الفهرس
كلمة مؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة الوطنية
والإبداع
كلمة الكاتب سهيل كيوان
مقدمة - الكاتب يحيى يخلف ، رئيس المجلس
الأعلى للتربية والثقافة في م.ت.ف
مفتتح
الأدب الجيد يخدم القضية
الأبعاد النفسية للأنهيار
شبح الأغتراب
في مواجهة الأغتراب المركب
سنرجع يوماً الى حينا
الدلائل اللغوية
رجال في الشمس فشل محاولة أستنساخ الوطن
الزواج والأسرة
الحدود
ما تبقى لكم ، من أغتصاب ليلى الى تدنيس
مريم
تقابل
أم سعد تحول في دلالة الألفاظ
التحول في دلالة كلمة ( الأوادم )
ماذا تعني كلمة حبس
ألأم مصدر البطولة
الواسطة لم تعد عيباً والهدية ليست خاتماً
الجميع مقاتلون
نحن المشحرين
الحجاب ليس الذي نعرفه
تغير طعم العيشة
عائد الى حيفا ، الأسئلة الفلسفية الصعبة
المسافر الأبدي
الكثافة السيكولوجية
محاولة التخلص من الشعور بالذنب
ما هو السر في جاذبية أدب غسان
شعر في رداء نثري
النهايات الكئيبة
المراجع .
كلمة مؤسسة توفيق زيّاد للثقافة الوطنية
والإبداع
عزيزنا القارئ،
تفخر مؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة
الوطنية والإبداع بأن تقدم، بالتعاون مع
المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، هذه
الدراسة الجادة: " غسّان كنفاني، الجمال
الحزين والعطاء المتوهج "، والتي أعدها
الكاتب سهيل كيوان، إبن قرية مجد الكروم،
والفائزة بجائزة توفيق زيَّاد الأدبية
للعام 2001.
لقد أحيت المؤسسة الذكرى السنوية
الثلاثين لاستشهاد المناضل الفلسطيني
والأديب المبدع غسّان كنفاني، في الثامن
من تموز عام 1972، مذكّرين من خلال ذلك
بالمهر الغالي الذي دفعه ولا يزال يدفعه
شعبنا الفلسطيني، ثمناً لحريته واستقلاله،
وحقه في الحياة الحرة الكريمة. يحذونا
الأمل والثقة من أن هذا الشعب وإن "لم
يقرع الخزَّان" في فترة من حياته – مأساته
– فإنه بالتأكيد " عائد إلى حيفا " بفضل
تضحياته وإصراره على نيل حقوقه.
إننا في مؤسسة توفيق زيَّاد نواصل حمل
الأمانة، وحمل بعض الهموم التي حملها
وحمَّلنا إيّاها راحلنا الكبير توفيق
زيَّاد... مستمدين من تفاؤله وثقته بنفسه
وبشعبه زاداً وزواداً على طريق العطاء
لشعبنا، ورفد مقومات الثبات بتعزيز الهوية
الثقافية الوطنية لهذا الشعب الباقي في
وطن الآباء والأجداد، مرددين مع توفيق
زيَّاد:
إنّا هنا باقون
أديب أبو رحمون
رئيس الهيئة الإدارية
لمؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة الوطنية
والإبداع
8 تموز 2003
كلمة الفائز في احتفال توزيع الجائزة
أيها الأخوة والأخوات بداية ، أود أن أشكر
جميع من حضروا ليشاركونا في هذا الأحتفال
، وذلك رغم أغراء شاشات التلفزيون في هذا
المساء التي تنقل ببث مباشر أحداث
أمريكا التي قد تغير وجه العالم .
حضرة السيد رامز جرايسي رئيس بلدية
الناصرة المحترم حضرة الأخ محمد كنعان
رئيس مجلس مجد الكروم المحلي المحترم
السيدة نائلة زياد ، السيد أديب ابو رحمون
السيد سامي الحاج ، الأخوة المحترمين في
مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية
والأبداع ،النائب محمد بركة المحترم ،
حضرات الضيوف الكرام ، شرف كبير لي أن
أقف على هذه المنصة هذا المساء ، لأستلم
هذه الجائزة الرفيعة ،فباستلامها أكون قد
حققت حلماً جميلاً راودني طويلاً ، لقد
وضعت نصب عيني أن انال هذه الجائزة لما
فيها من قيمة معنوية كبيرة ، فالجوائز
المالية كما تعلمون كثيرة وربما تكون أكبر
باضعاف من جائزة توفيق زياد ، ولكن هذه
الجائزة أكبر بكثير ، فهي شهادة فخر
وأعتزاز وأنتماء .
في هذه الأمسية نذكر الشاعر المبدع
والمناضل الشجاع توفيق زياد وشعبنا أحوج
ما يكون في هذه الأيام الى أمثاله من
القادة والمبدعين ، في العمل السياسي
والأبداع الفني .أيها الأخوة من المؤسف أن
نحتفل اليوم ولما يتحقق حلم توفيق زياد
الجميل والذي قضى نحبه على طريق اريحا وهو
يحاول ملامسة هذا الحلم برؤوس أنامله ،
فما زالت دماء شعبنا تسيل بغزارة ..
وما زالت قوى الشر والعدوان مهيمنة
،وشعبنا محاصر ويعيش العذاب ساعة بعد ساعة
، ولكنه صامد ويدفع ثمن حريته وحتماً
سينتصر .
لقد كان توفيق زياد ملتصقاً بهموم شعبه
حتى النخاع وكان شاعراً موهوباً يستمد
ابداعه من رأس النبع من الشعب ،
أنا من هذه المدينة
من حواريها الحزينة
من شرايين بيوت الفقر
من قلب الثنيات الحصينة
أنا من شارع يوم الأرض
من دوار ايار
ومن ساحات صبرا وشاتيلا
والزقاقات التي
لا تجرؤ الشرطة أن تدخلها
عندما يشتعل الناس غضب .. !!
أيها الأخوة والأخوات ، عندما قررت
الأشتراك في هذه المسابقة شعرت بمسؤولية
جسيمة ، خصوصاً عندما أخترت دراسة أعمال
كاتب شهيد هو غسان كنفاني ،
فالجائزة ارتبطت الآن باسمين كبيرين
ونجمين ساطعين في تاريخ الأبداع الفلسطيني
،أبي الأمين وأبي فايز شهيدي الحركة
الأدبية الفلسطينية ، وأي شرف أكبر من أن
يرتبط اسم جائزتي باسمي هذين النهرين
الفلسطينيين العربيين العذبين ! لهذا كانت
المسؤولية مضاعفة ورهيبة ، وأني أحمد الله
أنني كنت على قدر المسؤولية .
أيها الأخوة والأخوات أعاهد وأياكم أبا
فايز وأبا الأمين المبدعين القائدين
الشهيدين أن نواصل الطريق الذي شقه هذان
العملاقان الى جانب رفاقهما وأخوانهما من
شهداء الحركة الأدبية والأبداعية
الفلسطينية ، ونقول .. لا لن يسقط من
أيدينا علم الأحرار المشرع ، و.. يا شعبي
يا عود الند يا اغلى من روحي عندي ، أنا
باقون على العهد .
المقدمة
بقلم: يحيى يخلف
عبر الأدب الفلسطيني منذ مطلع الستينات
بقوة ، عن مرحلة الإرهاصات التي سبقت
تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومرحلة
الكفاح المسلح ، إذ كتب الأدباء
الفلسطينيون من مواقعهم الجغرافية
المختلفة في إبداعاتهم عن الهوية
الفلسطينية وعن ملامح الشخصية الوطنية ،
وعن التمسك بحق العودة والبحث عن سر القوة
، وعن قسوة المنفى وجحيم الصحراء وعن
ضرورة وجود كيان فلسطيني يلم الشتات ،
ويدافع عن الحقوق ويمثل الشعب الفلسطيني
في المحافل العربية والدولية . ففي داخل
الخط الأخضر ، برزت ظاهرة أدب المقاومة من
خلال معركة الشعراء والأدباء والمثقفين
للدفاع عن الأرض والهوية ، وفي الأردن
بلورت تجربة مجلة ( الأفق الجديد ) التي
كانت تصدر في القدس حركة الأدباء
الفلسطينيين الشبان الذين مثلوا تياراً
يدعو إلى الالتزام بالتعبير عن هموم
ومشاغل القضية الفلسطينية ، وفي قطاع غزة
، كانت هناك حركة شعرية تعبوية قادها
هارون هاشم رشيد ومعين بسيسو ، تدعو الى
المقاومة وتتمسك بالعودة وترفض التوطين
وتشيد بالبطولة ، وتدعو الى التمرد على
الواقع الفاسد .
أما في لبنان فأن الحركة الأدبية
الفلسطينية كانت تتسم بالحداثة والتجديد
وتتأثر بالمناخ السياسي والفكري ، وتغتني
وتتبلور من خلال الجو الديمقراطي ، الذي
كان سائداً في تلك المرحلة كما تتأثر
بالمدارس والتيارات الفكرية الأوروبية
التي تدخل لبنان من نوافذه وأبوابه
المشرعة ، وتعبر عن دقات قلب الشعب
الفلسطيني من خلال الأساليب الفنية
الرفيعة ، ولعل ابرز ما ميز تلك الحركة
بروز الجهود السردية ، وخير من عبر عن هذه
الجهود كان سميرة عزام التي قدمت العديد
من المجموعات القصصية ، وجبرا إبراهيم
جبرا ، الذي كان يقيم في بغداد وينشر أغلب
نتاجه في بيروت ، بل ويتفاعل مع ثقافة
بيروت التي تنزع الى الحداثة والتجريب
والدعوة الى كسر المألوف وارتياد مغامرات
أدبية جسورة .. وأخيراً غسان كنفاني القاص
والروائي والصحافي والمناضل في حركة
القوميين العرب الذي كان بمثابة شعلة تتقد
بالنشاط والحيوية وتخوض من مواقع التزام ،
مغامرة القصة والرواية بجرأة وجسارة .
تقتضي الأمانة أن نحلل على هذا المشهد
الواسع ، ونحن نتحدث عن أدب غسان كنفاني ،
لنرى أن ظاهرة غسان أتت من سياق ظروف
استثنائية كان يمر بها الشعب الفلسطيني
وأتت في اطار نسيج ثقافي فلسطيني يمثل
حالة نهوض فلسطينية بعد كبوة وحالة ضياع
دامت أكثر من عقدين من الزمن …
وسط هذا المشهد يبرز غسان كنفاني ، كنموذج
لجيل النكبة الذي ترعرع في المخيمات
والمنافي ، وذاق من محيطه القومي حلاوة
الانسجام ، ومرارة التباين ، وجرت في
عروقه الدماء الفلسطينية الحارة ، وعرف
منذ وقت باكر أن لا وطن له إلا الوطن
الفلسطيني .
وتعود صلتي الروحية بغسان ، من خلال
قراءاتي لقصصه الأولى التي كانت تنشر في
الملحق الذي يصدر في جريدة المحرر
اللبنانية ( ملحق فلسطين ) ، ومن خلال
قراءتي لروايته العظيمة ( رجال في الشمس )
..
أما صلتي الشخصية به ، فقد بدأت في
السبعينيات ، عندما كنت مسؤولاً عن حركة
فتح في منطقة شمال الأردن ، إذ كنت أرسل
له من خلال شباب الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين ، وبين فترة وأخرى ، كنت أرسل له
قصصي لينشرها لي في مجلة ( الآداب )
البيروتية . وقد التقيت بغسان كنفاني لأول
مرة ، في صيف عام 1971 ، في بيروت ..
التقيت به في يوم قائظ في ذلك الصيف الحار
، في مكتبه في مجلة الهدف الكائنة في
كورنيش المزرعة في بيروت ، وكنت بصحبة
الصديق القاص محمود الريماوي الذي كان
يعمل في الهدف كمحرر ثقافي ..
استقبلني غسان كنفاني بحفاوة وحرارة ودار
بيننا حديث تراوح ما بين السياسة والثقافة
، الشخصي والعام ، الراهن والمستقبل .
كان غسان كنفاني يمتلك عينين مثل عيني
الصقر ، وكان يتحدث بحيوية وكانت ملامحه
وحركات يديه ، تعكس انفعالاته ، وصدقه ،
وحميميته .
والتقيته مرة اخرى في الهدف ، عندما عدت
بعد مدة من الزمن ، لجمع بعض المعلومات
والوثائق من أرشيف المجلة لأستعمالها في
دراسة كنت أتهيأ لإنجازها وكان غسان وقتها
يجتمع مع وفد أجنبي جاء يتضامن مع الثورة
الفلسطينية وكان بابه مفتوحاً وعندما
شاهدني ، أشار لي بالدخول ، وسلم علي
ودعاني للجلوس ، ثم واصل الحديث باللغة
الإنجليزية ..
وكان من الواضح أن الوفد يساري الاتجاه ،
وانه من اليسار غير التقليدي ، وربما من
اليسار الجديد المتأثر بأفكار ماوتسي تونغ
، فقد كان غسان يتحدث اليهم ، وهو يحمل
كراساً بغلاف أحمر ، يحمل مقتطفات من
أقوال ماو..
والتقيت به بعد ذلك مرات أخرى ، كان آخرها
من مكتب الإعلام التابع لحركة فتح في
بيروت ، إذ حضر اجتماعاً للجنة التحضيرية
التي شكلت في تلك الأيام ، من أجل تأسيس
الاتحاد العام للكتاب والصحفيين
الفلسطينيين ، وكان ذلك قبل استشهاده
بأسابيع قليلة ..
أسرد هذه المعلومات ذات الطابع الشخصي ،
لا للتباهي بمعرفة شخصية ثقافية فذه فحسب
، بل من أجل أن أوضح بعضاً من اهتماماته ،
ومشاغله ، فهو ليس الكاتب والروائي
والرسام والناقد فحسب ، وإنما هو الكادر
الملتزم في صفوف الجبهة الشعبية ، الذي
ينشغل بالسياسة وبالشأن الفلسطيني العام
..
فنحن هنا ، كما تعكس هذه الدراسة التي
أعدها الكاتب الصديق سهيل كيوان ، أمام
موهبة فريدة ، كانت تسابق الزمن ، موهبة
عاشت حياة قصيرة ، ولكنها ممتلئة بالتجارب
والرؤى غنية بالتفاصيل الجوهرية ، حافلة
بالدلالات المدهشة .
وقد أسعدني الإطلاع على هذه الدراسة التي
تناولت أدب وحياة غسان كنفاني ( الجمال
الحزين ، العطاء المتوهج ) ، والتي فازت
بجائزة مؤسسة توفيق زياد للثقافة . وقضيت
وقتاً ممتعاً في قراءتها على الرغم من
أنني قرأتها في ظروف الحصار القاسي الذي
نعيشه في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه
الأيام وحملات مداهمة وإعتقال ، وحملات
تجريف وتخريب من قبل قوات الإحتلال
الإسرائيلي ..
أقول ، استمتعت بهذه الدراسة على الرغم
مما كان يحدث خارج منزلي ، وخارج نافذتي ،
وأستطيع أن أطلق عليها صفة الدراسة القيمة
، دون تردد ، ودون أن يكون ذلك من باب
المجاملة .. بل أن هذه الدراسة تستحق
جهداً في القراءة المعمقة ، يعادل الجهد
الذي بذله سهيل كيوان في إعدادها .
وقد أكدت هذه الدراسة ، ما سبق وذهبت إليه
عند حديثي عن غسان في مناسبات شتى ، إذ
كنت أرى ان لقصص غسان كنفاني حياة داخلية
وان شخصياته ما زالت تعيش وتنبض فيها
العروق من خلال تعدد القراءات ، ومن خلال
تعدد الرؤى التي تنظر اليها على الرغم من
مرور الأيام ، وتقادم الزمن .. فأدب غسان
كنفاني يتجدد دائماً بتجدد القراءات ،
وخاصة القراءات النقدية .
فالدلالات والمعاني في أدب غسان كنفاني
تختلف من ناقد لآخر ، ومن قارئ لآخر ، فهي
مثل اللوحات الفنية التي يفسرها المتلقي
تفسيراً معيناً ، ثم يأتي متلق آخر ،
ليسبغ عليها دلالات جديدة .
إن نظرية تعدد القراءات تغني النص ،
وتحوله الى كائن حي ، قابل للتطور ، وقابل
للفهم ، وقابل للغواية الفنية لأنه يحمل
في أعماقه بذرة التجدد والحداثة الدائمة .
