والتورية. وأب ما زالت عكا تركض في دمه، حقولاً، وناساً، وذكريات، وأمكنة؛ أب تأخذه حمى الاقتلاع تأخذه من دور الى دور وهو في عز صحوه وفتوة الشباب. غسان الذي يجمع أكياس (الشمنتو) الفارغة من أمام البنايات، والبيوت التي تبنى حديثا ليصوغها أكياسا جديدة بمساعدة صمغ أشجار الزبداني، ثم كتابته للعرائض أمام المحاكم، والصبر على الناس وهم يفتحون جروحهم أمامه، والفرجة المؤسية على همومهم الولود يوميا، ثم حلول اللعنة المركبة.. مرة أخرى، فبعد تشرد الأسرة بكاملها من فلسطين الى لبنان الى سوريا، بدأت أعراض اللعنة الجديدة.. تشرد أفراد الأسرة واحدا واحدا في غربة أزلية لا بد منها. تتغرب الأخت الكبرى فايزة.. بصك شهادتها الثانوية، فتترك البيت لتدرّس في بلدة قارة يصحبها أخوها غسان الذي يسوّغ بحضوره هذا الغياب أو يقلل مفاعيله، ثم تتغرب فايزة مرة أخرى الى الكويت وحيدة، ليلحق بها بعد عام أخوها غازي، ثم يلحقها بعد سنوات أخوهما غسان.. وبذلك تنقسم الأسرة الى أفراد.. هنا وهناك، والى أمكنة، هنا وهناك، وإلى عواطف ومشاعر، هنا وهناك، بعدئذ يطير غازي الى أميركا ليدرس الهندسة الزراعية، وتتزوج فايزة بعيدا عن الشام، ويغيّر غسان منفاه من الكويت الى لبنان، وبذلك تتجسد الغربة المركبة.. لتصير هي ثقافة البيت؛ ثقافة النص الذي سيكتبه غسان، ثقافة المقاومة تجاه الزمن الأصفر، الشاحب المتصالح كذبا مع التاريخ، والناس، والمستقبل. ويوغل غسان في الغربة حين يمضي في ذهابه الأخير، في 8 تموز 1972.
(2)
كلما أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب، أشعر بالحاجة الملحة لقراءة نص حياته الحقيقي لقناعتي بأن أحدهما وريث الآخر، وأحدهما طاقة الآخر ومخزونه، وأحدهما متراس الآخر وخندقه، وأحدهما سبب الآخر أو نتيجته. أشعر أن نص غسان كنفاني المكتوب يصير أحلى وأكثر زهوا حين يتداخل وحيوات الأب المحامي، والأم موقد البيت وجمره، والأخت الشبيهة بتلك الأخت الوحيدة للإخوة السبعة في قصص الشطار وحكاياتهم: الأخت الباحثة عن سعادتها طي سعادة إخوتها. لهذا أشعر أن محبة نصوص غسان كنفاني المكتوبة تتضايف اكتمالاً بمعرفة حياته التي عاشها، وتعالقها مع حيوات إخوته ووالديه. وإذا ما كان غسان كنفاني وريثا لشيء من والديه وأخته الكبرى، فإن ذلك يتمثل بالطموح الذي لا يعرف النهايات، لا بل أكاد أقول الطموح الذي لا يعرف الخواتيم قط! ولذلك أرى أن لغسان كنفاني أربعة آباء، والديه، وأخته الكبرى فايزة، وتاريخ حياته المر!
وحين أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب أتعجب حقيقة من قدرته على الامتلاء دائماً حتى ليبدو لي أن كائنات أو خلقاً خفيين يعملون ليل نهار على نص غسان كنفاني ليظل ممتلئا وغنيا بالأسرار والكشوفات الجديدة، أو لكأن الزمن يعمل لدى نص غسان كنفاني يدا تمحو القدم كيلا تصيبه لوثة البلى، ويدا تبقي معنى القدم شاهدا على الابتكار الأصيل، والروح المتجددة، والأبدية البادية.
أقول هذا، وأنا أقرأ نصوص الذين سبقوا غسان كنفاني في الكتابة الأدبية، والأسماء كثيرة، فلا أجد في نصوصهم الحيوية، والغنى، والجمالية، والأبدية المشتقة من الطبيعة كما هي موجودة في نصوص غسان كنفاني. أحس بإحساس عميق أن نصوصهم كتبت عن الماضي؛ عن خلق عاشوا في الماضي وساكنوه؛ وعن أمكنة صارت بعيدة نائية؛ أمكنة لا تلامسها مشاعرنا ولا تحن إليها، وعن تشوفات وأحلام باتت ماضوية، أحس بأنها نصوص لا تورث، وأن ما من أحد يوصي بقراءتها إلا باعتبارها تاريخا، وبدءا لنشأة العمران القصصي الفلسطيني، كما أقرأ النصوص التالية على نصوص غسان كنفاني، فأجد معظمه، والأسماء كثيرة، مصابا بلوثة المناسبة، والتعليق على الأحداث، واستجداء الرضى الآني الكذوب للجريدة المقاومة، والمخيم المقاوم، والزمن المقاوم، وسيد الإعلام المقاوم، ودائرة الإعلام المقاومة، والسقوط المقاوم، والبيتزا المقاومة.. إلخ.
بلى، ثمة أمر مخالف، ونوعي، وسراني تماما موجود في نص غسان كنفاني والذي أشخصه على النحو الآتي:
