|
سليم البيك
أولا كي لا
يتقَرْوَف من يتَفَشْكل في هذا المقال، أرجو من
المأنَّفين*
أن يكتفوا بهذا القدر من القراءة.
ليس هناك
ثانيا وثالثا ولكني ارتأيت أن أبدأ المقال بـ
"أولا" كي يُنبَّه ويَحْذر المتفشكلون من
المأنّفين إذ تفشكلوا فلا هم يتقَرْوَفون ولا كاتب
هذه السطور يكون من المُقَرْوِفين بإذنه.
سألجأ إلى الفصحى قدر الإمكان في ذكر كلمة "خراء"
بكل مواقعها ومضامينها وتصريفاتها كي أحفظ
للقارئين والقارئات الحد الأدنى من الطهارة أثناء
القراءة، فالكلمة بالنهاية معترف بها، تذخر بها
لغتنا الفصحى وقواميسها ومعاجمها وعلومها وأدبها
وحتى قلة أدبها.
الكلام أساسا
لن يكون عن الخراء بحد ذاته، بل عن المجتمع
الرأسمالي الذي هو بطبيعة الحال خرائي، ولكن ما
يهمني هنا هو الكتابة عن أي نوع من الخرائية تلك
التي يكتنفها مجتمع كهذا، هنالك خرائيات جيدة
وهنالك أَخرى- بالفتح. هنالك الخراء إذن، وهي
المجتمعات الاشتراكية، وهنالك الأخرى، وهي تلك
الرأسمالية. و"خراء" هنا لا تعني بالضرورة أمرا
سيئا، فالمجتمع الاشتراكي أمر جيد، بل وممتع،
وسأذكر كيف.
المجتمع
الرأسمالي هو تماما كعملية الإخراء في حالتي
الإمساك والإسهال، الإسهال يعبّر عن البرجوازية
والإمساك عن البروليتاريا. ففي حالة الإسهال لا
يعوز المخرئ الكثيرَ من الجهد كي يتمم عملية
الإخراء، فيهطل الخراء- المال- عليه.. فيهطل
الخراء منه- ليس عليه- حلالاً زلالاً، تماما كما
البرجوازي وهو غير المضطر لأن يجهد ويكدح كي يحصّل
بركة من الخراء- المال- ليطوف عليها. وفي النقيض
منه هنالك العامل البروليتاري الفقير المُعبَّر
عنه في حالة الإمساك من عملية الإخراء، فيجهد
ويكدح ويشدّ ويحمرّ وجهه وتنحبس أنفاسه وتبظّ
عيناه وتتنمّل ساقاه وتسقط المجلّة من بين يديه كي
يَخرج بحفنة من الخراء-المال- والذي بطبيعة الحال
لن يكون كافيا لتلبية احتياجات وشروط الحياة
الكريمة، فهو مهما تنمّلت ساقيه لن تكون كمية
المال-الخراء- كافية ليعتاش منها.
أما بالنسبة للمجتمع الاشتراكي، وأنا هنا لا أتكلم
عن رأسمالية الدولة في الكلام عن الاشتراكية، هي
كعملية الإخراء في الحالة الطبيعية، فلا إسهال ولا
إمساك. والمخرئ هنا ينال من خرائه بقدر ما يشد،
فالإنسان في مجتمعه الاشتراكي ينال من المال بقدر
كدّه وعمله. وعملية الإخراء في المجتمع الاشتراكي،
أو في الحالة الاشتراكية ليس فيها لا تنميل ولا
احمرار ولا بظ ولا انحباس كي ينال حاجته من
الخراء، في الوقت الذي كان فيه يعاني من كل ذلك في
المجتمع الرأسمالي، والممَثَّل في حالة الإمساك،
لينال أقل بكثير من حاجته. كما أن الإخراء هنا
يؤمّن متعة أثناء العملية، لا تجدها حتى
البرجوازية في مجتمعاتها، والممَثَّلة في حالة
الإسهال، فأي متعة في حالة الإسهال السريعة تلك!
وأي متعة يا عيني في حالة الإخراء الطبيعية
العادلة والمرضية.
أما بالنسبة
لكيفية التحوّل من المجتمع الرأسمالي، بإسهاله
وإمساكه، إلى المجتمع الاشتراكي، فهنالك عدّة
مخارج، منها الثوري ومنها السلمي الديمقراطي، ولكن
نجاح كليهما مرهون بانتهاز اللحظة التاريخية
الحاسمة والتي ستفضي إلى التغيير الأنجع، وهذا
التغيير هو تماما كعملية الإخراء التي يتم تلبيتها
في اللحظة- التاريخية- المناسبة، فإن اقترب الخراء
إلى تخوم الشرج، وشارف على الخروج، فعندها، وفقط
عندها، تكون عملية الإخراج ناجعة وميسّرة وفيها
متعة، وذلك تماما كانتهاز التغييريين اللحظة
التاريخية في إجراء عملية التغيير في المجتمع، حيث
تكون الظروف الموضوعية والذاتية قد تخمّرت واستوت.
أما إن حاول المرء الإخراء فور شعوره بالخراء يطلّ
من بعيد، دون استدراجه ليقترب إلى التخوم أكثر
فيباغته، أو إن حاول الإخراء متأخرا بعد فوات
اللحظة التاريخية، وبعد أن انتظر الخراء كثيرا
"لتنفجر" أساريره، ففي كلتا الحالتين لن تكون
عملية الإخراء ناجعة، وقد يشوبها بعض عوارض
الإمساك في الحالتين، وبذلك، يرجع التغييريون
خائبين كادحين في مجتمع رأسمالي يمثلون هم فيه
حالة الإمساك، تماما كما تفشل ثورات استبقت موعدها
أو تأخرت عنه، فيبقى المجتمع الرأسمالي على حاله،
أو على حالتيه؛ الإمساك والإسهال، ويبقون هم حبيسي
حالة الإمساك.
أعتقد بأن
إدراك ما تقدّم يشكّل سببا ضروريا، وغير كافٍ، كي
نسعى لاشتراكية ما، وهي الحالة الأقرب لفكرة
العدالة البعيدة عن كل شيء في هذا العالم، إلا عن
عملية الإخراء في حالتها الطبيعية.
.........................
*
ليس لها معنى في الفصحى. في العامية تعني المغالي
في قَرْوَفَتِه، المصدر: خالي نضال.
|