قدم سهيل كيوان قراءته الخاصة لغسان
كنفاني ، ومثل ذلك إضافة نوعية لنظرية
تعدد القراءات ، فقد تجنب كما ذكر في
مقدمته تكرار الأفكار السابقة أو الجوانب
التي تطرق إليها من سبقوه في دراسته ،
وحرص في هذه الدراسة على إضاءة بعض
الزوايا الجديدة ، وعلى تعميق وتجذير
وتحسين إضاءة بعض الجوانب الأخرى التي
لامسها الآخرون .
وأنا لا أعتقد أن ذلك كان بهدف الإبتعاد
عن التكرار او بتوخي الأمانة والصدق بقدر
ما اعتقد ان ذلك يندرج في إطار بلاغة
القراءة ، وبلاغة الإبتكار في الرؤية
وبلاغة التجديد التي تطلقها فكرة تعدد
القراءات ..
وهذه الدراسة ، بهذا المعنى ، تمثل عمق
الثقافة التي يمتلكها سهيل كيوان ، وتعكس
خبرته الشخصية في مجالات السرد الروائي ،
وقد تعامل مع نصوص غسان كنفاني برؤية
الفنان الذي يبحث في النص عن جمالياته ،
ووظيفته الاجتماعية ، ولغته ونقدياته
وبنيته ، وشكله ومضمونه وهي رؤية حية ،
فيها الحس المرهف ، والصدق الإنساني
وإستبطان الحلم المشترك .
لقد كتب الكثير عن أدب غسان كنفاني ،
وصدرت عنه دراسات متخصصة ، ورسائل جامعية
، وترجمت أعماله الى العديد من اللغات
الحية ووجدت أيضا تلك الأعمال إهتمام
الدارسين والنقاد في مختلف بلدان العالم
ومع ذلك فثمة ما يمكن أن يقال من جديد في
أدبه وسيرته الذاتية ، ودوره في حركة
الثقافة الفلسطينية ، فضلاً عن دوره في
الحركة الوطنية الفلسطينية .
إن المساحة الجديدة التي أدخلنا إليها
سهيل كيوان تشبه فسحة الأمل ، تفتح أمامنا
عالم غسان كنفاني الرحب ، ولا تغلقه ،
والمدى ما زال في أتساع ، والنص ما زال
مفتوحاً أمام المعاني والدلالات والقراءات
، و(كيفما وليت وجهك في فلسطين ، لا بد
وأن تشم رائحة البرتقال الحزين ) .
مفتتح
بودي أن أوضح أولاً أنه من الصعوبة بمكان
الكتابة عن أدب كُتب عنه الكثير لأن
العملية حينئذ ستشبه عملية طحن الطحين بل
الأجترار ، والكتابة أصعب وأصعب عندما
يكون الكاتب الذي نحن بصدد أبداعه شهيداً
، خط روايته الأخيرة بدمه أمتداداً لما
سبق وقاله بحبره ، لقد كتبت الكثير من
الدراسات عن أدب غسان كنفاني ، وكتب
مقدمة لكتبه كبار الكتاب والنقاد أمثال
يوسف أدريس وجبرا أبراهيم جبرا ، مما يؤكد
صعوبة الخوض في دراسة جديدة لأدبه ،
وعندما أعلنت مسابقة مؤسسة توفيق زياد
للعام 2001 حفزتني على المشاركة ، وكنت في
حيرة بادئ الأمر بين أجراء دراسة عن الأرض
في الأدب الفلسطيني وبين أدب غسان ، في
النهاية أخترت الدراسة في أدب كنفاني ،
بعد أن كنت قد قرأت مؤلفاته مراراً ،
ورأيت أن التخصص في أدب كاتب واحد يعطيه
حقه بشكل أفضل من توزيع الدراسة على عدد
كبير من الكتاب والشعراء ، فقررت أن أدلي
بدلوي وذلك لما لأبداع هذا الكاتب من
مكانة أستقرت في نفسي ، خصوصاً قصصه
القصيرة ذات الحيوية الخاصة والتي كنت
أعود اليها بين فترة وأخرى لأشحذ همتي من
جديد ، ولكي أعيش لحظات من المتعة الحزينة
معها ، تلك المتعة التي يسببها العمل
الفني الراقي وأن كان موضوعه محزناً ، في
كل مرة كنت أكتشف قدرته على أمتاع القارئ
وأثارة دهشته ومنحه الشعور اللذيذ
بالتطهير . لقد حاذرت رغم كثرة ما كتب
عنه أن لا أكرر أفكاراً سابقة أو جوانب
تطرق أليها من سبقوني في دراسته ، لذلك
حاولت أن أضيء بعض الزوايا الجديدة رغم
صعوبة الأمر ، وأعمّق وأجذر وأحسّن أضاءة
بعض جوانب لامسها آخرون على السطح دون
التعمق بها ، والحقيقة أنني أكتشفت خلال
أعادة قراءتي لمؤلفاته أمكانية كتابة
دراسات ودراسات جديدة عن هذا الأدب الجميل
، وأنه بالأمكان دائماً أكتشاف الجديد ،
أما الجوانب التي سبق وتطرق أليها من
سبقوني بتوسع وتعمق فلم أعد اليها ( بقدر
ما وقع بيدي من هذه الدراسات ) . ، وذلك
أبتعاداً عن التكرار وتوخياً للأمانة
والصدق وطمعاً في الأصالة . طبعاً يوجد
أتفاق عام على الخطوط العريضة لأدب كنفاني
، لا يمكن لدارس جدي أن يغفلها ، فالجميع
متفق أنه لا يمكن فصل أدبه عن قضيته
المركزية وسوف نمر على هذا أيضاً . بهذه
المناسبة بودي التقدم بالتحية والشكر
للقيمين على مؤسسة توفيق زياد للثقافة ،
لتحريضهم الكتاب والدارسين على الأبداع
، من خلال أطلاق مثل هذه المسابقة المحفزة
على القراءة والدراسة الجادة التي نحن
بأمس الحاجة لها كتاباً وقراء .
الأدب الجيد يخدم القضية
لقد رفع أدباء فلسطين وبحق شعار ( الأدب
الجيد يخدم القضية ، والأدب الرديء يسيء
لها ) . وقد تغني أشراقة فنية واحدة من
على المسرح أو السينما أو في رواية أو قصة
أو صورة عن عشرات المحاضرات الجافة
والخطب الرنانة ، ولعل صورة محمد الدرة
في الأنتفاضة الأخيرة رغم المأساة الكامنة
فيها عملت ما لم يفلح بعمله عشرات
السفراء والقناصل ودهاقنة الدبلوماسيين ،
ولعل الميزة الأهم التي ميزت أدب غسان
كنفاني هي كون أدبه جاء ناضجاً في لظى
قضية عاشها الكاتب حتى الثمالة بوعيه
وبلا وعيه ، فنبت أدبه ورشف ماء حياته من
ترابها ووحلها وصهدها ، وكانت المرجعية
الأجتماعية والنفسية والسياسية لجل كتابته
، وستكون مضحكة بل مثيرة للشفقة أية
محاولة نقدية مفتعلة تسعى لتخليص بنيان
كنفاني الأدبي من الحوض السياسي
والأجتماعي والنفسي الفردي والجماعي
الذي عاش وكتب غسان في سياقه ، فكان أدبه
كالسمكة في حوض مأساة اللجوء والفقد
والتشرد ، وأن كان يطمح أحياناً بالخروج
من هذا الحوض ، ألا أنه سرعان ما كان يشعر
بالأختناق ، وبمساحة معرفتنا المسبقة لهذا
الواقع السالف ، نفهم وندرك المادة
اللسانية التي استخدمها في تصاويره
الحسية ، ونفهم المنعطفات النفسية التي
تضافرت لأنتاج كتابته . كثيرة هي مدارس
النقد الأدبي القديمة والحديثة للقصة
والرواية ولكن تبقى جمهرة الذواقة هي
صاحبة القول الفصل بنجاح أو فشل التجربة
الفنية لهذا الكاتب أو ذاك ، بأمكان
الناقد أن يقرظ عملاً روائياً ما ، وقد
يعتبره قمة الدقة الفنية بمقياس نظري
معين ، ورغم ذلك قد يفاجأ هذا الناقد أن
الجمهور المتلقي ( رأس مال الكاتب ) لم
يتذوق هذا العمل ، وتوقف مصاباً بالملل
عند الصفحات الأولى منه ، وفي المقابل قد
يهمل النقاد عملاً روائياً لأعتبارات
نظرية ولكن القراء قد يحبونه ، ومن هنا
تنشأ أشكالية الرواية ، فكلما حاولت مدارس
النقد ( تقعيدها ) ومحاصرتها ضمن قواعد
ضبط معينة ظهرت أبداعات خرقت هذه القواعد
وسجلت نجاحاً باهراً ، ويعود هذا لسبب
بسيط وهو أن الحياة ، حياة الأفراد
والجماعات الداخلية لا يمكن تقعيدها أي
ضبطها بقواعد ، في بداية هذا العام _2001
_ألقي القبض على شاب يهودي قتل زميلاً له
ليس بدافع فقر ولا بدافع سرقة أو تجارة
سموم أو شذوذ جنسي ، لقد كان هذا الشاب
أبناً لعائلة محترمة ، وحتى أن والدته
تعمل كأخصائية نفسية ، ووالده أكاديمي
ويوفران له كل متطلبات الحياة ، ورغم ذلك
فقد قتل فتى بريئاً ودفنه وكأن شيئاً لم
يحدث ، الى أن أعترفت صديقته عنه لسبب
تافه وليس لسبب من صحوة ضمير ، وأقول هذا
للتأكيد على أن الأنسان ( موضوع كل رواية
) لا يمكن ضبط تصرفاته ومشاعره وأفعاله
ونمذجة ما يجول بخاطره ضمن قواعد نظرية
ثابتة ، فرب فقير قانع بفقره ورب غني طامع
بالمزيد ، وقد تجد فقيراً متكبراً
متعجرفاً وغنياً متواضعاً بسيطاً والعكس
في الحالتين صحيح ، وبالتالي فأن الحياة
نفسها تحمل متغيرات وتفاعلات وعلاقات
جدلية دائمة لا ثبات فيها حتى للجماد ،
فما بالك بالأنسان وخصوصاً المعاصر المعرض
لموجات الحداثة اللانهائية ، و" الرواية
تحمل متغيرات أبطالها وبهذا تختلف عن
الملاحم التي يكون فيه البطل محدد التصرف
ونمطياً " كما يقول الكاتب والناقد جبرا
أبراهيم جبرا . أذاً فمحاولة رسم قواعد
ثابتة للرواية بشكل خاص هي محاولات مؤقتة
كما ثبت ، فما أن يستقر النقاد على نظرية
من النقد ويحتفون بها حتى يأتي من ينسف ما
سبقه أو يطوره الى أن يُستنفذ ، فما كان
صالحاً قبل قرن فقد بريقه اليوم وألا
لأصبح تكراراً مملاً ، فلا يمكن حصر الفن
في قمقم وألقاءه في قاع المحيط ، لأن هذا
المارد الجبار ( الفن ) سيخرج مقهقهاً
هازئاً في كل مرة ، وقد أثار دهشتي بل
أضحكني الناقد جورج طرابيشي وهو مثقف
كبير في تحليله النفسي الفرويدي لأحدى
الجمل التي تلفظ بها (سعيد حزوم ) بطل
رواية ( حكاية بحار ) لحنا مينة ، فالبطل
يقول " أيتها الحياة يا صاحبتي العزيزة ،
كلانا مسلح بأرادة البقاء والمقاومة ، وأن
كان علي كي تستمري أنت أن أفنى فأن لذلك
شرطاً : أن تأتيني من أمام ، أنا لا أحب
الغدر . كنت بحاراً ولم أكن غداراً ..
حذار لا تكوني ساقطة .. أني لا أحب
الساقطين " وهنا يقول الناقد الكبير في
تحليله " فلنا أن نلاحظ أن الخوف الذي
يعبر عنه من الغدر هو عين الخوف الذي
يساور المرء أزاء شكل معين من الجماع ،
وأن المعنى الوحيد الذي يعطيه للغدر على
أي حال " الأتيان من الخلف " ويستمر
الناقد في تحليله العجيب " ثم أننا لا
نستطيع أن نغض الطرف عن زلة القلم ، فقد
كان يقتضي أن يخاطب الحياة بالقول " لا
تكوني ساقطة أني لا أحب الساقطات " لكنه
آثر التذكير في الجمع فقال " الساقطين "
والحال من هم "الساقطون "؟ أنهم أولئك
الذين يأتون أو يؤتون من الخلف ! أولئك
الذين يؤجرون أقفيتهم " أنهم المخنثون!!
الى هنا ! الروائي وبطله جورج طرابيشي ص
64 . الناقد الكبير أعتبر أن جملة "
أيتها الحياة لا تأتيني من الخلف " هي خوف
البطل من أن يغتصب جنسياً ، أو أن يشتد
لديه الشعور بالمثلية . مع أحترامنا
لأبداعات وتحليلات جورج طرابيشي المتكئة
على فرويد وهي بمعظمها جميلة وتستحق
الوقوف عندها وتستند الى قواعد في علم
النفس ولكنها تصبح سقيمة وواهية في بعض
الأحيان ، عندما تعتمد تفسيرات جنسية لكل
حركة ولفظة يقوم بها الأنسان وأعتبار أن
كل شيء يعود الىالتنازع بين " الأنا وبين
العلاقات الجنسية " ، ففرض مثل هذا
التحليل على جملة كهذه فيه كثير من التعسف
بل هو أغتصاب للمؤلف وللشخصية وللنقد ،
وتحليل كهذا يعني الحرج الدائم والأقتران
الجنسي لكلمات مثل ، خلف ، فوق ، تحت ،
رأس ، دخل ، خرج ، نزل ، صعد ، أنتفخ ،
أمتد ، أنتصب ، ومئات التعابير المشابهة ،
لأن كل هذا سيفسر تفسيراً جنسياً حسب
فرويد وطرابيشي ، ألا يشبه هذا كلام بسطاء
الناس في مجتمع مغلق عندما يتبعون كل جملة
قد توحي بالجنس بقولهم ( بلا قافية )
خوفاً من أن تفسر تفسيراً جنسياً ! لقد
أنحدر النقد ( العلمي ) هنا الى أسفل
سافلين ! وابتعد عن الأدب والفن وحتى
بمفهوم مدرسة الفن للفن ، وما رأي الناقد
أذاً بهذه الأبيات للشاعر سميح القاسم
وأخاف ، أخاف من الغدر
من سكين يغمد في ظهري
ولكني يا أغلى صاحب
يا طيب يا بيت الشعر
رغم الشك ورغم الأحزان
أسمع أسمع وقع خطى الفجر _ الأدب
الفلسطيني المقاوم ص88 غسان كنفاني _
، فهل يفسر الناقد جورج طرابيشي ( السكين
في الظهر ) كما فسر الجملة السالفة ! لقد
فهم غسان كنفاني هذا الشعر على أنه شعر
مقاوم وهذا ما يفهمه الناقد والقارئ
العادي ، فالغدر من وراء الظهر والسكين
بالظهر وغيرها تعابير مجازية واضحة ليست
بحاجة لتفسيرات أضافية حتى في اللغات غير
العربية ، وفي مختلف طبقات وشرائح المجتمع
! وأما التأويلات النفسية التي يدعيها
جورج طرابيشي فأنها لم تفعل سوى الأساءة
للنص نفسه وزعزعة الثقة بمثل هذا النقد ،
بل وبالأشارة الواضحة الىعبثية فرض نظرية
كاملة على نص أدبي بأكمله . لقد سقت هذا
المثال كنموذج لما قد يفعله فرض مدرسة
نقدية حرفياً على عمل أدبي ، وهذا يوضح
أنه لا يمكن حصر عمل روائي في قالب تحليلي
واحد أو نظرية واحدة ، لأننا هكذا نظلم
العمل ونظلم العلم والنظريات النقدية .
كثيرة هي مدارس النقد وخصوصاً بما يتعلق
بالرواية وقد تختلف الآراء النقدية لنفس
الرواية من ناقد لآخر ، يقول ( باختين )
أن "كل رواية أنما هي عالم قائم بذاته
ولها أدواتها النقدية المختلفة عن أية
رواية أخرى ". وتوصل أنه لا يمكن وضع
مقاييس دقيقة تقاس بها الرواية مثل نظرية
رياضية ، فالرواية ما زالت تسعى نحو ذاتها
بدون نهاية ، لأن الحياة نفسها متغيرة
وليس لها ضوابط تقف عندها .