موهبة إبداعية فذة نادرة الحضور، وإيمان نبيل وعميق بالإبداع، يجسدهما عمل دائب دائم كخزاف أبدي النقش والصقل، وسلوك مشدود الى القيم السامية، وانشداد حاسم أصيل الى حلم أصيل، ووعي ثقيل كالرصاص بآثار التراجيديا الفلسطينية.. لهذا أتساءل هل كان غسان كنفاني يشعر على نحو مبكر بأن الفلسطينين هم يونانيو العرب، وأنه هو شاعرهم هومير؟! بلى، لعل غسان كنفاني كان يشعر بذلك، فلولا هذا الشعور الغامر لما أبدع غسان كنفاني إبداعه الذي يماشي الزمن خديناً له في الأزلية، والحضور، والسطوة، والأهمية والاعتبار. ولولا هذا الشعور لاكتفى غسان كنفاني بأماديح الصحافة اللبنانية ورجالها، إذ لم يكن في تلك الآونة، مساء يعمر بالناس والأحاديث إلا وكان اسم غسان كنفاني جرسا يرن فيها مثل رنين الفضة المعتقة، وما كان يدور حوار أو نقاش حول الأدب في مشرق بلدان العرب أو مغربهم إلا وكان إبداع غسان كنفاني حاضرا كإنجيل أدبي لشعب صغير جدا أنتج زمنه المنهوب مأساة كبيرة جدا! ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالريادة، والمكانة، والأستاذية الأدبية في منفاه الأول في الكويت.. حين لم تكن هناك قصة أو رواية، ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالوجاهة السياسية، والصحبة الطيبة، ورضى أستاذه الحكيم جورج حبش، ولولا ذلك الشعور.. أيضا لاكتفى غسان كنفاني بسطوة المسميات (كرئيس التحرير)، و(الناطق الرسمي) و(مؤسس اتحاد الكتاب والصحفيين)، و(رئيس دائرة الإعلام).. ذلك الشعور بأن شعبه ينهض مرة أخرى وأخيرة، وأنه هو شاعره الذي يعد له موثباته، هو بالضبط ما جعله يصير منجما للإبداع الصافي؛ منجما يتعاون فيه الألم والقهر والحزن والحنين والقلق والخوف والطموح والموهبة من أجل إنجاز الصياغة الأخيرة لدمغة الأدب الكنفانية.
(3)
دائما، ما تحلو لي المقارنة ما بين غسان كنفاني واثنين من مبدعي العرب والغرب معاً، وذلك لما تميز به هؤلاء الثلاثة ولما اتصفوا به من مشتركات كثيرة، هذان الاثنان هما المتنبي، وهمنغواي، وثالثهما غسان كنفاني؛ كلهم أصابهم سهمان، الأول: سهم الغربة، والثاني: سهم الموهبة الراقية والطموح العالي. انظروا الى هؤلاء الثلاثة، واعصروا تجاربهم وحيواتهم، وراقبوا سلوكهم، وادخلوا نصوصهم، واقتربوا من أحلامهم قليلا، وقفوا على تاريخهم.. إن فعلتم ذلك.. فلن تجدوا سوى الموهبة النادرة، والإبداع الصادق والنفس القلقة التي لا تقف عند عتبة، لا بل ستجدون أنهم أورثوا البشرية قرى من الإبداع الشعري والنثري معاً. ثلاثة عقول، وثلاث مواهب، وثلاثة رجال، وثلاث تجارب، لم يقوَ عليها الزمن ولا الحاسدون، ولا الطغاة الصغار إلا بالقتل! لكن، يا للعجب، فلم يكن الموت لدى هؤلاء الثلاثة سوى نقطة انطلاق لخلود حبّروه مساهرة للإبداع الصافي، والقضايا المؤرقة، وإيمانا بالإنسان والإنسانية في آن واحد.
والحق، فإن العين الرائية الى نصوص غسان كنفاني.. تشير الى أنه لم يهتم بالمخيم الفلسطيني كمكان، لقناعته بأنه مكان طارئ، قارب جغرافي ليس إلا، وسهرة ليلة فحسب. ولم يهتم بالبندقية لاعتقاده بأنها أداة ووسيلة، ولم يجسم حضور القواعد الفدائية لأنها خنادق تتلوها خنادق، لأنها حاشية من حواشي الحياة الفلسطينية الجديدة، أو الممتدة أو هي مستلزم من مستلزماتها، ولم يمتدح غسان كنفاني البيوت، أو الطرق، أو الأشجار، أو العواطف والمشاعر والآمال.. إلا لأنها مؤثثة بأنفاس البشر الصادقين. والعين الرائية الى أدب همنغواي وشعر المتنبي تدرك أيضا مدى اهتمامهما بالإنسان ونزوعه الأبدي للوصول الى المشتهى النائي المحلوم.
(4)
ويا للعجب الذي لا يصدق، في زمن لا يصدق أيضا.. أن نقرأ من الذين يكتبون التاريخ الأدبي يريدون طيّ صفحة غسان كنفاني باعتباره ماضويا، كما يريدون المرور بالمتنبي وهمنغواي مرورا عابرا (وهم بذلك أشبه بالذين يعرفون القرى من اليافطات التي تحمل أسماءها فقط)، لكن الحارس الأكبر، أعني الزمن الذي في طالع صفاته: الديموقراطية.. يرفع بيديه مرآتين، الأولى: تري هؤلاء العابرين قاماتهم وصورهم
الحقيقية، فينكفئون على أنفسهم مثل القنافذ.. لضآلتهم. وفي المرآة الثانية: يريهم، أي الزمن، غسان كنفاني بتمام قامته المضاءة لأنه واحد من .الفلسطينيين المتحدرين من سلالة النور

