"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

نص بقلم الكاتبة الفلسطينية رشا حلوة, استجابة رقيقة لنصي "مضرج بالأمكنة"

لتكن أنت المكان..
(إلى سليم البيك)

 

 رشا حلوة


"لم أجب".. قال. بهيئة غريب- قائم على هذه الأرض. ينبش بين التراب بحثًا عن تلك الأجوبة التي رموها يومًا، ربما في البحر المجاور. لا أعرف وجهه عن قرب. ولا صوت صافٍ خالٍ من اختراق التكنولوجيا. لا تعلم يداه برد هذه السماء، ولا الشمس تتقن تفاصيل وجهه تحت ظل زيتونة في موسمها. منذ أن ولد هناك، وبكي بكاءً لا يُشبه بكاء من وُلد هنا، ورضع حليبًا ممزوجًا بالرمل والدموع، تعلم كيف يعشقون. وكيف يبنون عالمًا غير منفي في صقيع المنفى.

كان كل شيء "مشبها بها.."، كانت سماء المخيم تشبه سماء فلسطين، وكان برد المخيم كبرد الجليل.. كانت نساء المخيم هن نساء بلده، كان المطر الموسيقي المنهمر على الزنك، هو ذاته مطر ترشيحاه. كانت ضحكة بنت المخيم تشبه ضحكة المنتظرة هناك.

كانت الحليصة بالنسبة له، حيٌ كتب عنه غسان كنفاني. لا تفعل كل الأماكن به كل شيء. ثمة أماكن لا يتحدثون عنها عبر الفضائيات، ولا تثير زوبعة الحنين إلاّ داخل من رُحّلوا عنها..لم يرحل هو عنها، ولم يرحل أبوه. رحل جده من الجليل الأعلى، عائدًا بين أسماء الناس والباقين. بين العام والآخر يتحدثون عن نغمة اسم جده، فحمل اسمه. منذ عام، عندما دخل إلى تفاصيل حياتي والتراب، أصبح هنا. يحاول أن يلملم ما تبقى لنا من ذكرى -واقع. يحاول أن يتحرش بالصخور غير المبالية، بقطرات المطر التي اكرهها، بصور ترشيحا التي أُرسلت له. يحاول أن يرسم له لوحات من الحضور، بين أشجار البرتقال ومتعة تقشيرها بأصابعه العشرة وفقًا لجمالية "باب الشمس".

"أين أنت؟"، "ومن هناك؟"، "وكيف تشربون القهوة؟"، "في أي ساعات تذهبون إلى البحر؟"، "كيف تبدو ملامحهن وهن يلامسن الأرض؟"، "أين يقع بيت غسان؟ من يتمتع برائحته الآن؟"، "ماذا ستغنون الليلة؟"، "كم مرة تزوركم فيروز في اليوم؟"، "حدثيني عن دفء الزيتون.."، "حدثيني عنكم..".

أعاد قراءة "عائد إلى حيفا". أعاد ملامسة قدسية المكان والأحياء. استرجع للشوارع أسماءها وصنوبرها. عاد صلاح الدين إلى مكانه، وأبو بكر الصديق لم يستطع أحد محو اسمه من الحليصة. أعاد قراءة ذلك العائد، ليمشي في وادي رشميا، ليذكّر الهواء بأنهم لا زالوا يتنفسون عبقه.

"لن أكون غريبًا" أعلن يومًا. سرًا أم علنًا، فالكل يشعر بوجوده. أنه هنا، مختبئ بين صفحات الكتب والنصوص المنشورة. الكل يعرف اسمه، يسأل عنه، يُذكر في الليالي التي لا تعاد، يزين اسمه صفحات الجرائد، وتبحث عنه بلده.

لقد قرأ "عائد إلى حيفا" مرتين ليتوقف عند المكان متسائلاً: "أين تقع ساحة الحناطير؟" "ووادي الصليب؟"..سوف أسأله يومًا، رغمًا عني، هل قرأت المتشائل؟ سيربكه سؤالي مرة أخرى. سيجبني:"قرأتها، ولكن..". هو لا يعرف أن صورة المكان الحقيقة هي كما نرسمها، لا يعرف أن هنالك من يمشي في الشوارع وأسمائها الغربية ولا تفعل بهم شجرة الأكيدنيا أي شيء. أنه هنا، جاء ليبحث عن وطن بطريقته الخاصة، لا وقت لديه، يجب عليه أن يبني خريطة هذه الأرض كما حدثوه عنها، سيكتب لتعرفه أكثر، لتحن لعودته.

حاليًا، سيكتب عنها، وسيبقى مضرجًا بالأمكنة. يعيش هناك، ويحلم هنا. ينام هناك، ويعشق هنا. يأكل هناك، ويكتب عن الزيت الذي هنا.. لتستقبله الأرض كما يستحق حين يعود.

 

رشا حلوة
عكا- فلسطين
كانون الأول 2006
rhilwi@gmail.com