ألا أنه ثبت بما لايقبل الجدل وعلى جميع
الأصعدة العلمية ، أن البيئة المحيطة
بالأنسان لها تأثيرها الحاسم في تطوره بل
في تركيبته العضوية ، ولعل الأكتشاف
العلمي المذهل الأخير الذي أعلن عنه
بأكتشاف الخرائط الوراثية لجينات الأنسان
جاء ليؤكد تأثير المحيط على الأنسان ،
وقال العلماء بصدد هذا الأمر " أن البيئة
التي يعيش فيها الأنسان تؤثر فيه أكثر مما
تصورنا حتى الآن ". ولكن ما علاقة هذا
بالفن والأدب الذي نحن بصدده ! نعم توجد
علاقة مباشرة ، لقد أراد غسان أن يعبر عن
الحياة بكل ما فيها ، ولكن بطريقة فنية
ومن زاوية نظر الفنان وليس كناسخ لها ، "
ثمة خياران أمام الروائي ، أن يتعامل مع
معطى موجود محسوس جاهز ، وبذلك يكتب له
السقوط ، أو أن يتخذ قراراََ بخلق جديد
لهذا المعطى الموجود ، أي أن تكون لديه
القدرة على أعادة خلق الأشياء والموجودات
وبذلك يكتب له أن يرتقي الى مرتبة الفن "
النص المرصود ص 20 سمير لحميدان . هذه
الحياة عند غسان والتي أراد تحويلها الى
نصوص فنية ، هي حياة اللجوء والبؤس
والتشرد وكما قيل من قبل ، من المستحيل
الفصل بين هذا الواقع وكتابات غسان خصوصاً
وأنه قصد ذلك ، ولكن المهم هل نجح بنقل
هذه الحياة فنياً ودون أن يقع في فخ
المباشرة والتقريرية وتكرار نفسه ، وتقديم
ما هو جاهز كما هو ؟
لقد بذل غسان جهداً جباراً لخلق
الأنسجام والتوازن بين الفن والجمال
المتوخى من العمل الفني وبين أبطال قصصه
الحقيقيين الذين رآهم وعاش معهم بشكل شخصي
في المنافي أو ممن تناقلت قصصهم الألسن ،
لكنه لم يكن ناقلاً لحكايات بل كان جزءاً
منها ومتفاعلاً معها لأنه هو نفسه عاش في
أجوائها وكتب قصصه من داخلها ،وبلغة كرة
القدم هو لم يكن مراقباً كلاعب أحتياط لما
يدور على أرض الملعب أو متفرجاً ، بل كان
لاعباً وفي قلب الهجوم ( وهذا سبب قتله )
. فقد كان حريصاً أن يوصل فكرته الى
القارئ العادي لأنه كان هدفه بالأساس ،
ولم يكن يهدف الى أثارة أعجاب النقاد
بكتابة أحجيات أدبية ومتاهات فكرية مغلقة
، فهو مسيطر على أبطاله الذين سيحملون
مادة عمله ، فيعجنهم ويشكلهم من جديد كما
يشاء له الفن ، فلم يكن ليسيرهم حسب
أهوائه الأيديولوجية وما كانوا يسيطرون
عليه لدرجة تحوله الى مرآة لهم ، فقد كان
يلتقي بهم على الطريق الذهبي ، فأخذت
الشخصيات متنفساً لها وأنسابت بحرية
داخلية ، وهذا لا يعني أنه أبتعد عنهم أو
ترك بينه وبينهم مسافة ، بل كان يتغلغل
بهم أكثر وأكثر حتى يلتصق بهم ويتقمصهم ،
ثم يتحدث من دواخلهم ويكشف ويعبر ما يعجز
الأنسان العادي أن يعبر عنه ، فكان تناوله
عميقاً ولم تكن شخصياته مسطحة بل أمتازت
بكثافتها السيكولوجية ، كان يفاجئهم هم
أنفسهم بما كشفه وأستخرجه من أعماقهم ،
ولكنه يشبه الغواص الذي يستخرج اللؤلؤة
ولكنها ما زالت بحاجة لصقل ولتقديمها في
شكل وغلاف جذاب وهذا ما قام به غسان ،
وهذا سر عبقريته الفنية ، الفكرة العميقة
والأخلاص للحقيقة والشكل الجميل ، لا
أستطيع تسمية أدبه البسيط الممتنع ، أنه
العميق الواضح الممتنع ، لم يسع للتخلص
من السياق الزمكاني الأجتماعي العام
للفلسطيني اللاجئ بشكل مصطنع كي ينتج فنه
، بل سعى للألتصاق بالحياة أكثر وأكثر ،
حتى عندما كان هذا البطل غير فلسطيني
(مثلاً كما في قصة موت السرير رقم 12
فبطلها عماني لكنه كان غريباً ومات غريباً
كرقم ) . أنه مثل عصفور يبتعد عن قفصه
ولكنه مربوط به وأن كان هذا الخيط يطول
أحياناً وبالكاد يرى ، فاللغة التي كان
يتجسد بها الأبطال كانت تشير الى المسبب
الأول كما سنرى والذي تسميه د. يمنى العيد
( الحوض البشري الذي ينمو فيه ويحيا
النص الأدبي ) فن الرواية العربية ص 8 .
وكانت نوعية كتابته جزءاً من نتيجة هذا
الواقع ( الحوض البشري ) وبالتالي نتاج
واقع أجتماعي سياسي . ولعل أصعب ما يواجه
كاتب في مثل هذه الحالة هي الكتابة
المعقولة ( أي أن يتقبلها العقل ) في
واقع شاذ لا معقول كما في رواية رجال في
الشمس وعائد الى حيفا وفي معظم القصص ،
غسان بعبقريته وموهبته الأصيلة تمكن من
خلق المعادلة المتوازنة بين الفن وبين
أظهار هذا الواقع الأليم الذي يعيشه هذا
الأنسان ومن ثم وفي مراحل متقدمة أكثر
الدفع بأتجاه الهدف الأيديولوجي ( التغيير
) الذي أراد أن يسخر فنه لأجله بوعي تام
ومع سبق الأصرار والترصد ، ويبدو هذا
واضحاً بألحاح في ( رواية أم سعد ) ،
الى أن شكلت طريقة موته ذروة لحالته (
الأجتماعية السياسية الأدبية ) وكأن هذا
الموت وبهذه الطريقة جاء تكملة أو
أمتداداً ونتيجة غير مفاجئة لواقع لم
يفرز سوى المآسي والويلات كما سنرى من
خلال رواياته وقصصه التي أغتيل بعضُها
قبل أكتماله بأستشهاد الكاتب نفسه (
العاشق _ برقوق نيسان _ الأعمى والأطرش _
) ، فشكل موته وأدبه وقضيته وحدة واحدة لا
يمكن تجزئتها ، تمازجت عناصرها تمازجاً
عضوياً لترسم لوحة تراجيدية متكاملة لهذا
الأديب كجزء من المبنى العام للتراجيديا
الفلسطينية ، ولا يمكن لقارئ يقرأ غسان أن
ينسى أنه يقرأ لأنسان تم اغتياله على
خلفية سياسية ، فشبح الجريمة يطل من بين
السطور والصفحات لتأخذ قصصه أبعاداً أكثر
عمقاً وكثافة . وبالأمكان القول أن غسان
كان الوريث الشرعي لمن سبقه من كتاب
وشعراء حملوا أرواحهم على راحاتهم ،
ونذروا أنفسهم لقضايا آمنوا بها ( سأحمل
روحي على راحتي وأهوي بها في مهاوي الردى
فأما حياة تسر الصديق وأما ممات يغيظ
العدى ) الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود
. أن الخطر الذي يواجهه الكاتب في حالات
مشابهة هو السقوط في المباشرة والشعاراتية
والتحول الى مرآة تعكس حرفياً ما يدور من
حوله بشكل تقريري على حساب العمق والتحليل
والخيال و الصورة الفنية ثم التحول الى
بوق لبث الأيديولوجيا ، ولكن غسان سلك
الطريق الأصعب ، أختار طريق الآلام ،
طريق الأبتكار والفن ، غسان لم يتهادن مع
أبطال قصصه ولم يكن طيباً معهم ، لم
يسايرهم رغم مآسيهم ، بل واجههم وجعلهم
يواجهون أنفسهم مواجهة حقيقية مؤلمة ،
وجعلهم يسألون أنفسهم الأسئلة الصعبة
فطرحها بجرأة وبعمق ، ولكن بطريقته الفنية
، فهو يواجههم بالسؤال دائماً .. لماذا
تركت ليلى وحيدة ! لماذا لم تقرعوا الخزان
! كيف يترك والدان أبنهما في السرير
ويهربان ! لماذا لم تدافع عن حيفا ؟
لماذا لماذا لماذا !!
الأبعاد النفسية للأنهيار
عندما نشاهد أنتاجه الغزير في فترة قصيرة
نسبياً ( شرد في الثانية عشرة من عمره
وتوفي في السادسة والثلاثين ) نشعر وكأنه
كان في سباق مع الزمن ، حالة التشرد
والأزمات السياسية الأجتماعية الضاغطة
بعنف ، صهرت بنيته النفسية في أتونها
بالأضافة لمرضه وعذابه الشخصي بالسكري (
نلمس هذا بوضوح حاد في قصة ( في جنازتي )
في مجموعة موت السرير رقم 12 ) . كذلك في
قصة العطش أذ يقول الرجل الكئيب " عشرة
فناجين قهوة بدون سكر وعلبة سجائر " ص184
القصص ، ، وليس صدفة أنه بدأ أبداعه في
سن مبكرة ، فالتجربة القاسية ألتقت مع
العبقرية والذهنية المتوقدة ، بالأمكان
ملاحظة ذلك من تواريخ كتابته لقصصه الأولى
( أواخر الخمسينيات أي عندما كان في
العشرينات المبكرة من عمره ، فهو من
مواليد عام 36 19) ، وقد تمكن من ترجمة
أحاسيسه وأفكاره الى فن ثوري جميل ، ثوري
في أستيعاب ما حدث ومن ثم ترجمة هذا الوعي
الثوري الى فن ، لنكتشف وراء كل تعبير
رسالة مشفرة عن مأساة ندركها ليس من خلال
الحواس الخمس فقط ، بل بأدراك داخلي عميق
حقيقي وليس سطحياً أو ظاهرياً فقط ،
فالمأساة ليست ما نراه من فقدان بيت ومكان
عمل وهجرة من مكان الى آخر فقط ، فربما
فعل هذا الأمر انسان برضاه وأختياره ،
ولكن عندما يحدث هذا قسراً وتحت ضغط القوة
والأرهاب ، ستكون له أبعاد في النفس
البشرية والتي ستنعكس على مجمل المشاعر
والعواطف والتفكير والقيم والتصرفات ، أنه
أنهيار عالم بأكمله سيجد تعبيراته
السلوكية وأرتداداته النفسية على ما قد
ينتج هذا الأنسان من فنون وآداب ، وله
تأثيره حتى على الجبلة العضوية لهذا
الأنسان ( كما تشير آخر الأكتشافات
العلمية ) .
عاش غسان حياة الأنسان المنفي واللاجئ
المغترب _ جسداً _ نفساً _ فكراً _
فعلاً _ ، لم يترك غوراً ألا سلكه وغاص
به ، ولا سرداباً ألا ولجه مهما كان
مظلماً ومخيفاً وبجرأة نادرة ، ومن خلال
الأنسان اللاجئ عبر الى قضية الأنسان
عموماً ، مازجاً بين الهم الفلسطيني
الخاص والهم الأنساني العام ، ليصل الى
نتيجة حتمية وهي أن قضية الأنسان لا
تتجزأ ( كما سنرى فيما بعد في رواية عائد
الى حيفا ) فالأنسان قضية .
شبح الأغتراب
أهتم الكاتب جداً بتفاصيل الحياة
الصغيرة لأدراكه أنها في الواقع تشكل
الحياة العريضة والعميقة ، فلا يمكن فصل
القضية الكبيرة عن كيفية عيش هذا الأنسان
والمركبات الصغيرة التي تشكل حياته ، وكما
يقول في قصة ( الصغير يذهب الى المخيم ) "
أن العالم وقتئذ يقف على رأسه ، لا أحد
يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل
.. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو
أنتصار مرموق للفضيلة ، حسناً حين يموت
المرء تموت الفضيلة أيضاً . أليس كذلك ؟
أذن دعنا نتفق بأنه في زمن الأشتباك يكون
من مهمتك أن تحقق الفضيلة الأولى ، أي أن
تحتفظ بنفسك حياً " ص717 القصص ، لقد
ركب واقع اللجوء وفككه وعاد فركبه كل مرة
بشكل آخر وكأنه لعبة تركيبية ساخنة تحرق
أصابعه وبنفس ثوري ، لكنه لم يكن أدب حرب
، وأن كنا نشم رائحة البارود والموت
والبنادق في كثير من قصصه ورواياته ،
وأوسمة الشجاعة لا تمنح عند غسان بسهولة
ولا بسطحية ولا بقرار ، وهي غير مقتصرة
على المقاتلين في ميدان الحرب ، فالحرب
تأخذ أشكالاً عديدة ، بدءاً من رغيف الخبز
الى الجوع الجنسي الى شكل الخيمة الى
الصراع مع الطبيعة القاسية ، المطر
والأوحال في المخيم ثم الصحراء والعزلة
والحرمان ، وربما كانت حرب الرصاص هي أسهل
الحروب وآخرها عند غسان أو في ما أسماه (
زمن الأشتباك ) كما يوضح ذلك في القصة
السالفة ، بل نكاد نلاحظ الكثير من الجبن
والتردد عند كثيرين من أبطال قصصه كما هو
حال المدعو خيري في قصة ( شيئ لا يذهب )
موت السرير رقم 12 ، فالفلسطيني ليس (
سوبر مان ) بل هو أنسان عادي ، ولكن ويا
للفاجعة حتى هذا كان بحاجة لأثبات .
تورط غسان في المشاكل الأنسانية الأساسية
غير المحلولة للاجئ ، الجوع ، السكن ،
الغربة ، المحيط المعادي ، الحرمان ، وهو
( اللاجئ ) بحاجة لطاقة نفسية هائلة لطرد
شبح الأغتراب الذي بات يلقي بظله الثقيل
عليه أضعافاً مضاعفة عن غربة الأنسان
العادي ، ولهذا نجد أن الخارطة اللفظية
في قصص كنفاني تحمل رائحة ولون ( الذل
الجماعي والفردي ) وتهدم البنيان النفسي
،التشرذم والأغتراب ، فحالة الذل
اللاذعة تتكرر في معظم قصص وروايات
كنفاني وتتجلى في التعابير الحسية
والمعنوية ( الوحل ، الحقارة ، الصغار ،
الذل ، العجز ، البحث عن أنسانية ضائعة
) الخ ، يركز عليها أمعاناً في سبر
أغوار هذا الكائن الغريب عن ما يحيط به
وحتى عن نفسه _ اللاجئ _ وبالتالي فأن
تصرفاته ونفسيته وردود أفعاله أزاء ما
يحيط به تحمل سمة الغرابة والدهشة التي
تلامس الجنون في كثير من الأحيان ، كما
في قصة (كعك على الرصيف ) في مجموعة موت
السرير رقم 12، التي ينتقل بطلها من كذبة
الى أخرى وبأتقان غريب ، وهي حالة من
حالات الأغتراب الشديد يدافع فيها بطل
القصة عن توازنه النفسي بالمزيد من الكذب
، ليحرك هذا الجرح وكأنه يستمتع بعذابه
هذا ، فكلماته حديد محمى يسفع بها الجرح
بقوة كي يصل بالتالي الى النتيجة الحتمية
المتوخاة والتي لا يذكرها الكاتب مباشرة ،
وهي ضرورة تثوير صاحب هذا الجرح ( اللاجئ
) وبالتالي تغيير هذه الحالة غير
العادية من الذل والهزيمة والعار ، فهذا
اللاجئ هو أنسان له ماض مفقود يساوي
_كرامة ، عزة ، كبرياء ، وأحترام للذات _
وله حاضر يساوي _ ذل ، أهانة ، عجز ،
أحتقار للذات ، وتأنيب ضمير ، _ فنرى أن
أبطاله يعملون على أعادة هذا التوازن
المفقود ، لقد بلغ الأغتراب أوجه فصار
هذا الأنسان بحاجة لأثبات أنسانيته أولاً
لنفسه ثم للمحيطين به ، الذين نزل على
أرضهم غريباً وبينهم لاجئاً ثم للبشرية
كلها ، هذا الأنسان الذي وجد نفسه أمام
قوة طاغية عنيفة جبارة لا ترحم تدفعه
دفعاً الى مصير مشؤوم فقد فيه توازنه
النفسي ، يتحسس واقعه وأنسانيته ليقول ،
أنا أنسان أولاً ، وهذا الذي أعيشه واقع ،
وهو بهذا يبدأ بمقاومة نفسية أمام هذا
الواقع المسبب للجنون ، لأعادة التوازن
المفقود بسبب الصدمة الكبرى والفقد
المفجع ، هكذا فقد بحث أبطال غسان في
قصصه الأولى عن دعم نفسي هو أهم ما يقدم
للأنسان المغتصب المستباح ، فقد أشار في
بواكير قصصه لهذا الأغتصاب بدقة ،ومعروف
أن العلاج يبدأ بالأعتراف بوجود الحالة
المرضية ، فلم يتردد بالحديث عن ( ليلى ،
كرمز وربما كواقع )_ يتكرر أسم ليلى
كثيراً في قصص غسان _ ليلى تغتصب لتسعة
أيام متتالية بأيدي اليهود ، " قالت لي
بصوت منخفض هادئ : لقد ضاجعوني طوال تسعة
أيام .