 

ثلاثون تموز..

 

عدنان كنفاني

يقولون إن الولد قطعة من الكبد!.. فهل بقيت في أجساد بني وطني أكباد؟..
تحملني أجنحة طيور من يافا.. إلى عكا، وتزفني إلى الفيحاء..
آه يا حبيبتي المغموسة في قدر العشق، أنت في القلب!.. كنت وتبقين حتى نهاية الزمان..
أشم ريح بردى، ريح البحر.. تراب قاسيون، قشرة برتقالية.. حور الغوطة، شجيرات المنشية..
أحن إلى أصغر عصفور يبيت في قلب سروة.. أو يستظل بخيال ورقة تين..
تحملني أجنحة طيور.. تفتح أمام ناظري صوراً واضحة جلية..
الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تموز 1972 خبر مقتضب بثته إذاعة لندن.. (انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة..).
بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة تطوي تحت عجلاتها الطريق الى بيروت.
أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة!.. أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة..
ولأول مرة في حياتي أيضا أجتاز حدودا بين دولتين بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح.
فتحوا أمامي البوابات، وحملوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرفاتهم الجادة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء...
  
أهمس ويهمس إليّ الحرف.. حتى الحرف يطن في أذني، ساحة مقروءة حية.. ألمس تفاصيلها وأجزاءها الصغيرة الصغيرة.. لم تعد هشة تجلدني بطيوف الأشياء المنسية.
شاب أشقر، ضئيل، عرفت في عينيه السخرية، والهدوء، والقسوة.. يحمله نعل خفيف عبر حارات دمشق القديمة، بستان الحجر، وباب السريجة، يشتري رغيفا بخمسة قروش من فرن المصري يحشوه عزّو حديد بالفلافل والتوابل والمخللات، ويقسمه بيننا بالتساوي.
وجبة سمينة ليوم كامل..
ننطلق عبر السوق المستقيم الطويل الملون برتلين من الدكاكين، الى باب الجابية فشارع البدوي فالشاغور ومنه الى شارع الأمين.. نقف بوجل أمام البناء الأبيض العريض المسور ببوابات حديدية كثيرة وكبيرة..
الأليانس؟.. كنت تلميذا في الصف السادس يوم دخله غسان في الحصة الثالثة لأول مرة، وبعد أن قدمه المدير للطلاب، خرج وتركه <<كما تصورت>> غارقا في حيرة..
فقد لاحظ بلا شك أن قامات مجموع التلاميذ بوقوفهم للتحية أطول من قامته، وأن معظمهم أيضا بمثل سنه أو ما يقارب، وقد لاحظ أيضا كما لاحظت أن بعض التلاميذ أخذوا يغمزون من تلك الزاوية.. تماسك.. وراح يشد على أسنانه بقوة، وعلى قبضة يده.. أمسك قطعة طبشور وأدار ظهره للتلاميذ.. كتب على اللوح بخط كبير وجميل (درس الرسم) وانفتل فجأة على حركة غير عادية أعطته الفرصة للدخول الى الأمر المهم الذي تصورت أنه يناضل للوصول إليه.
شد ظهر الكرسي بقبضة يده الواحدة، وألقى بقطعة الطبشور بعيدا.. وقال:
أعرف أنكم لم تتوقعوا أن يحدث ويصبح مثلي أستاذا عليكم.. هذا أمر لن أتحدث بتفاصيله الآن على الأقل، المهم أنني هنا معكم وبينكم في صف واحد.. قد نكون متقاربين في السن والقامة، والفرق المهم هنا <<وأشار الى رأسه>> كما أنني أملك السلطة، وأستطيع أن أمارسها ببساطة وكما يتطلب الأمر على شكليها.. وأنتم تقررون ذلك.
نظر طويلاً في وجوه الجميع، وكنت طيلة الوقت أجاهد كي لا تلتقي نظراتنا، أتلهى بالنظر في وجوه رفقائي.. لكن أحدا منهم لم يعلق بكلمة أو بحركة.
عاد ثانية الى اللوح، كتب من جديد.. معرض فلسطين للرسم والأشغال.
بعد شهر كامل من العمل المتواصل افتتحنا في الصالة الرئيسية للمدرسة أول معرض من نوعه اشتمل على مجموعة من الرسوم وبعض المنحوتات البسيطة، والكثير من النماذج الفلسطينية التي طلب غسان من الطلاب جلبها من بيوتهم. ملابس أو أوان أو صور.. إلخ، تنتمي الى الفولكلور والتراث الفلسطيني، وكان يكتب بخطه الجميل تعليقات مميزة على كل قطعة.
مثل المعرض بصورته وإنجازاته المتواضعة مثلاً غير مسبوق لأول معرض حقيقي يحمل الطابع الفلسطيني دون سواه، علامة جلية واضحة تحرض ولا تمسح من الذاكرة صورة مستمرة للوطن.
كان غسان يعمل لساعات طويلة يوميا وحتى ساعة متأخرة من الليل، يرسم ويلون ويكتب ويخطط ويصحح رسوم الطلاب ويخلق مع الجميع ساحة حميمة من الألفة والمحبة جعلته خلال وقت قصير الشخصية المحببة والصديق المفضل، والمميز أيضاً لدى الجميع.
  
تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع..
أقل من ساعة ونصل..
تأخذنا المنعطفات الضيقة المتلاحقة، تنساب الطريق الى بيروت على حافة حادة بين جبل درزته الخضرة حتى القمة، وواد سحيق مفروشة عتباته بألوان زاهية.. خضراء وبنية.. صفراء وحمراء.. تتخللها قطعان تتحرك بكسل.. وبيوت متناثرة بينها، تلفظ سحابات دخان باهتة تحمل روائح فياضة.
  
مع بداية العام الدراسي التالي انتقل غسان للتدريس في إعدادية صفد، في باب الجابية.. وكان عليه أن يتعامل مع مجموعة أخرى من الطلاب أكبر سنا.. ومع مجموعة مميزة مخلصة متفانية من الأساتذة الذين كتبت عليهم أقدارهم أن يكونوا المؤسسين الأوائل لحالة استمرار التاريخ والحقيقة الفلسطينية المتواصلة للفلسطينيين في فكر الجيل الذي تنبأت له أدمغة الأعداء أن يكون الجيل المهيأ للنسيان.
ولا شك أن غسان أدرك منذ البداية هذه الحقيقة وأدرك الضرورة القصوى لإبقاء حالة من الغليان لا بد من أن تخلق في ظرف زمان ومكان، متغيرات على شكل ما.
دخل بثقة هذه المرة قاعة الصف السابع، توجه الى اللوح وكتب بخط واضح ارسم منظرا مرعبا.. اجتاحت الطلاب مشاعر متفاوتة.. أحدهم رسم بحرا متلاطم الأمواج، وآخر رسم دبابة أو طائرة وثالث رسم وجه وحش بأنياب طويلة حادة.. وهكذا توالت الرسوم على الطاولة أمام غسان الذي كان يتابع كل رسم بانتباه، ثم يشطب عليه، ويضيف على ذيله عبارة مقتضبة.. <<مخيف.. وليس مرعباً>>.
وحين انتهى الجميع من تقديم أعمالهم، توجه غسان الى اللوح.. رسم دفترا مفتوحا، لونه بالأحمر، وكتب تحته بخط عريض.. دفتر الإعاشة!..
في اللحظة نفسها دخل مدرّس اللغة العربية الأستاذ محمود فلاحة قاعة الصف ليراقب عن كثب ولكثرة ما سمع ذلك الشاب الضئيل الهادئ، النموذج الديناميكي للفلسطيني الحديث الذي استطاع بزمن قياسي ومن خلال تدريس الفنون <<الرسم والأشغال>> المادة الهامشية البعيدة عن اهتمام الفقراء اللاجئين الدائرين حول محيط حلقة فيها ألف هم وألف مشكلة وألف سؤال.. وكيف استطاع أن ينحي شعور الاستسلام السائد، وأن يخلق صورة مختلفة عن الفلسطيني المهزوم والمقهور تنقله وتضعه في مقدمة استحقاقات أخرى أهمها القدرة على الفداء وتجاوز الحالة ورسم صورة جديدة للفلسطيني الفدائي، لم تكن واضحة المعالم بعد..
وقد أسس الحدث الذي شاهده وأدرك أبعاده الأستاذ فلاحة الى نشوء صداقة متينة بينهما أدت في حينه الى إقامة تعارف بين غسان والدكتور جورج حبش ليسيرا معا انطلاقا من حركة القوميين العرب وما بعدها..
  
تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت...
فجأة يصافحنا البحر.. لأول مرة يسكت المذياع..
التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف الى اليمين:
<<الحازمية>>.
ترتجف أطرافي المتحفزة، أتلهف أتوسل لاستقبال مفاجأة الكذبة..
تتوقف السيارة..
يمسك السائق يدي.. يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة.. يقودني عبر الحطام والدمار. يصل بي الى حافة واد عميق الغور، فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض.
في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسان ونصف صدره.. ورأيت شيئا متفحما يشبه الصبية الجميلة <<لميس>>.. وكأنه تحسس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن.
كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم.
فبكيت..
  
