|
سليم البيك
قدّمتُ مرّة لصديقة CD يحوي أغان لفرقة العاشقين
حين طلبت منّي أغان من التراث الفلسطيني. أتتني
لاحقا تخبرني، على لسان والدتها، بأن عمر هذه
الأغاني 30 عاما على الأكثر، وأن تراثنا أبعد من
ذلك بكثير، بل وأجمل، فأجبتها بأن أغانينا الثورية
صارت تراثية.
وكنت مغاليا،
ومخطئا.
لمن لا يعرف
"أغاني العاشقين" فهي فرقة فلسطينية عاصرت الثورة
وغنّتها وكانت وجها غنائيا لثورتنا، وليس لتراثنا
أبدا.
أن نكون شعبا حيا، يعني أن نحفظ تراثنا وهو ما
يحفظ حقيقةَ انتمائنا لهذه الأرض، وبالتالي
ثورتَنا من أجلها. وما الكلاشن الفلسطيني إلا لحفظ
العود الفلسطيني في وطنه، لا ليحلّ محله. وما كانت
بذلة الفدائي الخاكية إلا لحفظ ثوب الفلاح والمدني
في فلسطين. لم أكن أعي ذلك من قبل، وهو ما لا تعيه
معظم الفرق الغنائية في المخيمات اليوم.
آسفا أقول بأن
وضع الأغنية في المخيمات خارج الوطن لا يسرّ،
فالأغنية الثورية تحتل النسبة الأكبر من نتاج
الفرق الفلسطينية هناك، وهي فرق مؤدية لأغان
قديمة، أغاني "العاشقين" وآخرين. وإن أنتجت
أغانيها الخاصة فستكون عن المولوتوف والكلاشن
والدبابة والمستوطنات، بألحان هجينة تغازل تلك
الاستهلاكية بعيدة عن جماليات معظم أغاني الثورة
القديمة، وأبعد بكثير عن جماليات وأصالة أغانينا
التراثية.
يبقى هنالك
استثناء في الكلام عن المخيمات، وهو الشاعر أبو
عرب، أطال الله عمره، فأسلوبه المميز في غناء
التراث، والحفاظ على روحه في أغانيه الخاصة، هو ما
يغْني مشروعه الجدي الخاص في غناء وتجديد التراث،
وهو ما تفتقر له معظم الفرق الفلسطينية في
المخيمات؛ فرق المناسبات الفصائلية وأعيادها،
وأزيدك من الشعر بيتا! فرق الإنشاد الديني
الفصائلي الذي طرأ كالفطر على أغاني التراث أولا،
وأغاني الثورة ثانيا. حتى أن هذه الفرق إذا غنّت
في الأعراس، فواحدة من أغاني العرس الفلسطيني لن
تُسمع في زحمة الإنشاد الفصائلي الحربجي والأصولي.
يبقى للتراث الغنائي الفلسطيني اليوم حرّاسه
ومجدّديه، ومعظمهم يأتي من داخل الأرض المحتلة؛
هنالك فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية في الضفة،
وهي التي حملت على عاتقها العبء الأكبر في غناء
التراث وحفظه بكلماته وألحانه وأدواته الموسيقية
من قانون وعود وبزق وأرغول وناي وقربة ورق وغيرها
من الأدوات المتأصلة في تراثنا، وتجلّى ذلك في
ألبوميها "زريف" و"زغاريد". أمل مرقس وريم بنا في
الجليل والناصرة، وكل بأسلوبه الخاص؛ أمل، وخاصة
في ألبومها "نعنع يا نعنع" حيث حضر التراث بأجمل
حلّته وتطريزاته في أغاني الأعراس والفراق والحصاد
والنضال والولادة والشوق.. بصوتها "الكفرساوي"
وأسلوبها الشرقي وأوركسترا يقودها نسيم دكور،
فكانت لها لمساتها الجمالية على تراثنا الغنائي.
وريم لها أسلوبها الخاص في تناول التراث الغنائي
بدمج متقن لإيقاع وموسيقى غربيّة إلى لحن وكلمات
تراثية، فألقت على تراثنا الغنائي ما يحتاجه من
حداثة وتجديد يكوّنان قيما جمالية ضرورية للنجاة
به. ولكل من أمل وريم مشروعه الحديث الخاص
المُغنّى في ألبوماتهما المختلفة.
هنالك من غنى
التراث أيضا من فلسطينيي الشتات في أوروبا كمروان
عبادو وريم كيلاني في مزج خلاّق بين التراث
الغنائي الفلسطيني وموسيقى الجاز. وإضافة لكل من
ذكرت، فهنالك من المغنيين من صنع مشروعه الخاص
محدثا إضافات مميزة إلى الأغنية الفلسطينية، بعيدا
عن مجرّد إعادة الأداء لأغان ثورية رُدّدت كثيرا
على مسامعنا، أذكر هنا فرق صابرين وتراب وولّعت
ودام، وأسماء كـ كاميليا جبران وتيريز سليمان
وسناء موسى ودلال أبو آمنة وعلاء عزام والعديد
غيرهم من الفرق والأسماء ذات المشاريع الموسيقية
والغنائية الجادة، والملفت في الأمر أنه عند
الحديث عن الأغنية الفلسطينية، فالمساحة الأفقر
تكون للتجارية منها- قد لا أبالغ إن قلت بأنها
معدومة نسبيا- وفي ذلك أصلا غنى للمشروع الغنائي
الجمعي الفلسطيني. جميع هذه الأسماء أتت من داخل
الأرض المحتلّة. أما المشروع الغنائي في المخيمات،
فلم يرتق بعد إلى تلك الجادة، أكانت حديثة\خاصة أم
تراثية\تحديثية.
قبل أيام
شاهدت على احدى الفضائيات اثنين من مشاهير الأغنية
التجارية الاستهلاكية، كانا في مسرح-استديو، هو
يغني "يما مويل الهوى" مقحما عليها بعض الكلمات
ولحنا آخر، ويدبك. وهي تغني "هلالالاليّا"، مقحمة
عليها بعض الكلمات ولحنا آخر أيضا، وهو يدبك.
الأولى أغنية لفرقة العاشقين، والثانية تراثية
فلسطينية. والجمهور العربي يترَقْوَص على موال
فلسطيني كانت كلماته: يما مويل الهوا/ يما مويليه/
ضرب الخناجر ولا/ حكم النذل بيّ. وصارت: يمّا مويل
الهوا.. يا هويدا لا ترحلي..(ثمّ يهتف ملك
الهوّارة).. عرب عــرب.
وهو يدبك،
واسم البرنامج، ترا تا تا.
أغنياتنا الثورية ليست تراثنا الغنائي إذن. لكل
مكانته في تاريخ ووجدان وثقافة الفلسطيني، ولكن
حتما كلاهما ليسا للتشويه والاستهلاك التجاري.
لسماع نماذج من
الأغاني الفلسطينية:
http://www.horria.org/songs.htm
|