لم أستطع أن أقول شيئاً .. بل لقد خيل ألي
أنها قالت : لقد كنت أصلي طوال تسعة أيام
" شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أواسيها
بها شيئ حقير .. لا قرار لحقارتها أبداً
.. وأنتشلَتْ الموقف بكلمة أخرى : يحسن بك
أن تتركني .. أنا أمرأة مهترئة ". قصة (
شيئ لا يذهب ) ص 63_64 القصص . الى أن
يقول " لقد مضى زمن طويل على اليوم الذي
خرجت فيه من حيفا ، وأشعر اليوم أنني لم
أكن أستحق ليلى مطلقاً ! بل لم أكن أستحق
حيفا نفسها . لماذا أهتمت هذه الأنسانة
النبيلة بأنسان جبان مثلي ؟ " ص 66 .
نلاحظ هنا أعتراف (خيري ) بطل القصة بجبنه
، وأعترافه أن ليلى كانت اكثر منه شجاعة
رغم تعرضها للأغتصاب ، وقد رأى بأعترافها
نوعاً من الصلاة ، ونلاحظ أن ليلى هي
حيفا وحيفا هي ليلى وأنها تحولت بصمودها
الى شيء مقدس ، وهذه من بواكير قصصه ، وفي
المرحلة الأولى ، أذاً يجب الأعتراف بما
حدث ، أنها عملية أغتصاب ، ونلاحظ هنا أن
البطل وكأنه يعذب نفسه فقد قال " تسعة
ايام متتالية " بهدف زيادة حدة المأساة ،
ثم يؤنب نفسه ويعترف أنه جبان ، وهذا
الأعتراف نفسه شجاعة بل بداية لبلورة فكرة
الشجاعة من خلال تغييبها المؤقت ، كمن
يعترف بخطيئته كي لا يعود لمثلها . لقد
شكلت كتابة غسان مفصلاً هاماً في تاريخ
الوعي النفسي الكتابي الفلسطيني وربما
العربي ، فالمغتصبة تحمل العار عادة ، ألا
أن ( خيري ) أعتبرها شجاعة بل وقدسها
لأنه شبه كلامها "كأنه صلاة "، لقد تغير
مفهوم العار ، والذي يحمله الآن هو البطل
السلبي خيري الذي كان سيخطبها ، ولكنه
يعترف أنه لم يكن شجاعاً ليبقى ويدافع عن
حيفا ، بل أعترف بشجاعتها هي وبأنه لا
يستحقها وأنها كانت أشجع منه ، وبهذا
أشارة واضحة وشهادة فخر لمن بقوا في وطنهم
، فهو ينظر اليهم بقداسة ، فهم ليلى التي
أغتصبت لكنها بقيت في وطنها ،وقد أختار
أسم ليلى لما لهذا الأسم من صدى داخلي على
المتلقي ، فليلى هي بطلة قصة حب عذري
شهيرة ( يتكرر أسمها كثيراً في قصصه كما
سبق وقلت ) ، وكأنه أراد القول أن
الأغتصاب نفسه ليس أسوأ من ترك الوطن ،
والتمسك بالوطن يجب أن يكون رغم كل شيء ،
وأن ما ينتظر اللاجئ من ذل هو أسوأ من
الأغتصاب . (وليس صدفة أن أول من كتب
بأحترام كبير عن الأدب الفلسطيني في
الداخل هو غسان كنفاني ، فكان كتابه ،
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال من
1948 الى 1968) .
********
أمتاز غسان بشغفه بتفكيك المسلمات
وهدمها ثم أعادة بنائها كما سنلاحظ في
روايتي أم سعد وعائد الى حيفا ، لم
يكتف بتفكيكها بل أعاد صياغتها ، ولا يوجد
شيء مطلق أو طاهر غير قابل للنقاش ، كل
شيء قابل للنقد وأعادة النظر والشك ،
والشك أحد مقومات الأبداع " القطبية بين
الجماعة والفرد بين المؤمن والمتشكك بين
القانع والثائر بين المتهرب والمتورط بين
الأيمان بالطائفة والأيمان بعزة الأنسان ،
هذه القطبية هي منشأ الشد والتوتر ومنشأ
الصراع الخلاق للأدب " الحرية والطوفان
جبرا أبراهيم جبرا ص51 ، حتى عملية
التهجير ناقشها بجرأة كما سنرى في رواية
عائد الى حيفا ، فهو لا يتناول الأمور
بالتبسيط المألوف ، بل يمضي في نبشه عن
الحقيقة مهما كلف الأمر ، ومهما كانت
النتيجة التي قد يصلها وبأخلاص شديد لفنه
.
********
تحاول قصص المرحلة الأولى أعادة تشكيل
الصورة التي تحطمت ، فأبطال المرحلة
الأولى من قصصه يريدون القول للقارئ
وللناس عموماً ، نحن فقدنا مكاناً جميلاً
هو الوطن ، لقد أرغمتهم حالة الأغتراب في
واقع اللجوء الجديد الى محاولة ربط ما
أنبتّ بين ما كان وما هو الان في محاولة
يفسرها علم النفس على أنها محاولة مقاومة
من خلال الأعتزال والتقوقع داخل النفس
والعيش في الماضي كأحد أنواع ردود الفعل
على الأغتراب الشديد والعجز عن المواجهة
أو التعايش مع الواقع ، فنرى أنه أهتم
بذكر أسم المكان المفقود في قصصه الأولى
بشكل خاص ، هذا المكان يعيد له شيئاً من
الأستقرار والتوازن ،وما دام هذا الأنسان
عاجزاً عن الذهاب الى المكان والعيش فيه
فليأت المكان أذاً ، فليتم أستحضار المدن
والقرى ، يافا ، عكا ،حيفا ،اللد ،صفد
،نحف ،مجد الكروم الغبسية ، وغيرها من
مواقع الدفء والسكينة ، ولكنه ليس حنينا
رومانسياً ، بل يحوي مرارة كالعلقم لا
يسعى للتهرب منها أو تجنبها او العيش
بأوهام أستعادتها بدون تضحية ، بل كانت
واقعيته جارحة ومؤلمة ، وبغلاف فني جاء
كضرورة مكملة للمضمون ، وبهذا شهد له به
كبار الكتاب والنقاد أمثال عملاق القصة
يوسف أدريس الذي عبر عنها بتأثر عميق في
مقدمته لأعمال غسان ( الكاملة ) " أقرأوا
هذه القصص مرتين ، مرة لتعرفوا أنكم موتى
بلا قبور ، ومرة لتعرفوا أن قبوركم
تجهزونها وأنتم لا تدرون ، قبور الثقافة
بلا ثورة والثورة بلا ثقافة ..الخ )" .
لقد أرادها غسان ثقافة ثورة وثورة ثقافة
فارتقى بالمفهوم الجديد من القديم بشكل
مقنع ودون تعسف ، كتب بتكثيف شديد ولكن
بوضوح تام . فلا نجد في كتابة غسان
التنميقات والبلاغة والبيان والتكلف ، ولا
وجود في قصصه للغموض المغلق الذي يستعصي
على الفهم ، هي بسيطة بساطة أبطاله ،
قريبة جداً من فهم القارئ العادي (
بأستثناء المسرحيات ) ، ولكنها عميقة
مثقلة بالعرق والوحل والدموع والدم والجهد
والصدق ورائحة المنفى والعذاب والتراب ،
وبصدق مدهش ومفاجئ حتى لأعدائه الذين
عملوا على أخماد هذا الصوت بقتله ، ولكن
يد غسان التي بترها الأنفجار لتسقط بعيداً
عن جسده قالت ، أنه بمقدور المتفجرات أن
تنهي حياة أنسان وأن تقطعه ، لكنها غير
قادرة على طمس وألغاء ما سطرته يد هذا
الثائر العبقري من أثر ، وتقف القوة عاجزة
أمام الأبداع الحقيقي ، وبالتأكيد أن
موت غسان بتلك الطريقة البشعة قد أعطى
لكتابته صدقاً وحرارة ومعنى وطعماً غير
مألوف ، وبات الفصل بين كتابته وفنه
وأبطال قصصه وبينه شخصياً وبين طريقة موته
غير ممكن ، بل ليس أخلاقياً ، ولا يمكن
للسنين أن تمحو هذا الفنان الأنسان
الثوري من وجدان الأنسان العربي عموماً
والفلسطيني خصوصاً .
ردة الفعل الأولى على الأغتراب المركب
" الأغتراب حسب الأستخدام العام في
العلوم الأجتماعية يشير الى حالة الأنفصال
بين الشخصية الكلية والجوانب الدالة على
الخبرات الخارجية ، ومن ثم يشير الأغتراب
في ضوء هذه الرؤية للحالة الموضوعية
للأغتراب من ناحية كما أن الأنفصال المبين
يوضح الأنفصال بين الذات والعالم الموضوعي
" * د . علي الشتا نظرية الأغتراب من
منظور الأجتماع ص 380 . من السذاجة
الأعتقاد أن الفلسطيني أكتشف أنه أضاع
وطنه بمجرد خروجه الجسدي منه ، أو لأنه
وجد نفسه في خيمة في جنوب بيروت أو على
مشارف أريحا أو قريباً من دمشق وغيرها ،
لأن الأعتقاد السائد في تلك الأيام كان
بأن القضية ستحل خلال أيام أو أسابيع
وأشهر على أبعد حال ، ثم يعود الفلسطينيون
الى مدنهم وقراهم وبيوتهم منتصرين معززين
مكرمين ، وهذا يعني أن الأقامة في المخيم
مؤقتة ، وستكون بمثابة رحلة ذكريات ، ولم
تدرك جموع اللاجئين حجم الكارثة التي ما
زالت تنتظرهم والتي حلت بهم ، وحلت مرحلة
الأنتظار والتعلق بالمؤتمرات الدولية
والأجتماعات العربية والأدمان على الصحف
والخطب النارية ونشرات الأخبار . ألا أن
الواقع الثقيل بدأ يفرض نفسه بسرعة بمضي
الأشهر والأعوام الأولى التي صارت تظهر
بوضوح أن حلم العودة بدأ يتضاءل وعلى
الأقل ليس بالسرعة المرجوة ، وأصطدم
الأنسان اللاجئ بواقعه الجديد المرير (
أبتعاد الأمل بالعودة ) الذي ناء عليه
بكلكله فأفقده توازنه النفسي وبدأ شعوره
بالأغتراب يتحدد ،وأذا كان لهذا الشعور ما
يبرره عند الأنسان العادي لأسباب عديدة ،
منها مثلاً فقدانه السيطرة على نسق
الأنتاج والأستهلاك كما يقول هيجل ، فأن
حقيقة أن يجد الأنسان نفسه لاجئاً فاقداً
السيطرة على كل شيء ..، مصيره ، عمله ،
أرضه ، أسرته ،تأثيره ، محيطه ، مجتمعه
،أنتاجه ، وأستهلاكه ، حتى نوع طعام
اللاجئ المخصص من الأونروا كان مفروضاً
عليه ،كما نلاحظ من المدخل الذي كتبه غسان
لقصص " عن الرجال والبنادق " حيث توزع
الهيئات الدولية والأجتماعية على أبناء
المخيم علباً فيها ألعاب وطعام " وكان في
العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة لكنها لم
تكن لتؤكل وقد اهملت وضاعت وظلت علبة
الحساء معي أسبوعاً ، أعطي أمي منها كل
يوم عبو كأس من الماء كي تطبخه " ص620
القصص أذاً فالغربة وصلت حتى الى طعامه
المفروض عليه ، هذا الواقع جعل هذا
الأنسان يشعر ليس بالأغتراب فقط بل ربما
تجاوز مرحلة الأغتراب الى الجنون ،
والأغتراب يؤدي الى سلوكيات معينة تختلف
عن سلوكيات الأنسان المنسجم والمسيطر على
ما يحيط به . في قصة أرض البرتقال الحزين
ينتظرون يوم الخامس عشر من أيار وهو يوم
التحرير الموعود ،ويركض الناس وراء
السيارات العسكرية العربية التي ستحرر
البلاد ولكن فجأة يتضح أنه لا يوجد تحرير
ويعودون الى ( الدار ) منهوكين . " بعدها
، مضت الأمور ببطء شديد .. لقد خدعتنا
البلاغات ثم خدعتنا الحقيقة بكل مرارتها
.. وأخذ الوجوم يعود الى الوجوه من جديد ،
وبدأ والدك يجد صعوبة هائلة بالتحدث عن
فلسطين وفي التكلم عن الماضي السعيد في
بياراته وفي بيوته ، كنا نحن نشكل جدران
المأساة الضخمة التي تملك حياته الجديدة ،
وكنا نحن أيضاً أولئك الملاعين الذين
يكتشفون بسهولة شديدة ، أن الصعود الى
الجبل في الصباح الباكر بناء على أوامر
والدك ، معناه الهاءنا عن طلب الفطور .
وبدأت الأمور تتعقد ، كان أبسط شئ قادراً
بشكل عجيب على استثارة والدك .. أنني أذكر
تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا
أذكره .. لقد أنتفض ثم بدأ يرجف كمن مسه
تيار صاعق .. ودارت عيونه تلتمع في وجوهنا
.. كانت فكرة ملعونة قد أوجدت طريقها الى
رأسه ، فأنتفض واقفاً كمن وجد نهاية ترضيه
، وفي غمرة من شعور الأنسان بقدرته على
أنهاء مشاكله ، ومن شعوره بالرعب قبل
أقدامه على شيء خطير أخذ يهذي ، وأخذ يدور
حول نفسه باحثاً عن شيء لا نراه .. ثم
أنقض على صندوق كان قد خرج معنا من عكا
وأخذ ينثر ما فيه بحركات عصبية مخيفة ..
وفي لحظة واحدة " . ص373 ،القصص ويمضي
الكاتب في شرح ما فعلته الأم أمام الخطر
المحدق بأبنائها ، الى أن يقول " وعندما
كنا ننظر الى الغرفة من شقوق الباب وجدناه
ملقى في الأرض يلهث بصوت مسموع ويمضغ
أسنانه وهو يبكي .. بينما قعدت أمك في
ناحية تنظر اليه بجزع .. لم نفهم شيئاً
كثيراً ولكنني أذكر أنني عندما رأيت
المسدس الأسود ملقى على الأرض بجانبه ..
فهمت كل شيء .. وبدافع من ذلك الرعب
القاتل الذي يصيب طفلاً شاهد غولاً على
حين غرة .. أخذت أعدو في الجبل هارباً من
الدار .. وعندما كنت أبتعد عن الدار كنت
أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته . كنت أشعر
أن حياتنا لم تعد شيئاً لذيذاً سهلاً
علينا أن نعيشه بهدوء .. أن الأمور وصلت
الى حد لم تعد تجدي في حله ألا رصاصة في
رأس كل واحد منا .." ص374 أرض البرتقال
الحزين . هذه الحالة التي شاهدناها من
التزعزع النفسي سترافق الكثير من أبطال
قصص غسان أن لم يكن معظمهم ، وأذا ظهرت
هنا بصورة واضحة ومباشرة فستظهر في قصص
أخرى بصورة غير مباشرة وبتعابير أخرى
.