في 31/5/1959 اكتشفنا بحزن واكتشف بسخرية مرضه بالسكري..
وهكذا سقطت أمامه الشوارع.. وراحت تزحف مستقيمة الى نهاياتها المجهولة..
لم يعد يذكر الصحراء.. غزاها وانتهى.. كان عليه أن يبدأ سباقا آخر.. لم يجد في العالم الذي مخر عبابه على مدى ست وثلاثين سنة متسعا لرعشات ريشته..
كان الورق أضيق من غزارة قلمه.. والعمر قصيرا.. والسياط تملأ الأمكنة كلها..
لم يدرك أبدا أن الموت وهو يسخر من حقن الأنسولين اليومية، ومن الحمية المنهكة، ومن الخوف المعشش في اللحظات سيأتيه من ها هنا، ليكمل بفعله المأساوي حلقة أخرى متصلة مع حلقات ما زالت تسطر سفر ملحمة، تكرسه أثرا ومعلما.
.رحم الله غسان
كنفاني الشهيد الشاهد

 

ماذا يتبقى من غسان كنفاني؟

 

أنطون شلحت

نص الكلمة التي ألقيت في أمسية خاصة لذكرى مرور ثلاثين عاماً على استشهاد غسان كنفاني عُقدت في مدينة عكا، مسقط رأسه.
أخذت على عاتقي، مساهمةً في هذه الأمسية، أن ألقي بعض الضوء، وليس الضوء كله بطبيعة الحال، على غسان كنفاني الباحث، الذي تصادف في الثامن من تموز الجاري (يوم الاثنين القريب) الذكرى الثلاثون لاستشهاده، وهذا ما سأحاول أن أفعله.
لماذا أقول أحاول؟
لأنه لدى قراءة كنفاني من الصعوبة بمكان إقامة حد فاصل بين نتاجه الأدبي، الذي توزع على <<جانرات>> مختلفة، وبين بحوثه التاريخية والأدبية، وأهمها بحثه التاريخي عن ثورة 1936 وبحوثه الأدبية: <<أدب المقاومة في فلسطين>> و<<الأدب الفلسطيني المقاوم>> و<<في الأدب الصهيوني>>.
وفي هذه البحوث، كما في نتاجه الأدبي عموما، يظهر كنفاني حاملا على كتفيه مشروعا ثقافيا سياسيا يتغيّا جبهتين: الأولى قومية عربية والثانية وطنية فلسطينية.
وإن مقارنة جوهر هذا المشروع بما يجري الآن على الجبهتين ذاتهما تكشف لنا عمق غاياته وضرورته في آن.
يمكن القول إن كنفاني كان مثقفا غرامشي النزعة، ذلك المثقف الذي يتوئم المعركتين السياسية والثقافية، وتبرز هذه النزعة، أكثر شيء في بحوثه السالفة.
لكي نجعل هذا الكلام ملموسا لا بد من ربطه بالسياق العام. من المعروف أن ظهور كنفاني كأديب كان مع روايته <<رجال في الشمس>> (1963)، في مناخ ثقافي وفكري عام شكلت فيه القضية الفلسطينية خلفية بعيدة لهموم النخب الثقافية العربية. وقد نجم عن ذلك استغراق هذه النخب في مفاهيم مطلقة تجرد الصراع العربي الإسرائيلي من محتواه التاريخي والقومي وتختزله في تعبيرات رثائية من طراز <<مأساة فلسطين>> و<<نكبة فلسطين>>، والأدب، الذي كتب برسم ذلك، تمظهر في حقل من دلالة التجريد.
في مناخ كهذا يسجل لكنفاني أنه قاد سيرورة تنزيل الفلسطيني من فضاء التجريد الى أرض التحديد، لا بالمفهوم المباشر التنميطي، بل بمفهوم نقل الفلسطيني من صورة البطل المبهم الغائم الملامح، المؤسطر، الى صورة الشخصية الروائية التي تتحرك ضمن حيز من التاريخ الشخصي، السياسي والاجتماعي والنفساني، فضلا عن التاريخ الجماعي. وهذا الأخير تبدى، على يدي كنفاني، في صيغة ذاكرة حافلة مركبة أكثر من صيغة السجل التنميطي.
مجرد هذا الأمر هو إثبات على أن كنفاني سعى الى ثقافة أخرى تغاير الثقافة المسيطرة، بل وتنقضها، ثقافة لا تنفصل، في الوقت ذاته، عن الممارسة الكفاحية بوصفها إطارا لا استغناء عنه للوعي بالواقع، لناحية إدراكه في محدداته أكثر من أوهامه، ولدى قراءة كنفاني اليوم نكتشف، أولا ودائما، أنه في عمق وعيه كان يدرك أن الثقافة أصل، من عدة أصول، للسياسة وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي.