أذاً ضاع الوطن وسوف يستمر ضياعه لمدة
طويلة ومن ثم ما يترتب عن ضياع المكان
والذي سيؤدي لتحلل هذا المجتمع وتفككه بل
ضياع أفراده ، ولهذا جاءت قصص كنفاني
الأولى كأداة لاشعورية لأعادة التوازن
النفسي المتزعزع لهذا الكائن ( اللاجئ )
، فهو لم يعش ولم ينسجم بمحيطه الجديد
بعد ، ولهذا سنرى فردوسه المفقود ، المكان
الذي فيه الدفء والتوازن والعافية والصحة
النفسية ، في معظم قصصه الأولى . في قصة (
البومة ) في موت السرير رقم 12 ، تذكره
صورة على جدار غرفته في المنفى ( في
الكويت ) لبومة مبتلة بحديقة بيته ( في
فلسطين ) التي دفن تحتها صندوق قنابل ،
يتذكر البومة التي راقبته وهو يدفن
الصندوق تحت التينة قبيل الرحيل وعندما
أقترب اليهود من البلدة " كنت طفلاً
آنذاك ، وكنا نشهد دون ان نقدر على
الأختيار كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً
شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً ) (
البومة_ سرير رقم 12 )، هذه الذكرى ليست
للبكاء والندب على الماضي ففي آخر القصة
يقول " أوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي
أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط
العاري . لقد أنهكتني الذكرى ولكنني أحسست
بأرتياح غريب فجأة فهأنذا التقي بالبومة
الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ! في غرفة
منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ،
بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة
البطولة والموت ، وكانت البومة ما تزال
ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن
متباعد وينحدر من منقارها المعقوف صرير
حاد : أيه أيها المسكين .. هل تذكرني الآن
؟ ؟ " ص 53 . نلاحظ هنا شيئاً من التغيير
الظاهر حتى بالرموز ، فلماذا أختار البومة
الغاضبة ! البومة معروفة في الموروث
الشعبي كعلامة للتطير ، وقد رآها غاضبة
على التينة ، لماذا غاضبة ؟ طبعاً لما
يحصل ( ضياع فلسطين شبراً شبراً )! ولكنه
هنا في الغربة ، عندما تذكرها أحس بشيء من
الأرتياح ، وهذا يعني حالة نفسية جديدة
تكاد تكون مقلوبة ، أن مجرد تذكره لحديقة
بيته أعاد له شيئاً من الهدوء والتوازن
والراحة ، وأن كنا نلاحظ أغترابه عن كل
مكان سينزل فيه فيما بعد ، وسيحاول
الأبقاء على العلاقة مع المكان ومع الماضي
الذي يستمد توازنه النفسي منه . حتى
البومة التي تذكرها في الوطن لم تبق رمزاً
للتشاؤم والتطير ، وها هي تخاطبه وتقول له
_ أيه أيها المسكين _، لقد أنقلب أيحاء
البومة من التشاؤم الى الأرتياح ،
الأرتياح لأن البومة ذكرته بوطنه وبصندوق
القنابل في الحديقة ، وهذه ليست دعوة
للقتال بعد، لكنها تذكر بوجود هذه
الأمكانية ، وأن الصندوق ما زال تحت
التينة ، وقد يأتي يوم تستعمل فيه ، فهو
يتوعد أذاً ، هذا البصيص من النور وأن كان
يأتي وكأنه من كوكب بعيد ، سبب له
الأرتياح ، ( القصة نشرت عام 1959 الكويت
) ، أذاً مهما ابتعد فأن أبسط الأشياء
ستذكره بوطنه وسيبقى هذا الوطن المفقود
مركز ومحور تفكيره في كل الحالات ، لأن
الغربة ستزداد يوماً بعد يوم . ملاحظة (
لقد شاهدنا فقط قبل أشهر جموع اللاجئين
يحجون الى بوابة فاطمة على الحدود
اللبنانية الفلسطينية بعد 53 عاماً من
النكبة ، ليتعلقوا ( بحبال الهواء ) التي
قد تعيد لهم شيئاً من أنسانيتهم وتوازنهم
النفسي ، وكانوا على أستعداد للموت فقط
لكسب هذا الشعور بالأمل . س .كيوان . ) .
و ينهي القصة بالتساؤل على لسان البوم :
هل تذكرتني أيها المسكين ؟" أذاً لماذا
مسكين ! لأنه بعيد عن وطنه وبيته وقريته
ويعيش في المنفى وهو ما يعني بدء اكتشاف
الذات ، وأكتشاف ما حصل والتأكيد على
فقدان الوطن ، فمن ليس له وطن يكون
مسكيناً ، وعندما يقول لهذا الأنسان طائر
( بوم ) أنه مسكين ، فهذا يعني أن مسكنته
بلغت مرامي بعيدة لدرجة جعلت البوم يشفق
عليه ، وهنا نلاحظ أنه اشفق على نفسه
ولكنه أعطى المجال لطائر البوم كي يعبر عن
حالته أو هو الذي أوحى له هذا التفكير ،
فالبوم لا يتكلم بالطبع ، ولكن البوم عكس
حالتين نفسيتين مختلفتين للبطل ، والشفقة
على النفس هي أقسى درجات الشعور
بالإغتراب . لم يذكر الوطن بحنين (
نوسطالجي ) أي لم يذكر فقط ما هو جميل من
الوطن ، لقد ذكر كيف صار يسقط هذا الوطن "
شبراً شبراً ونحن نتراجع شبراً شبراً
"،ص46 وكأنه يحاول بهذا أن يولج الى وعي
المتلقي فقدان الوطن قطعة قطعة وحفنة تراب
بعد حفنة ، كي يكون الأحساس بهذا الفقد
ملموساً وفاجعاً وذا تأثير مضاعف ، ونقل
هذا الضياع من حالة التجريد اللغوي الى
تجنيد أكثر ما يمكن من الحواس و ترجمة
اللغة الى أحساس ، للمس هذا الفقد
والأحساس به ، فهو لم يقل ( وضاع الوطن ،
أو غاب الوطن عن عيوننا ) بل ، ضاع شبراً
شبراً ، فأذا فككنا كلمة _ شبراً _ فهي
تعني وحدة قياس هي الكف والأصابع ، وكي
تقيس بالشبر عليك أن تلمس هذا الشيء الذي
تقيسه ،وفي هذه الحالة فأن الكف تلامس
التراب لأن الوطن هو الذي يضيع شبراً
شبراً ، فهو فقدان شخصي وعام وملموس . وقد
أختار وحدة القياس الحية والصغيرة ترجمة
لصعوبة شعوره بالفقد ، وهو هنا ينقل هذا
الوطن من المجرد الى الملموس المحسوس ،
الى تراب ، الى لحم ودم الى أصوات ومشاهد
، مشاعر وأعصاب .
******
" سنرجع يوماً الى حيّنا "
سنرجع يوماً الى حينا
ونغرق في دافئات المنى
كلمات هارون هاشم رشيد
غناء فيروز
تندرج في أطار ( أعادة تشكيل الوطن
والترميم النفسي ( أعادة التوازن المفقود
) ، قصص مجموعة " أرض البرتقال الحزين ،
المدفع ، عن الرجال والبنادق ، وجزء من "
عالم ليس لنا ، " وجزء كبير من مجموعة "
موت السرير رقم 12 ،" .
في قصة أبعد من الحدود ، في مجموعة " أرض
البرتقال الحزين " وعندما يكون بطل القصة
في حضرة موظف حكومي من الجهاز الأمني في
دولة عربية ما تتكثف حالة الأغتراب التي
يعيشها هذا الأنسان اللاجئ والتي يعبر
عنها بطل هذه القصة منفجراً " _ لايا
سيدي ، لاتحاول أن تستدعي كاتبك ليحمل لك
الملف الذي يحتوي على كل التفاصيل الهامة
وغير الهامة في حياتي .. تريد أن تعرف
شيئاً عني ؟ هل يهمك ذلك ؟ أحسب على
أصابعك أذن ( لنلاحظ هنا أحسب على أصابعك
وليس في ذهنك ، في محاولة لتقريب حسي لما
سيقوله ) : لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه
لها أبي في صفد ، أبي يقيم في قطر آخر
وليس بوسعي الألتحاق به ولا رؤيته ولا
زيارته ، لي أخ يا سيدي ، يتعلم الذل في
مدارس الوكالة ( لاحظ هنا تعلم الذل وليس
العلوم العادية ) ، لي أخت تزوجت في قطر
ثالث وليس بوسعها أن تراني أو ترى والدي
، لي أخ آخر يا سيدي ، في مكان ما لم
يتيسر لي أن أهتدي اليه بعد .. تريد أن
تعرف جريمتي ؟ هل يهمك حقاً أن تعرف أم
أنت فضولي بريء يا سيدي ؟ لقد سكبت دون أن
أعي ، كل محتويات وعاء الحليب فوق رأس
الموظف وقلت له أنني لا أريد بيع وطني ..
في لحظة جنون .. ولكنني في تلك الزنزانة
تيقنت أكثر من أية لحظة مضت بأنها كانت
لحظة العقل الوحيدة في حياتي كلها " (
نلاحظ أن لحظة الجنون الوحيدة أعادت له
شيئاً من هدوئه الروحي _ لأن عالمه كله
مقلوب ) . ويمضي هذا اللاجئ في حديثه
معبراً عن حالة الأغتراب الفظيعة الى أن
يقول " أتعرف يا سيدي في الواقع لست ألا
تجارة من نوع نادر ، أنا لست صوتاً
أنتخابياً ، وأنا لست مواطناً ، بأي شكل
من الأشكال ، وانا لست منحدراً من صلب
دولة تسأل بين الفينة والأخرى عن أخبار
رعاياها ، وأنا ممنوع من حق الأحتجاج ،
ومن الصراخ فماذا ستربح ؟ لا شيء ، ( ارض
البرتقال الحزين صفحة 281 . أذاً فهو لا
شيء وهل توجد غربة أقسى من هذه ! أن يشعر
الأنسان أنه لا شيء وفاقد السيطرة على كل
ما يحيط به ، حتى على نفسه ! بل أنه
يستغل بفظاظة من قبل الآخرين دون أن يكون
له رأي في الموضوع " أنتم الآن أمام حالة
أذا خطر لكم ان تسموها لصوصية فأنهم لصوص
، خيانة ! أذن خونة !" أنا اريد ان أقول
انهم أيضاً حالة تجارية " أنهم أولاً
قيمة سياحية فكل زائر يجب أن يذهب الى
المخيمات " " ثانياً قيمة زعامية فهم مادة
للخطابات الوطنية " الأحوال السياسية صعبة
أذن اضرب المخيمات ! أسجن بعض اللاجئين ،
" أعط مواطنيك درساً قاسياً دون أن تؤذيهم
.. " تستطيع أن تؤكد ولاء مواطنيك عن طريق
الأدعاء بأن المتذمرين أنما هم بعض
الفلسطينيين " ويمضي هذا اللاجئ بالتحدث
عن نفسه ". ألا أننا يا سيدي نقمة في كثير
من الأحيان . نحن لصوص ، نحن خونة ، نحن
بعنا ارضنا للعدو ، نحن طماعون ، طماعون
نريد أن نمتص كل شيء هنا حتى التراب "
ص286-287 أرض البرتقال الحزين . ( نلاحظ
شدة الغربة في الجملة الأخيرة فهناك
بالأضافة لمأساته من يتهمه ببيع أرضه
للعدو وبالخيانة والطمع ) ، هذا اللاجئ
بدأ بأكتشاف ليس فقط أنه لاجئ ، بل أن
لهذا اللجوء أبعاده الخطيرة الأخرى فهو
مستغل من قبل الحاكم العربي ، فيتكئ هذا
على قضيتة لحل مشاكله أو التهرب منها ، بل
أنه لا يتورع عن أستغلالها سياحياً
وتجارياً ، فالمشكلة هنا لم تبق مشكلة
اللاجئ ، بل فيها تلميح واضح أن هذه
المشكلة لها أسقاطاتها وتداخلها وتفاعلها
مع الوضع العربي العام ! . كما أسلفنا
فأن أبطال غسان ما زالوا يكافحون لمجرد
الأعتراف بهم كبشر كان لهم وطن ولكنهم
فقدوه ، وهم في الواقع لا يختلفون عن
أبناء البشر بشيء ، فهم لهم بيوت ومزارع
وبيارات وشوارع ومدن وأرياف ، وهم يسعون
للتأكيد عكس الواقع حيث يذكرون أسماء
بلدانهم الأصلية في كل فرصة متاحة ، فأن
لم يذكر أسم البلدة تماماً ذكر ( قرية )
تدل ملامحها أو أحداثها على فلسطينيتها
مثلاً :
___ كنت طفلاً آنذاك وكنا نشهد دون أن
نقدر على الأختيار ، كيف كانت تتساقط
فلسطين شبراََ شبراََ . ص 46 قصة البومة
في غرفة بعيدة ،
__ دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها
كثيراً . شيء لا يذهب ص59 ،
__ وفي السيارة التي حملتنا الى
المستعمرة المجاورة . منتصف أيار ص 77
__ " لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها
أبي في صفد " أبعد من الحدود ص 279 أرض
البرتقال الحزين .
__ " تقلب في فراشه وخيل أليه أنه يسمع
قلبه يضرب في جسده كله كالوتر المشدود ،
سوف يبدأ من البدء ، منذ غادر يافا الى
عكا ليرى الفتاة التي كانت أمه تزمع أن
تخطبها له " الأفق وراء البوابة ص293 أرض
البرتقال الحزين .
__ "عندما خرجنا من يافا الى عكا " ( ص363
البرتقال الحزين "
__حينما وصل مع أمه الى اول بئر ماء بعد
أن طردا من بلدتهما الصغيرة اللد " ص380
قتيل في الموصل .
__ هي أرضك ألم تعش هناك ؟ أنك
تعرفها أكثر من سواك ، في واحد من الحقول
بنى اليهود خزاناً يسقي المستعمرات
القريبة ، أعتقد أنك فهمت ، أن الديناميت
الذي تحمله بكفيك .. ص795( الى أن نعود
) المدفع ،
__ ومع أن سكان السلمة كانوا على يقين
كبير أن ثمن مدفع من هذا الطراز لا يمكن
أن يجمع من التبرعات . المدفع ( المدفع
ص806)
__ قرب قرية أبو كبير ابعد منها قليلاً
( المدفع ) المدفع ص809
في القصة التالية نجد حشداً من أسماء
المواقع في صفحة واحدة .
___ وكان العالم الصغير ذاك مزيجاً من
عمال أمتصهم الميناء ، مثل شافطة وحشية ،
من كل ثقوب الجليل وفلاحين من قضاء حيفا
صاهروا منذ زمن لا يستطيعون الوصول اليه
بذاكرتهم ، رجلاً ونساء في قضاء صفد ،
وطفل واحد من أم الفرج ، أرسلته أمه الى
حيفا ليرى فيما أذا كان أبوه ما يزال حيا،
وهو يعود الآن بالجواب ، ومحام وكل بقضية
أرض في الكابري ، ويتعين عليه فحصها قبل
جلسة المحكمة ، وامرأة تسعى الى خطب فتاة
لوحيدها ، وسلال فيها طعام وخبز مرقوق
وحمام طبخ في الطوابين ، ولعب اطفال
وصفارات ومكاتيب حملت على الموقف من غرباء
الى غرباء ، وشبابة من قصب لفتى أغلقت
مدرسته قبل يوم واحد فقط ، وسائق يعرف
الطريق مثلما يعرف زوجته ، من حيفا الى
الطريق المتعرج الذي يطوق الخليج كالعقد ،
صعودا حيث ينبثق النخيل مطعوجاً متراجعاً
حائرا في عراكه الصامت الممض مع الرياح
القادمة من البحر فوق نهر النعمين الذي
يصب حزينا متعبا ولكن نقيا في الموج
الصاخب فيرده ، بهدوء عنيد الى الوراء ،
ومن هناك تتسلق السيارة الطريق الى
السميرية " المزرعة " الى نهاريا لتنعطف
شرقاً وتغوص عبر عشرات من القرى ملقية
طوال الطريق راكباً هنا وسلة هناك ورسالة
الى رجل ينتظر وزوجاً لأمرأة لم تستطع أن
تنتظر . قصة كان يومذاك طفلاً ص 870
المدفع.