لعل المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد، لجهة التأني عن الإنسان المجرد والفلسطيني المجرد والاقتراب من الإنسان الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه.
وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي، المتجاوز لما هو سائد، الذي يقطع مع القيم البالية، وإن دراسته حول <<أدب المقاومة في فلسطين المحتلة>> وكذلك دراسته <<في الأدب الصهيوني>> هما دراستان رائدتان بل الدراستان الرائدتان في هذين الحقلين.
في الدراسة الأولى تحددت ريادة كنفاني في تعريف الشارع العربي الثقافي على أدبنا الفلسطيني هنا، وصدق أحد الدارسين حين ذكر أنه قبل هذه الدراسة لم يكن القارئ العربي، من المحيط الى الخليج، يعرف إلا القليل أو لا يعرف أي شيء أحياناً عن أسماء مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. وبدورهم لم يكن هؤلاء الأدباء يدركون على نحو واضح ما يمكن أن يؤديه أدبهم من ديناميكية كبيرة في الاتصال والتواصل مع العمق العربي.
أما في الدراسة الثانية <<في الأدب الصهيوني>> فقد برزت ريادته في دخول مناطق ملتبسة هي تلك التي لا تقنع فقط بما يفرضه الشعار المعروف: <<اعرف عدوك>>.
وبذل فيها ربما للمرة الأولى محاولة مخصوصة تتمفصل على محور اشتقاق معرفة الذات من معرفة الآخر.
بيد أن منجز كنفاني في هذه الدراسة يظهر تبسيطية محاولته المذكورة، حسبما سأبيّن في الفقرات التالية:
في مقدمة كتاب <<في الأدب الصهيوني>> يكتب كنفاني ما يلي: <<قاتلت الحركة الصهيونية سلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي.
كان <<الأدب الصهيوني>> جزءا لا يتجزأ ولا غنى عنه، استخدمته الصهيونية السياسية على أوسع نطاق، ليس فقط لخدمة حملاتها الدعاوية ولكن أيضا لخدمة حملاتها السياسية والعسكرية.
ولن يكون من المبالغة أن نسجل هنا أن الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية، وما لبثت أن استولدتها وقامت الصهيونية السياسية بعد ذلك بتجنيد الأدب في مخططاتها ليلعب الدور المرسوم له في تلك الآلة الضخمة التي نظمت لتخدم هدفا واحدا.
وإذا كانت الصهيونية السياسية نتاجاً للتعصب وللعرقية، فقد كانت الصهيونية الأدبية هي أول إرهاصات ذلك التعصب وتلك العرقية، وسوف نلاحظ أن التيار العصبي العرقي، وتسيس الدين اليهودي عبّر عن نفسه أولا بالأدب، وان هذا الأدب قام، تحت ضغط نمو العنصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بلعب دور دليل العمل لذلك التيار اليهودي المتعصب الذي ما لبث ان بلور نفسه في حركة صهيونية سياسية>>.
ويتابع: <<سنستخدم تعبير <<الأدب الصهيوني>>، في هذه الدراسة للأدب الذي كتب ليخدم حركة استعمار اليهود لفلسطين سواء أكتبه يهود أم كتاب يعطفون، لسبب أو لآخر، على الصهيونية ويخدمونها مباشرة أو غير مباشرة.
وهذا يعني بالطبيعة أن <<الأدب الصهيوني>>، كما سنستخدم هذا التعبير، يشمل الأدب الذي كتب بلغات غير عبرية ومن قبل كتاب غير يهود ما دام ينضوي تحت راية الصهيونية السياسية ويخدم مخططاتها.
ويعني أيضا أننا لن نتقيد بتاريخ ولادة الحركة الصهيونية السياسية علناً في أواخر القرن الماضي كنقطة بدء للدراسة، ولكن سنمضي الى الوراء في تقصي جذور الصهيونية في الأدب الى أبعد ما نستطيع.
وستعتبر هذه الدراسة ولادة الصهيونية السياسية، نقطة تبلور في تاريخ الصهيونية الحقيقي، وانها كانت نتيجة إرهاصات أدبية صهيونية مبكرة ما لبثت ان اندفعت، بعد ولادة الصهيونية السياسية، لتصير جزءا أساسيا منها، وتعمل بانضباط تحت شعاراتها وبتوجيه منها ولخدمة أهداف محددة لها سلفا.
وسنلاحظ أن هذا الانضباط على إيقاع التعاليم السياسية للحركة الصهيونية السياسية يتبلور ويكشف عن نفسه يوما بعد يوم في رواية وراء رواية وقصة وراء قصة، يتضح فيها جميعا ذلك الموقف الموحد من الأمور الذي يجعل الأدب الصهيوني أقرب الى سيمفونية دعاوية وإعلامية أكثر منه الى عمل فني خلاق>>.
طبعا ثمة مبالغة في هذه الأحكام. والحق أن عددا من نقاد كنفاني أشاروا الى ذلك. ومنهم فيصل دراج الذي أكد أن <<ما جاء به غسان في هذا الصدد ليس فيه الكثير من الدقة>>. فما يقول به يرد الى محاكاة المهزوم للمنتصر أو الى ما يسميه <<بداهة المطاولة>>، أكثر مما يحيل على بحث علمي شديد الأناة.
ونقرأ أيضا: أعطى غسان الأدب دورا مبالغا فيه، وأعطى الحركة الصهيونية كلها استقلالا ذاتيا هي غريبة عنه بقدر ما هو غريب عنها. فلا يمكن لبصيرة تاريخية أن ترى في <<الأدب اليهودي>> تاريخا للحركة الصهيونية، مثلما أنه لا يمكن لوعي تاريخي أن يقرأ نشوء الحركة الصهيونية في كتابة الأناشيد والقصص واللغة العبرية الجميلة.
ولماذا نذهب بعيدا، ففي مقدمة كنفاني لدراسته نعثر على إشارة الى ما يمكن أن تستجره من نقد. فهو يقول فيها: <<ان هذه الدراسة تحاول قدر ما تستطيع أن تتجنب السقوط في خطر احتمالين لا بد من وجودهما في ظروفها:
الأول: هو ان لا تحاول التعميم فتأخذ من مصدر واحد أو من موقف جزئي دليلا على ظاهرة متوافرة، أو أن تجعل مما هو عابر شيئا أساسيا، ولذلك فإنها تحاول أن تتلمس الخيوط المشتركة في أكبر عدد ممكن من المصادر المتوافرة.
والثاني: هو أن لا تسوقها حقيقة أنها طرف في الصراع الى نسيان الحد المطلوب من موضوعيتها. ومن الطبيعي أن لا يكون التنبه والتمسك بهذا الحذر دليلا على النجاح في تجنبه تماما، ولكن الإشارة الى أنه كان مراقبا أساسيا في الدراسة يبرر ويفسر>>.
ومع التنويه بما يقوله لا بد من الإشارة الى ما يلي:
لقد اغتيل كنفاني في أواسط ثلاثينياته، واغتياله، في جوهر الأمر، كان اغتيالا لمشروع، ما يجعلنا نقول ان مشروع كنفاني ظل ناقصا، غير مكتمل.
لذا فما من جواب عن السؤال العالق: ما هو الأفق الذي كان سيصل إليه، لو تيسرت له إمكانية إكمال هذا المشروع؟ وربما ان هذا الأمر يثقل علينا نحن من أتينا بعده في الوصول الى مشروع جواب عن هذا السؤال.
مرت ثلاثون سنة على اغتيال غسان كنفاني، وكما في كل ذكرى سنوية نعود الى السؤال: ماذا يتبقى من كاتب <<ما تبقى لكم>>؟ في مقدمته لمجلد الأعمال الأدبية الكاملة لغسان كنفاني أشار محمود درويش الى معضلة حرف العطف الواو الذي يفصل بين مفردتي <<الكاتب>> و<<المناضل>> في التعريف بكنفاني. وتساءل: لماذا لا يتماهى الكاتب في المناضل فيقال الكاتب المناضل بدل الكاتب والمناضل؟ وهي تستعصي العلاقة بين رجل يكتب في سياق نضاله أو لأنه يناضل، ورجل يناضل في سياق كتابته أو لأنه يكتب؟ ولماذا لا يتم ذلك في حالة ساطعة صريحة مثل غسان كنفاني بالذات؟
.لئن كانت هذه المقولة
تعبّر عما كانه غسان كنفاني في حياته ونتاجه فإنها، بالقدر نفسه، تعبّر كذلك عما يتبقى منه