__ في البدء لم يعرف أحد في الغبسية كيف
جاء قاسم اليها وسكن فيها . العاشق ص421
الروايات
__ اللحظة المناسبة التي ولد فيها قاسم من
جديد في طول الجليل وعرضه بعد غياب طويل ،
كالمد عاد فجأة فاذا به يملأ الجرود مرة
أخرى من الجرمق الى ترشيحا الى جدين الى
عكا . العاشق ص439
__ وكانت نابلس ذلك الصبح منكفئة على
نفسها وكأنها ما تزال نائمة ، برقوق نيسان
العاشق ص585
__ لأنني كنت اعرف والدك رحمه الله .. بل
أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ سنوات .
ص54 رجال في الشمس
__ أستدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة
عتيقة . رجال في الشمس ص94
__ أو أن الرملة بعيدة جداً ، قبل
أسبوعين كنت في زيتا . ص66 رجال في الشمس
__ لقد مضى هو صعوداً في قيظ لا مثيل له
الى البروة ، ومن هناك الى مجد الكروم ،
الى البعنة ، الى دير الأسد ، الى كسرى
الى كفر سميع ، متعقباً أخبار بندقيته
خطوة خطوة من قصة الى أخرى ومن رجل الى
آخر وحين وصل ترشيحا جاءته أخبار جديدة
من شعب . قصة العروس ص601 المجلد الثاني
الدلائل اللغوية
" مثل الكلاب التي تشم بأنوفها على طول
الجدار روائح نفاذة تستطيع هي وحدها أن
تميزها ، وهي تقرب أنفها من الأرض وتلتقط
روائح الأشياء التي يخجل منها الناس وتشم
المعاني الخفية المشار اليها أشارة ،
وتتبع آثار الذلة الخفية غير قادرة على
الفكاك منها " من رواية صورة رجل مجهول ،
لنتالي ساروت ، المعقول واللامعقول ، كولن
ولسون ص102
الى جانب ردة الفعل الأولى والطبيعية
لحالة الأغتراب الشديدة وغير الطبيعية ،
نلاحظ الى جانب هذا أن معظم قصص الكاتب
ورواياته مكتظة بموتيف المرارة والأحباط
والذل والأحتقار ( في الحاضر ) ، لدرجة
أنه من الصعب أيجاد قصة واحدة تخلو من هذا
(الموتيف )، وهي تشبه الصفعات المستمرة
من أجل أيقاظ مغمى عليه ، وأحياناً تشبه
تلك الصدمة الكهربائية الأخيرة التي
يضربون صدر المصاب بنوبة قلبية بها لأعادة
النبض لقلبه ، كثيرا ما نجده يصف الناس
بالكلاب والقططة وحتى العناكب والديدان ،
هذه التعابير الحسية تمتد خيوط نسيجها الى
الواقع التعيس بوعي الكاتب أو بغير وعي
منه ، وهي تشير بوضوح الى دونية يشعر بها
الأنسان الغريب ، يقول باختين " أن اللغة
بأعتبارها دلائل مركبة في نسق معين ، هي
في الوقت نفسه أيديولوجيا ، كما أنها
بالضرورة تجسيد مادي للتواصل الأجتماعي ،
ولذلك فدراسة الدلائل اللغوية تعني في
الوقت نفسه التعامل مع العلاقات
الأجتماعية الأقتصادية . " *. النقد
الروائي والأيديولوجيا , ص74 د . حميد
لحميداني . وكأن الكاتب قصد من عملية
تأكيد هذه الحالة أحداث طفرة مضادة لها
فكرس جهداً كبيراً في هذا الأتجاه ،
موقناً أن الخروج من حالة الخمول
واللامبالاة لن يتم ألا من خلال التأكيد
على هذه الحالة وأظهارها على حقيقتها
لتحقيق الأشمئزاز والقرف والصدمة منها ومن
ثم الأنتفاض ضدها ، يقول هيجل " بين
الأهداف والتحقيق يوجد عنصر ثالث للفعل
يتمثل في الوسيلة المحركة لعنصر التحقيق
ويتمثل هذا العنصر الثالث في الأرادة ، أي
فاعلية الأنسان بأوسع معانيها ، ومن ثم
يتبين أن تحقيق الأهداف يخضع لعملية تفاعل
أجتماعية تقوم على بعدين ، بعد داخلي وبعد
خارجي ، ولكي يكون الفعل الناتج تلقائياً
لا بد من قيام الوحدة بين البعدين الداخلي
والخارجي ، أذ لكي أبذل جهدي في سبيل أي
هدف لا بد من أن يكون ذلك هدفي بمعنى ما
من المعاني ، ولا بد في تحقيقي لهذا الهدف
أو ذاك أن أجد في الوقت ذاته رضاء لي " ص
380 نظرية الأغتراب (د علي الشتا ) .
التأكيد على الوضع المزري سيكون جسراً لحث
أبطاله للتغيير ، هذا التغيير الذي سيحقق
للمجموعة وللأفراد الرضاء ، فالأهانة
مرافقة للاجئ كيفما توجه وأينما حل ، حتى
النماذج غير الفلسطينية التي يتعامل معها
في قصصه هي أيضاً مسحوقة تعاني حالات
مشابهة ، وبمراجعة معظم قصصه سنلاحظ هذه
الحالة الأنسانية الغريبة التي يحتقر
الأنسان فيها نفسه ويشمئز فيها من كل شيء
ويشعر بالعار والدونية ، وكما سبق وقلت
فهو لا يبتعد عن مرجعيته ليحقق فنه بل
يلتصق بها ويتغلغل لأقصى درجة ممكنة ، .
نبدأ من مجموعة موت السرير رقم 12
من قصة شيئ لا يذهب
__ لم أكن استحق ليلى .كانت أحسن مني
بكثير ، كنت جباناً . أخاف من الموت ورفضت
ان أحمل سلاحاً كي أدافع عن حيفا .. كنت
في رأس الناقورة عندما قالوا حيفا سقطت ،
ص65 .
__ شعرت أني أنسان لا يعيش على أرضه ،
أنسان يجب أن يبقى طفلاً كما كانت تقول
ليلى ، وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل
في الحقيقة ، ثماني سنوات أجتر ذكرى ليلى
كأنها أنسانة صنعتها فقط لأذكرها ص 67
من قصة كعك على الرصيف
__ هز رأسه فوق الحذاء دون أن يجيب وأحسست
بأنه يخفي شعوراً بخجل صغير
_ أين تسكن ؟
_ في المخيم
_ مع أبيك
_ لا مع أمي
__ أنت طالب اليس كذلك
__ نعم
ونقر بأبهامه على النعل ، ثم طالعني
بعينين صافيتين ، باسطاً كفه الصغيرة
تجاهي ، وأحسست بخيط رفيع من الأسى في
حنجرتي ، وتنازعني شعوران حادان هل أعطيه
أجرته فحسب ؟ أم أزيد عليها ؟ كنت حينما
أعطى أجري حسب أستحقاقي أحس شرف عملي ،
ولكنني حين كنت أوهب هبة ما كنت أقبلها
وشعور بالأهانة يتراكم فوق سعادتي في أنني
كسبت أكثر ص 84 -85
__ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر
علىالأحتفاظ بمأساته الخاصة ، وضمها بعنف
الى صدره .. كأنما كان هنالك شبه أتفاق
مشترك على أن هذا واجب وضروري . ص98
__ بدأت الكفان الصغيرتان تعملان بحذق
فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوق الحذاء ،
ثم وصلني الصوت أياه قائلاً ببساطة :
أستاذ . أنت لم تغير حذاءك منذ عام … هذا
حذاء رخيص ). ص98
من قصة ( في جنازتي ) :
_ كل شيء في العالم كان يقف في وجهه .. كل
أنسان كان يصفعه ، وكل يوم يمر كان يبصق
في وجهه شعوراً مراً حاد المرارة بالتقصير
. ص102_
__ فلنقل أنني أردت أن أغوص حتى عنقي في
أوحال التحدي المغرور وأنني أردت لنفسي أن
تفقد كل شيء على الأطلاق طالما هي فقدت
أهم الأشياء . ص109
_ قررت أن أصارحها مهما بلغ الأمر بي من
ذلة ص115 الأرجوحة
من قصة موت السرير رقم 12
__ كان الفقر شيئاً محفوراً في وجهه ، على
زنديه ، في صدره ، في طريقة أكله ، في كل
ما يحيط به من أشياء . ص134 .
__ صحيح انه كان فقيراً ولكن ماذا يعني
الفقر للمرء أذا كان لم ير في حياته سواه
؟ أن ( أبخا ) كلها تشكو الفقر وهو فقر
مماثل تماماً لما يعانيه محمد علي أكبر
ولكنه كان فقراً قنوعاً . ص134 . ( أبخا
هي قرية عمانية ).
من قصة لؤلؤ في الطريق
__ لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟
أم لأننا نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل
عذاباً ؟ أم للأمرين معاً ؟ ص155 .
__ كنا نعرف كل شيء عن الناس الذين
يذوبون فيما هم يفتشون عن وسيلة للعيش ،
وكنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة
الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا فماتوا من
فرط ما تاقوا للعيش .. ص 156
__ وأستدار حسن فواجهنا وجه مظلل بمأساة
متلبدة كتقاطيعه ، .. ص 157
__ لا بد وأن أجرب حظي
__ أي حظ ؟
__ الحظ المدفون تحت ركام عذاب عشرة
لأعوام . ص 160 . ( نلاحظ أن أبطاله
معذبون أيضاً ، حتى غير الفلسطينيين من
العرب ).
من قصة الرجل الذي لم يمت
__ وراوده شعور بالقلق وبالخزي في آن واحد
. ص 167
__ ولأول مرة عرفت كم هي قاسية ومؤلمة
اللحظة التي يريد أن يبكي فيها الأنسان ،
ورغم ذلك فهو لا يستطيع ، ص179 .
__ وأعتقدت وهي جالسة تفكر أن السيد علي
يخجل من هذا الجرح ، وأنه يراوده شعور
بالخزي كلما وقف أمام المرآة كي يحلق ذقنه
، الى حد يود فيه لو يبصق على صورة وجهه
المطبوعة . ص180
من قصة العطش
__ أتذكر أيها الكئيب يوم سمعت هذه
القطعة لأول مرة ؟ ص183
__ لماذا لا تجلس على طرف السرير وتضع
رأسك بين كفيك وتعترف بهدوء " أنا غريب "
ص 184
__ أمس قام الرجل الكئيب ليشرب وحينما
فتح الصنبور خرخر صوت عميق ولم تنزل أية
قطرة .185
__ لن يقول لك أحد كيف نمت .. سوف تتناول
فطورك في مطعم حقير وسوف تركض باحثاً عن
أنسان تجلس معه .. أي أنسان تجلس معه . ص
186 .
في قصة ( المجنون ) من نفس المجموعة
نقرأ ما يلي :
__ أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ،
هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص به
سواي . ص 189
__ وكان الأطفال يقفون الى جانب المنعطف
ويصيحون باصوات رفيعة " متى ستصبح كلباً
" ولكني لم أهتم بهم ص 190
__ أمي تحب الكلاب لقد تزوجت كلباً ذات
يوم ثم طلقها لأنه ذهب مع كلبة أخرى .
ص190 .
__ كانت السيارة تحت ما زالت تبدو ككلب
مضغوط ميت ص208 قصة ثماني دقائق .
وطبعاً لا بد من الحقارة كما ذكرنا
__ لا شك أني حقير ، أقارن أجازتي بموت
أنسان ص 207
والتعاسة أيضاً لا بد منها :
__ كان رأسه خالياً من كل شيء وكانت في
صدره رغبة حارة لبكاء بلا دموع . ص208
في قصة أكتاف الآخرين :
__ ووقفت أمام مكتبه طاوياً كفي على بطني
( هأنذا ، لقد عدت ككلب ) ! ص 219 ،
نلاحظ تشبيه الأنسان بالكلب يتكرر في
كثير من قصصه أمعاناً في هذا الشعور
بالنقص وأحتقار الذات ، حتى السيارة وصفها
ككلب ميت مضغوط .
من قصة قلعة العبيد
__ أن يمضي الرجل سبعين سنة من حياته
بصورة قاسية ، أن يعمل أن يتعب أن يكون
موجوداً يوماً أثر يوم وساعة وراء ساعة أن
يأكل طوال سبعين عاماً من عرق كفيه ، أن
يعيش اليوم آملاً في غد أفضل أن ينام كل
ليلة سبعين سنة لماذا ؟ ليقضي بقية عمره
مطروداً ككلب ، وحيداً جالساً هكذا أنظر
اليه كأنه حيوان قطبي فقد فراءه .. ص 229
من قصة القط
__ لقد كتم أبتسامة سخرية مرة وراودته
رغبة في ان يوقف كل رجل يمر به ويهزه من
كتفيه ويصيح به : أنت مسكين ص 252
__ أن لغرفة العاهرة رائحة خاصة ، لا بد
أنها تنبعث من مكان ما من السرير ،
الستائر ، أم أنفي نفسه ! ولكنها رائحة
متميزة أستطيع شمها ككلب صيد مدرب .. كلب
؟ ص254_
__ نظر الى الحائط يسحق الجملة التي
أخذت تعوي كذئب في رأسه ص254
من قصة الخراف وهي القصة الأخيرة في
مجموعة موت سرير رقم 12 يختتمها بالجملة
التالية
__ كانت نوبة الفلسفة ما زالت مكلبة بعقلي
الزميلين في المقعد الخلفي ووجدت نفسي
مرغما على أن أكرر لنفسي تلك الجمل
الحقيرة التي ما برحت تفتك بعقلي منذ زمن
طويل : هذه رحلة عجيبة اليوم ليست سوى
مأساة وغدا سوف نقول عنها أنها مغامرة
ص267.
نلاحظ أن قصص المجموعة كلها لم تخل من
التعابير والأوصاف التي تقدم ذكرها ، ولعل
القصة الأخيرة ( الخراف ) هي الوحيدة التي
حملت طابعاً آخر رغم أنها تحدثت عن بؤس
راع بدوي ألا أنه عاد ووصف الجمل التي
رددها بأنها حقيرة .
ننتقل الى مجموعة أرض البرتقال الحزين
وسوف أكتفي بالأشارة الى بعض الجمل من كل
قصة ولا تخل أية قصة من الحالات التي
ذكرناها .
لنرى بعض ما جاء في قصة أبعد من الحدود ،
ففيها تشابيه وتعابير الذل والأحباط
والبؤس مكثفة جداً .
__ أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك .
ص279
__ لي أخ يتعلم الذل في مدارس الوكالة .
ص280
__ يا سيدي أنا أذن خنزير حقير .. أتسمح
لي أن أكونه ؟ ص281
__ أنا لست صوتاً أنتخابياً وأنا لست
مواطناً ص 281
__ وتبدو لي حياتي ، حياتنا كلنا خطاً
مستقيماً يسير بهدوء وذلة ، ص 282
__ ألست ترى أنكم أستطعتم نقلي بقدرة
قادرة من أنسان الى حالة ؟ ص285
__ لا بأس لن ينالني العار أكثر مما نالني
ص286
__ أية حياة هذه الموت أفضل منها ص287
من قصة السلاح المحرم
__ أنظر الى عينيه الزرقاوين كيف تغزلان
، أنه ملعون حذر ككلب صيد . ص303
__ وأحس _ فيما كان على وشك أن يبكي بأن
لا مناص ص315
من قصة الأخضر والأحمر من نفس المجموعة
فنجد ما يلي :
__ كفاه فيهما عشرة أصابع كل اصبع له
ثلاث عقد تماماً مثل الأنسان . ( نلاحظ
هنا جملة مثل الأنسان ، أمعاناً بالأغتراب
) ص357
__ فأنطلق الىأمام شاقاً بأظافره طريقه
الصغير كالدودة . ص358
__ كل الناس فوق كاهلك ، وأن تأكل تراباً
وتتنفس وتشرب عصير التراب ؟ ص359
___ أيها ألأسود الصغير وأنت ماض كالدود
تبحث عن ماذا ؟ أي خلاص ترتجي ؟ أين
سينتهي بك الطريق التعس ؟ ص 360
في قصة ارض البرتقال الحزين
__ وقمت كالمسعور وانحدرنا عبر التلال
حفاة في منتصف الليل ص370
__ يجب أن لا نطلب الأكل ولو جعنا ص373
__ وكانت عيونكم تلتمع كأنها عيون القطط
ص374
__ لقد دخلت الغرفة متسللاً كأنني منبوذ
ص 375
في قصة قتيل في الموصل نجد ما يلي :
لقد كان الطريق طويلا منذ غادر البئر الى
أن وصل الى باب الجامعة كان طريقاً طويلا
موحلاً _( الموحل هنا مجاز ) ص 381
__ حين تعبرون الطريق الى فلسطين سوف أكون
خلفكم أنا صرصار صغير سأحتمي بأظلال فيلة
هنيبال . ص382
__ ألاحظت ؟ أنهم يحشدون أنفسهم كالديدان
ص 386
__ بغداد ! كل شيء أصبح غير ذي معنى
الديدان خرجت من باطن ألأرض ، ص387
__ وفي الصباح هبط الجيش الى الشارع كان
كل شيء يحتم هذه اللحظة وهربت الصراصير من
جديد ص 388
وفي قصة ( لا شيء )
__ كان ثمة عنكبوت أسود كبير قد تمركز في
جبينه من الداخل يبني شباكه الدقيقة
القاسية بين عينيه ص 396
__ أشار الى جانب رأسه مرة أخرى ومضى
العنكبوت يشد خيوطه ص396
__ نظر الى الممرض بأمعان كان العنكبوت
قد بدأ يتلاشى . ص402
ونقتطف من مجموعة ( عالم ليس لنا ) ما يلي
:
___ ذلك البناء القميء الذي كان يعج
بالفئران والجيران بشكل لا يحتمل ص425
قصة الصقر
__ أغلب الظن هكذا كنا نعتقد ان جدعان
يحتقر بكيفية ما زميله مبارك ص427
__ ضد جدعان أنه يرفض تنظيف المراحيض
حينما يأتي دوره ص 427
ومن قصة كفر المنجم :
__ أنني أكره هذا المقهى ص439
__ وبصوت خفيض قلت لنفسي أنني واهم ومنافق
ص440
__ كان العالم يبدو في عيني وهميا فقررت
من جديد انني لا استحق الحياة ص442
__ مثل كل يوم الناس يتدافعون والسيارات
تتبارى وشتائم بائع الكعك ص 446
ومن قصة ذراعه وكفه واصابعه :
__ أيها العجوز الخرف ..واكتشف في تلك
اللحظة ان هذه الجملة الصغيرة ترددت على
لسانه طوال السنوات الاربع الفائتة دون
كلل ودون توقف ورغم طول الزمن لم تفقد
شيئا من معناها مغزاها ولؤمها ص450
__ وانهمر على ركبتيه امامه وحاول ان يقبل
يده ولكن خيري شد يده بعنف وتراجع خطوة
الى الوراء وصاح بكل ما في وسعه : أنت
عجوز خرف ص451
__ أعجوز خرف لأنني احببتك ! لأنني كنت
ذليلاً على قدميك 1 ص451
ومن قصة عشرة امتارفقط :
__ ولم تستطع العلاقات الواسعة تلك ان
تدخل الى حياتنا الا شيئا بسيطا وتافها من
النكهة والمذاق ص 461
__ كنا نمضي أيام العطلات في تجمعات
صغيرة نلعب الورق ونشتم ونسلي انفسنا هكذا
كنا نسمي الأمر مجرد تسلية بمقامرات صغيرة
ص 461
__ كانت المرأة يافعة نضرة وان كانت قذرة
ص462
__ كلا كلا أنا أعرفكم سوف أجد في الداخل
عشرة رجال على الأقل ولسوف يتناوبوني أنتم
تكذبون دائماً ص 462
__ كم نحن سخفاء حين ندخل الحضارة قسرا
الى اليأس والأسى الأنسانيين ص462
__ شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه داخل
سيارة مستفيدا من الحضارة ثم تبقى المسافة
بينه وبين انسانيته معطلة تماما ص 462
__ ألا أنه كان يرتد الى الصمت بنوع من
الذلة ص 464
__ لست أفهم كيف تقول لا يهمكما وانت لست
ألا قواداً ص466
ومن قصة المنزلق :
__ وقد أتفق أولئك مع ابي على أن يكتموا
السر عن مخدومهم مقابل أن يصلح لهم
احذيتهم مجاناً ص 473
__ ولم يستطع الخدم أن يجدوا صندوق أبي
بين كل تلك القشور ص474
__ ولكنني لست مجنونا أذهب الى قصر الرجل
الغني وانظر الى أحذيته فستجد عليها
اطرافا من لحم ابي ص 476
و من قصة علبة زجاج واحدة :
__ كنا نعيش كفئران التجارب ص 481
__ هو ذا عالم فاوست الشياطين والسحرة
أتوا من انحاء العالم وزواياه ليجتمعوا
هنا ، وهأنذا في صميم الضجيج عاهرات طلين
وجوههن بمساحيق شيطانية _ ويتمسكن بالعبور
ليكتشفن رجلا سكرانا يسهل جره الى غرفة
الرجس ص486
__ وانحنت فرفعت ثوبها الطويل وكشفت عن
بطن متهدل منفوخ . كان الثوب قد وصل الى
اسفل ثديها وكانت تلهث كانها موشكة على
البكاء ص489
__ سوف تضعين سبعة جراء صغيرة كالقطط
ص489_
___ أنه شيء لا يحتاج الى حساسية خارقة
أن يكتشف المرء بأن شعوراً عاما بالخجل
كان يسيطر على الجميع ص 491
ومن مسرحية جسر الأبد
بلى فكرت كثيراً دون جدوى أحس أحياناً
أنني فأر تعس أطبقت وراء ذيله مصيدة جبارة
. ص50 طبعة الأسوار
ومن رواية رجال في الشمس
__ في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم
وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير .
الأعمال الكاملة ص46
__ وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء
فوقه ، ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف
أباه بأنه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشأ أن
يشطب ذلك بعد أن كتبه . ص 76 الأعمال
الكاملة .
__ قصص رجال تحولوا الى كلاب وهم يبحثون
عن نقطة ماء ص112 الأعمال الكاملة .
__ أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا
؟ ص114 الأعمال الكاملة .
كما لا حظنا فأن التعابير الحسية مسحوبة
من واقع بائس أكد عليه الكاتب بحرقة بهدف
خلق طفرة التمرد والثورة ، من خلال
التأكيد عليه والأصطدام به وليس تجاهله
كما جرى حتى الآن " في السنوات العشر
الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر ،لقد
أحتجت الى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق
أنك فقدت شجراتك وشبابك وقريتك كلها ، في
هذه السنوات شق الناس طريقهم وأنت مقع
ككلب عجوز في بيت حقير ، ماذا تراك كنت
تنتظر ؟ أن تثقب الثروة سقف بيتك ؟ بيتك ؟
أنه ليس بيتك ! رجل كريم قال لك أسكن هنا
" رجال في الشمس الأعمال الكاملة ص 46 .
فهو لم يتحدث عن فلسطين الفردوس المفقود
فقط بل عن الحاضر التعيس الذي تطحن فيه
كرامة الأنسان ،وسنجد أن براعم الثورة على
هذا الواقع قد بدأت تظهر في بعض القصص ،
وسنجد أن تمتمة وليست صرخة أولى نطقت
بكلمات ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ في
رواية ! رجال في الشمس ، ) هذه التمتمات
تتطور وتصبح طعنات وجهتها مريم لزكريا
الخائن وحامد للجندي الأسرائيلي في رواية
( ما تبقى لكم ) ، لقد كانت طعنات لهذا
الواقع الحقير .
رجال في الشمس ..فشل محاولة أستنساخ
الفردوس المفقود
لقد سبق وأن مُسرحت هذه الرواية على يد
المخرج رياض مصاروة ، كذلك قدمها المخرج
منير بكري باللغة العبرية في الآونة
الأخيرة ، وأعتقد أنها قُدمت في السينما
أيضاً ، وصرخة لماذا (لم يطرقوا الخزان )
، أصبحت جزءاً من تراث الفلسطينيين الفكري
والدلالي ، الأمر الذي يشير الى أهمية
هذه الرواية التي أعتبرها بعض النقاد
أولى الروايات الفلسطينية الملتزمة ( أنظر
فاروق وادي ثلاث علامات في الرواية
الفلسطينية ) ، وقد تركت بصمتها الواضحة
في وجدان القراء والنقاد على حد سواء ،
فما هو سر قوة هذه الرواية ؟
لقد توفرت الضرورة الأولى للرواية وهي
المضمون أو الفكرة ، فقد جاءت بلا شك
قوية وحادة ومؤلمة جداً ، والقارئ لا
يمكن أن ينسى عملاً فنياً يسبب له الألم ،
لأن هذا يعني أن الكاتب قد نجح بملامسة
مشاعره ، فأنت كقارئ سوف تتعاطف مع أبطال
الرواية لأنك ستشعر بالظلم الواقع عليهم
خصوصاً نهايتهم المأساوية التي قد تكون
حصلت بالفعل لأمثالهم من المتشردين فأن لم
تحصل فعلاً فأن أمكانية حصولها واردة ،
وأذا كنت فلسطينياً فقد تتخيل أمكانية
وجودك أنت مثلهم في الخزان كضحية فتتماهى
معهم ، وهذا بحد ذاته يعطي للرواية قوة
ومبرراً ، وهو الوجه الأول الضروري لأي
عمل روائي ، ألا أن المضمون مهما كان
قوياً لا يسمى رواية ناجحة ما لم يقدم
بأدوات ترتقي وتحلق به الى فضاء الفن
والأبداع (الشكل ) ، وبما أن القارئ
والناقد قد أحبا هذه الرواية وما زال لها
حضورها وصداها بعد حوالي أربعة عقود على
صدورها ، فهذا يعني أنها دخلت فضاء الفن
والأبداع ، فما هي هذه الأدوات التي
أستخدمها الكاتب لتحويل فكرته الى فن !
لقد قسم الكاتب الرواية الى سبعة أقسام أو
فصول ، وهي _ أبو قيس _ أسعد _ مروان _
الصفقة _ الطريق _ الشمس والظل _ القبر .
وهي سبع لوحات كبيرة كل لوحة تكمل الأخرى
مثل معارض الرسم الحديث التي نشاهدها ،
لوحة تكمل الأخرى وأن كان من الممكن أن
نشاهدها كلاً على حدة ، ألا أن اللوحة
تكتمل وتأخذ بعدها الحقيقي الى جانب
أخواتها ، فاللوحات السبع تشكل عملاً
فنياً واحداً , وكي تكمل بعضها بعضاً فلا
بد أن يكون في اللوحات السبع ما هو مشترك
، ولا بد أن تكون الألوان والأحجام
ومساحات النور والظلال متناسبة بحيث تبدو
مكملة لبعضها البعض وليست ملصقة على بعضها
، أي أن التكامل فيما بينها يجب أن يتم
بتفاعل عضوي داخلي وليس سطحياً ، أن يأتي
من صلب الأحداث الهامة في الرواية وليس من
سطحها ، فهل يوجد هذا التكامل ! في هذه
اللوحات ؟ هل هناك ما يوحد هذه اللوحات !
الزواج والأسرة
في هذه اللوحات نجد أن قضية الأسرة
والألتزام بها والخوف من تفتتها تشكل (
موتيف ) مشتركاً ، الأربعة أتوا من مجتمع
محافظ عموماً ، تلتحم فيه الأسرة بعرى
وثيقة . ونلاحظ أن عرى هذه العلاقات بدأت
تنبت وتتحلل ، فالأبطال الأربعة
الرئيسيون ، أبو قيس ، مروان ، أسعد ،
أبو الخيزران ، يشكلون أربعة أضلاع
متساوية متناسبة وذلك أن الأسباب التي حدت
بهم للسفر واحدة ( البحث عن العمل والمال
) ، وحالاتهم الأجتماعية متشابهة ،
وأصولهم من نفس المكان ( فلسطين )
ونهايتهم واحدة ، وبالأمكان القول بوجود
تناسب جمالي ، يشعر القارئ جراءه براحة
ومتعة وذلك لوحدة الموضوع وتماسكه الأمر
الذي يجعل القراءة مريحة ، طبعاً فأن
دقة التعابير والأيجاز ، وعملية السرد
المسبوكة بمهارة مثل ضربات الفرشاة
المتناسقة والمتناسبة على اللوحة في
المساحات والألوان المتسلسلة بخطوط رفيعة
، تصبح أثخن كلما تقدمنا في الرواية ،
الى جانب هذا فأن اللغة هي ألوان الكاتب ،
هي المادة التي يصنع منها فنه ، فلننظر
كيف يستخدم غسان اللغة ( الألوان ) ، في
الصفحة الأولى من هذه الرواية .
" كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق
فوقها خيل أليه أنه يتنسم شعر زوجه حين
تخرج من الحمام وقد أغتسلت بالماء البارد
، .. الرائحة أياها ، رائحة أمرأة أغتسلت
بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو
لم يزل رطيباً .. الخفقان ذاته : كأنك
تحمل بين كفيك الحانيتين عصفوراً جميلاً
.. " ص37 الأعمال . نجد في هذه اللوحة
،_ الرجل _ الأرض _ المرأة _ جمال
المرأة وأنوثتها _ الماء _ الرائحة
المثيرة _ الخفقان ، المشاعر _ عصفور
جميل بين كفين حانيتين . أنها قطعة من
القطع التي تشكل اللوحة الأولى ، وبقراءة
متأنية فأنك تكاد تلامس اللوحة بأصابعك
وتراها بعينيك . مثل هذه الصور تجذب
القارئ وتشده لمواصلة القراءة بمتعة ، لقد
أرتقى هنا بالواقع الى مرتبة الفن ، لقد
عبر تعبيراً رائعاً عن علاقة أبي قيس
بالأرض وبزوجته ، هذه الزوجة الرائعة هي
التي سيضطر لأن يتركها وراءه بسبب الحاجة
، وسيسافر آلاف الأميال الى المجهول !
نبدأ بالتسلسل كما جاء ترتيب أبطال
الرواية .
أبو قيس رب أسرة تشرد من فلسطين ، لم يصدق
ما حصل له بعد " لقد أحتجت الى عشر سنوات
كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك
وبيتك وشبابك وقريتك كلها ص46 الروايات
الآثار الكاملة . ( هذا يؤكد ما سبق وقلنا
أن اللاجئ لم يكتشف ولم يقتنع بعد بما حدث
له )
. لنقرأ هذا الحوار بينه وبين صديق له
يدعى سعد سبق وسافر وأحضر مالاً يحثه على
السفر الى الكويت ، يقول له : " أتعجبك
هذه الحياة هنا ؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت
تعيش كالشحاذ .. حرام ! أبنك قيس ، متى
سيعود للمدرسة ؟ وغداً سوف يكبر الاخر ..
كيف ستنظر أليه .
__ طيب كفى "
__ لا لم يكف حرام ! أنت مسؤول ! الآن عن
عائلة كبيرة ، لماذا لا تذهب الى هناك ؟.
ما رأيك أنت ؟
( سعد يقنعه والزوجة تستمع ، وعندما
يسألها ما رأيك يا أم قيس تقول )
: " كما ترى أنت .. "
_ سيكون بوسعنا أن نعلم قيس "
_ نعم
_ وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين
_ طبعاً
_ وربما نبني غرفة في مكان ما
_ أجل ص48
أذاً فواجب أبي قيس تجاه الأسرة المدقعة
في الفقر دفعه للسفروترك زوجته وأولاده ،
نلاحظ أنه سيحاول في غربته أحضار المال
لأستنساخ فردوسه المفقود وليس تحريره ،
فهو يطمح لأعادة زرع شجرات الزيتون وأعادة
بناء غرفة في مكان ما ، وكأنه قرر الركون
الى هذا الواقع وقد بدأ تعامله معه بعد
عشر سنوات من الأنتظار والأعتكاف غير
المجدي ، أذاً سيحاول أبو قيس الخروج من
قوقعته وعزلته ، هذه العزلة التي هي في
جوهرها محاولة دفاع عن النفس في واقع
الأغتراب ، فالواقع أقوى من الأستمرار
بتجاهله ، وهناك حاجات انسانية يومية تضغط
على هذا اللاجىء ، أضطرته الى التوغل في
الصحراء بحثاً عن المال ، وهو يعتقد أو
يحلم أن هذا المال سيعوضه عن الوطن لأنه
بهذا المال سيستنسخ ماضيه المفقود .