 

الرمز في أدب غسان كنفاني

 

توفيق علي إسماعيل

إن طريقة التعبير، توازي، في الأهمية ما يُراد التعبير عنه. وفي العمل الأدبي الناضج يفرض المضمون الشكل الذي يتطلبه.. فلا يعود هناك، مثلاً، مضمون متقدم مع أسلوب تقليدي، أي لا يعود هناك فصل بين المضمون والشكل.. والتجربة الجديدة تحمل بالضرورة شكلاً جديداً خاصاً بالكاتب نفسه.
قد لا يكون ما قدمه غسان كنفاني على الصعيد الفني شيئا جديدا للغاية وإنما بالتأكيد فرض المضمون على كنفاني الشكل الذي يناسبه.. وهكذا تنوعت أشكال الكتابة عنده، فكان أحيانا يتبع الأسلوب الواقعي المبسط كما في <<أم سعد>> وفي <<عائد الى حيفا>> وغيرهما.. كما كان أحيانا يتبع الأسلوب الرمزي.
إن كنفاني وإن اعتمد على الواقعية الى حد كبير، إلا أن ذلك لا ينفي وجود الرمز في الرواية.
فمعظم رواياته لا تخلو من الرموز التي ترمي الى دلالات معينة، فإذا تتبعنا رواياته، نجد أنها تحفل بالرموز:
فزراعة فرع الدالية الذي يرمز الى أن الأمل يبقى رغم الهزيمة، ففعل (زرع) يشكل وحده الرواية، إذ إننا نرى <<أم سعد>>، منذ البداية، تزرع فرع الدالية، وكلها أمل أنه سيبرعم يوما ما بعكس المثقف الذي يظن أنه جاف ولن يبرعم أبدا. لكن نظرة <<أم سعد>> تكون هي الصائبة وتبرعم الدالية.
هناك أيضا <<أم سعد>> وهي رمز المرأة (الأم الفلسطينية).. إنها تعطي ولديها للثورة.. يقول عنها <<أبو سعد>>: <<هذه المرأة تلد أولادا فيصيرون فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ>>.
فأم سعد هي أم الجميع.. إنها الفلسطينية في داخل فلسطين، وهي أم الفدائي الذي شب على أرض المنفى، هي أيضا الأم الروحية للمثقف الثوري الذي يريد أن يكون ابناً باراً لفلسطين الثورة وفي فلسطين الكادحين.
الرفاق محاصرون، جوعى، منذ أيام عدة.. تمر امرأة فلسطينية عجوز على الدرب. يقول لهم <<سعد>>: <<ها قد جاءت أمي>>، أحد الرفاق يقول له إنه جن لأنه أمه في المخيم. لكن سعداً أصر: <<أنتم لا تعرفون أمي.. إنها تلحق بي دائما، وهذه أمي>>.
ورغم اعتراض رفاقه، وخوفهم من أن تشي بهم العجوز لليهود، إلا أن سعداً يناديها قائلاً:
<<يا يما ردي علي..
يا يما ردي علي..
أنا هون يما..>>
ويتابع.. <<أنا سعد يا يما جوعان>>.
يقترب سعد من المرأة لتحتضنه.. ثم في الأيام التالية تأتيهم بالطعام، وتدعو لهم بالتوفيق وتخبرهم عن اليهود.
عندما عاد سعد الى المخيم قال لأمه إنه رآها هناك..
نخلص مما سبق، إلى أن أم سعد هي رمز المرأة الفلسطينية (الأم).
ومنذ أن كتب د. إحسان عباس مقدمة الأعمال الروائية الكاملة (6) لغسان، والدراسات النقدية تثرى بمتابعة رأي الناقد كمسلمة، وهي أن <<أبو الخيزران>> رمز القيادة الفلسطينية، فقد كان يكفي أن يشير ناقد كبير كالدكتور عباس الى هذه الدلالة حتى تتحول الى يقين رمزي.
يشير د. عباس في مقدمة الأعمال الكاملة الى أننا لو اتخذنا <<أبو الخيزران>> مدخلا لفهم هذه القصة (رجال في الشمس) لما تعذر علينا أن نرى فيه رمزا للقيادة الفلسطينية. وهي تؤدي دورا <<قاتلا>> مغرورا خادعا مخدوعا قائما على المداورة والمراوغة والكذب، فإنها في ذلك شأن <<المهربين>> ممثلي القيادات العربية الأخرى، لافتا الانتباه الى أن فقدان <<أبو الخيزران>> لقدرته الجنسية رمز لعجز القيادة وعنتها في 1948، وظلت مع ذلك، تدعي أنها تستطيع توجيه الفلسطينيين وإنقاذهم، ويمضي الناقد مؤوّلاً كل أحداث الرواية على ضوء هذه القراءة الرمزية لها، مانحاً تحليله أقصى حدود التماسك المنطقي الداخلي للتأويل.
ولكن د. عبد الرزاق عيد له رأي آخر في شخصية <<أبو الخيزران>>: نقول ليس من المعقول من وجهة عامية مسردية، ودلالية رمزية، أن تكون شخصية عادية، مهملة، سائق شاحنة، رمزا للقيادة الفلسطينية، بل إن <<أبو الخيزران>> ذاته هو الذي يصرخ في نهاية الرواية <<لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟.. لماذا لم تقولوا، لماذا..>>.
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: <<لماذا لم تدقوا جدران الخزان، لماذا لم تقرعوا جدران الخزان، لماذا، لماذا، لماذا؟>>.
إذاً كان غسان يتابع د. عيد يريد تعرية القيادة الفلسطينية، وفق قراءة الدكتور عباس، فإن علاقات النص الحضورية، وفق تموضعها في المتن والبناء لا تتيح للمتلقي أن تهتاج في داخله حالة من الذهول لهول الخاتمة التي تتوّج مسار الأحداث. لم يتكوّن شعور السخط نحو <<أبو الخيزران>> رمز القيادة المدانة، سوى في لحظتين، لحظة رميه الجثث عند كومة القمامة، ولحظة عودته الى استخراج النقود من جيوب الجثث، وانتزاعه ساعة مروان، مع ذلك فإن الحيادية الشديدة التي يمارسها منظور السرد عبر (الراوي) تقدم تبريرا لفعلة <<أبو الخيزران>>.
فدافعه، وفق تعليل السرد ذاته، أنه كان يهدف من رمي الجثث بجانب كومة القمامة أن تكتشف عند الصباح، وتدفن بإشراف الحكومة، فقد كان <<لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء، ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات.. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل>>.
وكنفاني هنا إذ يحاول تقديم رواية واقعية بأبعاد رمزية، فإنه يحاول استعمالا جدليا للرمز في ذلك التفاعل الجدلي الذي يقيمه بينه وبين الواقع، محددا عبر ذلك رؤيته التاريخية الاجتماعية، أو بالأحرى موقفه التاريخي الاجتماعي. محاولة لا يمكن الحكم عليها إلا بتتبع آلية إنتاجها تفصيليا.
وفي هذه البنية بالذات، البنية الرمزية لرواية واقعية، يعلن غسان كنفاني موقفه على أنه إدانة كاملة للابتعاد عن الأرض (فلسطين).
وإذا عرجنا على القسم الأول من مجموعة غسان كنفاني القصصية التي أعطاها عنوان <<عن الرجال والبنادق>> مثل رواية قصيرة فالشخصية هي نفسها في القصص الخمس، والحدث يتنامى ويتطور من لحظة لأخرى، حتى يصل الى غايته الأخيرة أو الى خاتمة الرواية.. إلخ. ودون أن ندخل في تفصيلات الفرق بين القصة القصيرة والرواية، نرى أن كنفاني قد اختار أن يضع لكل واحدة منها عنوانا طويلا يشير الى موضوعه الأثير المحبب في أدبه كله: فتحمل القصة الأولى العنوان التالي: <<الصغير يستعير مرتينة خاله ويشرق الى صفد>>.