__ الشخصية الثانية أسعد وهو شاب يريد
السفر لكنه لا يملك فلساً واحداً ، ألا
أن عمه يعطيه تحويشة العمر خمسين ديناراً
، وذلك كي يذهب ويعمل ويعود ليتزوج أبنته
ندى ، _ يقول عمه " أنني أريدك أن تبدأ
ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك أن تتزوج
ندى .. أنني لا أستطيع أن أتصور أبنتي
المسكينة تنتظر أكثر هل تفهمني ؟" ص61 .
أذاً فرغم كل ما حصل تستمر الحياة ،
وبعيداً عن الشعارات فأن سلم الأولويات
عند عمه هو تزويج المسكينة أبنته ، أذاً
فالواقع الجديد ( اللجوء ) بدأ يأخذ صورة
الأستمرارية والعودة الى الحياة
الأجتماعية ولكن بصورة مشوهة ، وبدأت
عملية اللجوء تبتعد عن كونها ظاهرة مؤقتة
.
__ الشخصية الثالثة مروان . هو شاب في
مقتبل العمر يترك المدرسة كي يذهب الى
الكويت للعمل وأرسال المال لأسرته بعد أن
ترك والده الأسرة وتزوج من شفيقة المبتورة
الساق فقط لأنها تملك ثلاث غرف ، بينما هو
وأسرته لا يملكون سوى غرفة من الطين ،
وصديق والد مروان وهو والد شفيقة يريد أن
يتخلص من عبء أبنته ليلقيه على زوج . "
لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقة أن
يتزوجها .. قال له أنها تملك بيتاً من ثلا
ث غرف في طرف البلد دفعت ثمنها من تلك
النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية ..
وأبو شفيقة يريد شيئاً واحداً : أن يلقي
حمل أبنته التي رفضها الجميع بسبب تلك
الساق المبتورة من أعلى الفخذ ..على كاهل
زوج ! أنه على حافة قبره ويريد أن يهبطه
مطمئناً على مصير أبنته " ص80 .
ولكن لنفس الأسرة أبن يدعى زكريا سبق
وسافر الى الكويت وأرسل لهم المال لكنه
منذ تزوج هناك كف عن أرسال المال وهذا حدا
بمروان أن يسافر لأعالة أمه ونصف دزينة من
الأفواه المفتوحة .
نلاحظ هنا أن جميع الأسر المذكورة في
طريقها الى التفسخ بسبب هذا السفر غير
المأمون العواقب، وكل هذه العلاقات مبنية
على خطأ ، أبو قيس الكهل سيبتعد عن
زوجته التي ذكرها بشهوة في الصفحة
الأولى في مغامرة غير مضمونة لأعالتها
وضمان تعليم قيس ولأستنساخ وطنه المفقود
وليس تحريره ، والله أعلم متى سيعود اذا
عاد ! وأسعد حصل على النقود من عمه الذي
يريد أن يزوجه من أبنته ( ندى ) التي لا
يحبها أسعد بل ويتساءل لماذا أنتظرته
لمجرد أنهم قرأوا لهما الفاتحة يوم
ولادتهما ! فهو يرضى بأخذ النقود من عمه
رغم عدم أقتناعه وعدم نيته بالزواج من ندى
. أما والد مروان فقد تزوج من شفيقة أبنة
صديقه لسعيه الى الأستقرار ( أستنساخ
مزيف للأستقرار ، فقد حصلت شفيقة على
الغرف الثلاث من جمعية خيرية ) ، ولكنه
مقابل هذا الأستقرار المزيف والرضى بزواج
مصلحي ترك أسرته لتضيع ، الأمر الذي أضطر
أبنه أن يترك المدرسة ، أما زكريا شقيق
مروان فقد تزوج في الكويت وانقطعت أخباره
( أستقر خارج وطنه وربما ضاع فأخباره
مفقودة ) ، وربما سيكون مصير مروان
مشابهاً لمصيره ، لأنهم يقولون له " عندما
تصل هناك ستعرف أن النقود أولاً ومن بعدها
تأتي الأخلاق " .
__ الشخصية الرابعة أبو الخيزران ، فقد
ذكورته بأنفجار قنبلة أثناء حرب 48 ، ولم
يعد له هم الآن سوى جمع المال ليرتاح في
الظل فيما بعد ( في الظل بعيداً في
الصحراء وليس في الوطن ) ، ويحس بالضيق
والحرج عندما يُسأل لماذا لا يتزوج . أذاً
فالأسرة في تشظيها تشكل موضوعة هامة في
هذه الرواية . لقد بدا جلياً في هذه
الرواية التفكك الأسري للعائلة الفلسطينية
وهو تعبير عن تفكك مجتمع بأكمله ، بات
يلهث أفراده لأجل الرغيف والمسكن ومجرد
البقاء ، كذلك فهي محاولة أستنساخ أستقرار
مؤقت لأعادة شكل من أشكال الحياة الطبيعية
لبني البشر ، وحتى على حساب العمل من أجل
العودة الى فلسطين ، وأما هذا النسق
والتشابه في هذه الحالات فقد منح للقارئ
راحة ولم يشتت أفكاره فالمشترك بين
الأبطال واضح ، كذلك فأن لكل منهم شخصيته
المستقلة في الوقت ذاته .
__ الأبطال من نفس الأصل الفلسطيني :
الموتيف الثاني والذي يفرض أجواء التناسق
في الرواية فهو كون الأبطال الرئيسيين (
اللاأبطال ) الأربعة جميعهم من أصل
فلسطيني ، وقد ذكرت بشكل أو آخر البلدان
الأصلية التي طردوا منها . أذاً فهذا يشبه
لوناً مشتركاً بين اللوحات ،
__ أبو قيس من قرية قريبة من يافا " في
تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالساً في
ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته : كان قد
أرسل لقريتهم من يافا كي يعلم الصبية "
ص41 الروايات . __ أسعد من الرملة . شخص
يدعى أبو العبد يقول لأسعد " ورغم ذلك
فسوف أقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت أعرف
والدك ، رحمه الله ، بل أننا قاتلنا سوية
في الرملة منذ عشر سنوات " ص 54 .
__ مروان من يافا . والد مروان تزوج
شفيقة أبنة صديقه " التي فقدت ساقها
أثناء قصف يافا " ص 80 .
__ أبو الخيزران من طيرة دندن حيفا .
كان أبو الخيزران سائقاً بارعاً ، فقد خدم
في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 48
أكثر من خمس سنين " ولذلك أستدعاه مجاهدو
الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية
قد أستولوا عليها " . ص94 .
******
من الملاحظ أن الأبطال الثلاثة يفاصلون
على أجرة الطريق بسبب فقرهم ، الى أن
يتوصل ثلاثتهم كل بطريقته الى الأتفاق مع
أبي الخيزران لنقله الى الكويت ، وهذه
المفاصلة وما يحيط بها من أحداث صغيرة
تدعم أعداد القارئ للصفقة أي اللوحة
الرابعة من الرواية .
*****
نلاحظ الجو المأساي الذي أقفلت فيه
اللوحات الثلاث الأولى ، الأمر الذي ينبئ
بأقتراب حدوث أمر فاجع ، فأبو قيس " أحس
أن رأسه كله قد أمتلأ بالدمع من الداخل
فأستدار وأنطلق الى الشارع . هناك بدأت
المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع . ص50
__ أما أسعد فالرجل السمين يقهقه من وراء
كتفيه ويقول " لكن حاذر أن تأكلك الجرذان
قبل أن تسافر " ص68
__ أما مروان فقد ودعته زوجة والده هكذا
" كان صوتها فاجعاً وحين التفت اليها قبل
أن يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء " ثم "
صفق الباب وراءه وسار . كان ما زال يسمع
صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة وعند
المنعطف تلاشى الصوت . ص86
أذاً هذه الحالات الثلاث تسهم بأضفاء جو
التناسب العام على العمل ، وتهيئ القارئ
لما هو آت ، وتشده لمعرفة ما سيحصل
للثلاثة بالفعل .
أنظر الحوار في اللوحة الرابعة ( الصفقة )
بين مروان وأبي الخيزران حول طريقة
تهريبهم
"__ أسمع يا أبا الخيزران .. هذه اللعبة
لا تعجبني ! هل تستطيع أن تتصور ذلك ؟ في
مثل هذا الحر من يستطيع أن يجلس في خزان
ماء مقفل ؟
__ لا تجعل من القضية مأساة ،هذه ليست
أول مرة .. هل تعرف ما الذي سيحدث ؟
ستنزلون الى الخزان قبل نقطة الحدود في
صفوان بخمسين متراً ، سأقف على الحدود أقل
من خمس دقائق ،" الخ . هذا الحوار يوجه
القارئ ويعده نفسياً بالأشارات الى ما
سيحدث . فالأبطال يعرفون خطورة ما هم
مقدمون اليه ، ولكن ما العمل ! فأن أبا
الخيزران ( القائد العاجز ) يقنعهم بعدم
وجود أمكانية أخرى .
بعد الصفقة تأتي اللوحة الخامسة ( الطريق
) ، وفيها نقرأ قصصاً ومآسي مهولة حدثت
لمن سبق وحاولوا العبور الى الكويت عن
طريق الصحراء " هل رأيت في عمرك كله
هيكلاً عظمياً ملقى فوق الرمل ؟ "
_ ماذا قلت ؟ " أبو الخيزران يحكي لأبي
قيس قصص الموت والعطش لمن خدعوا مع
مهربين آخرين . وهذه القصص المخيفة تعد
الأجواء للمأساة الكبيرة التي تنتظرهم ،
ولكنها أيضاً تجذب القارئ وتشحذ رغبته في
معرفة النهاية ، خصوصاً وأن الكتابة غير
مترهلة ، والجمل قصيرة وموجزة .
يأتي بعد ذلك فصل ( الشمس والظل ) ، وهو
قصة المأساة فيسردها بشد أعصاب يوتر
القارئ ويمنحه لذة الترقب لما سيحدث ، هل
سينجحون أم سيموتون أختناقاً على الحدود
! وقد نجحوا في الحاجز الأول ، ويتعاطف
القارئ معهم ويود لو أنهم ينجحون بعبور
الحاجز الثاني ، لكنهم في الحاجز الثاني
تأخروا ، ويشعر القارئ بالقلق الحقيقي
والغضب عندما يدير حرس الحدود محادثة
تافهة مع أبي الخيزران ، تدل على مللهم
وفراغهم وجوعهم للجنس ، بينما الثلاثة
داخل الخزان يواجهون خطر الموت وبالتاكيد
فهي لحظات يكون القارئ فيها مشدوداً جداً
ليعرف النهاية ، هل بقوا أحياء أم قضوا !
ويزداد شد الأعصاب عندما يفتح أبو
الخيزران الخزان وينادي فلا يأتي سوى صدى
صوته .
اللوحة السابعة القبر . حتى طريقة الدفن
أو التخلص من الجثث يتمكن الكاتب من جذب
القارئ لمعرفتها ، هل يدفنهم كل واحد في
قبر ! هل يدفن ثلاثتهم في قبر جماعي ! هل
يلقي بجثثهم في الصحراء للجوارح وبعد أيام
يتحولون الى هياكل عظمية بيضاء ! أم يلقي
بالجثث على المزبلة كي يتمكن عمال النظافة
من أكتشاف الجثث فتقوم الدولة بدفنهم !
هكذا ينجح الكاتب بجذب القارئ حتى الكلمة
الأخيرة ، وبرأيي المتواضع فأن هذه
الرواية أجمل عمل روائي لغسان كنفاني .
الحدود :
لقد لعبت الحدود والحواجز بين بلد عربي
وآخر عائقاً هاماً في تحرك المواطنين ،
سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين ،
فعبور أسعد من الأردن الى العراق كان
مشكلة كانت قد تؤدي الى موته ، والعبور من
العراق الى الكويت كان أيضاً مشكلة
لجميعهم ، لدرجة أنها أدت لحالة الموت
والأختناق الرمزية ، وقد كان الرمز لهذا
الوضع الشاذ الخزان المقفل ، فالخزان هو
الواقع الخانق ، وأبتعادهم عن الهدف
الأساسي أدى الى أختناقهم ، فهم
كالأسماك خرجت من الماء ، وفي رحلتهم
المغامرة هذه كانوا يسعون لأستنساخ وطنهم
الأصلي وأعادة تشكيله في المنفى بصورة
مشوهة بدلاً من تحريره ، وقد رمز الكاتب
للحدود الأستعمارية التي يضطر العربي
للألتفاف حولها للدخول الى قطر عربي آخر (
بالأتشفور ) " أقسم لك بشرفي أنني سألتقيك
وراء الأتشفور ، ما عليك ألا أن تدور حول
تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك ،
لقد دار دورة كبيرة حول الأتشفور ، كانت
الشمس تصب لهباً فوق رأسه " ص58 . أذاً
فمنطقة الأتشفور والتي سميت كذلك بأعتقادي
نسبة لخط بترول العراق حيفا ، رمز ت الى
هذه الحالة ، سواء كانت واقعاً أو رمزاً
فأنها بالمحصلة أصبحت رمزاً لحدود
أستعمارية بين الكيانات العربية يضطر
المواطن العربي للألتفاف حولها كي يعبر
الى القطر العربي الآخر في مخاطرة قد تودي
بحياته لأن الحدود مغلقة بوجهه . وقد رمز
الكاتب لسلاطين الصحراء والذين هم نتاج
للمخططات الأستعمارية بالجرذان تأكل بعضها
، عندما تتساءل الفتاة الأجنبية ، " أوف
هذه الصحراء مليئة بالجرذان ، تراها ماذا
تقتات ؟
__ أجاب بهدوء : جرذاناً أصغر منها " ص 67
.
، وأما صرخة لماذا لم يقرعوا الخزان
فكأنها تنديد بهذا الواقع الذي يجد
الأنسان العربي نفسه فيه في المقلاة ، ثم
يموت مختنقاً داخل الخزان دون أن يصرخ أو
يحتج أو يحاول تغيير واقعه الأليم ، بينما
حرس الحدود والحاج الذي عمل عنده أبو
الخيزران يتسلون بقصص الجنس ، الى جانب
هذا سبق وقيل من قبل ( في دراسات سابقة ،
ليوسف سامي اليوسف ، غسان كنفاني رعشة
المأساة ) أن أبا الخيزران المخصي رمز
للقيادة التي فشلت .
أود أن أضيف أن أبا الخيزران ليس رمزاً
لقيادة عقيمة فقط ، فقد تواطأ مع حركة
التهريب التي كان يقوم بها الحاج في
الأشياء الأخطر من تهريب الناس ، ولعل
الكاتب أراد بهذا الرمز أن قيادة فلسطينية
مخصية تحالفت مع قيادة عربية فاسدة
ومتسترة بالدين ، ولو لم يقصد ذلك لما منح
لقب ( الحاج ) للمهرب ، والنتيجة هي موت
الثلاثة الذين يمثلون قضية فلسطينية عربية
أنسانية ثم رميهم على المزبلة ، أن
محاولة الأبتعاد عن الوطن وأستنساخه بدلاً
من تحريره أدت الى أن يلاقوا هذا المصير
والنهاية المفجعة ، من ناحية أخرى فأن
أبا الخيزران الذي تساءل لماذا لم يقرعوا
الخزان ! هو نفسه الذي لم يتورع بعد أن
ترك الجثث أن يعود ويأخذ ما تبقى من نقود
في جيوبها وكذلك الساعة من يد مروان ،
هذا الأنسان نفسه الذي قاد مصفحة عام 48
وفقد ثقته بنفسه وصار كل همه أن يجمع
المال كي يستريح فيما بعد ( في الظل )
بعيداً عن وطنه . رجال في الشمس تبين
وتحذر من محاولة أستنساخ الوطن الأصلي
بآخر مزيف لأن النهاية مأساوية ، وهي كذلك
مأساة وفضيحة للعرب وللحدود الأستعمارية
التي تفصل العربي عن أخيه العربي ، فلا
يستطيع الوصول اليه ألا بالألتفاف حول (
الأتشفور _ H_4 ، وأختناق ليس فقط
لمجموعة من الفلسطينيين الباحثين عن العمل
والذين يضطرون للتسلل الى الكويت من
العراق في خزان المياه ! بل هو واقع عربي
خانق ، ولا بد هنا من أستذكار حرب الخليج
الثانية ومآسيها بسبب هذه الحدود نفسها .
_ ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ )
في هذا التساؤل بذرة تمرد ورفض لم تبرعم
بعد ! والتي سنسمع صداها عند حامد في
رواية ما تبقى لكم .
|