|
سليم البيك
في سهرة صيفية مع أحد المسؤولين الحزبيين في
المخيم، وهو بالضرورة طويل القامة عريض المنكبين
كثّ الشوارب زائر الصوت- مزبوطة زائر؛ يُقال: أسد
زائر- السيجارة لا تفارق اصبعيه إلا كي تُمج. حكى
لنا عن صباه في أيامه الحزبية الأولى، لمّا ذهب
مرة إلى جده يخبره عن الحزب ومبادئه فقال له:
- هالحزب يا جدي عنده أهم شي الفقرا
والمشحّرين متلنا.
- هممم
- والعمال والفلاحين والطلاب وكل المظلومين
بهالعالم.
- يعطيكو العافية
- والعلم والدراسة.
- الله يوفقكو يا جدي، وإيش كمان؟
- وطبعا تحرير كل البلاد.
- رفعت راسنا انت يا جدي.
- وإنه الناس تحب بعضها وتكون متل بعضها وما
حدا يظلم التاني.
- تعال جدو هات لك بوسة
- وهاي هيّ الشيوعية يا جدي.
- روح انضب، ... أبوك علّي خلّفوك، هات لي
العكّازة يا عرص.
سأحكي مباشرة
في الفكرة ذاتها التي أراد الرفيق إيصالها لنا في
جلسة السمر الصيفية تلك؛ أنّ المشكلة عند
مجتمعاتنا العربية هي في الفهم المسبق لكلمة
"شيوعية" أكثر مما هي- أو ليست هي- في مضمون
الكلمة ذاتها، ففي حين أن جدّ رفيقنا- وهو يرمز
إلى المجتمع بعاداته القديمة وشيمه وحتى جهله- كان
متوافقا مع الهموم الأساسية لذلك الفكر وهي الحرية
والعدالة الاجتماعية وما إلى هنالك، إلا أنه قام
على طوله ينهر "الصبي" ويجبره، بساديّة عفويّة
متأصّلة، على إحضار العكاز كي "يطعميه فلقة".
للأمانة، لست أكيدا من أنها "للفلقة"، فلم يود
رفيقنا أن يذكر- أو أن يتذكّر- ما حصل بعدها.
يتحمل قسطا
كبيرا من مجموع أسباب تشكيل تلك الصورة المسبقة،
يتحملها المنتمون إلى، أو المتطفلون على، الأحزاب
الحاملة أساسا لتلك الفكرة، ولنقل الأحزاب
اليسارية عموما.
لن أحلل هنا-
ولست أصلا بموقع من يحلل- ولكني سأكتفي بالإشارة
إلى أهل تلك الاحزاب واليساريين المستقلين، وهم
الوحيدون القادرون إما على تقويم الفكرة السائدة
عنهم، أو جعلها حقيقة مثبتة يكونون هم أدلتها
الحية، وذلك من خلال سلوكياتهم اليومية
وأخلاقياتهم ومواقفهم السياسية، وطبعا الوعي
الكامل بأوبئة المجتمع الذي هم فيه وأساليب
معالجته وتقويمه، وليس نسفه أو جزّه عن بكرة "اللي
خلّفه".
شرعت أحزاب
يسارية فلسطينية هي الجبهة الشعبية والجبهة
الديمقراطية وحزب الشعب، منذ فترة في لملمة صفوفها
وتشكيل جبهة موحدة باسم جبهة اليسار الفلسطيني،
ظهر ذلك بداية في الأرض المحتلة في الضفة وغزة
وبدأ يمتد إلى المخيمات في الخارج. لست في وارد
مناقشة البرنامج السياسي أو الفكري لهذه الجبهة،
وإن كانت لي بعض الملاحظات الأساسية والنقدية جدا
على عدة تفاصيل في ورقة المبادئ العامة التي
عمّمَتها، سأشير إليها في
(من الآخِر هذه المرة)،
المقال اللاحق لهذا.
ما أود
الإشارة إليه هنا هو إمكانية هذه الجبهة تقويم
الصورة السائدة عن اليسار إجمالا في المجتمعات
الفلسطينية التي منها وفيها وإليها توجد الأحزاب
المكوّنة للجبهة. المسألة تبدأ من شبيبة هذه
الأحزاب، ولو أنها كانت بغالبية منتسبيها بوعي
"الصبي" الذي تحدّث في بداية المقال لكان الوضع
اليوم في أحسن حال. لكن الكثير من المراهقين
يلجأون إلى الأحزاب اليسارية كونهم يجدون فيها
مرتعا للفلتنة الاجتماعية "ع الطالع والنازل"،
وقلعة يفتحون منها جبهة على مجتمعاتهم، وبغير ذلك
قد لا ينتشون بـ"ماركسيتهم" المكتسبة حديثا، ولا
يعترف أحدهم للآخر بها. وهذه الصورة المسبقة عن
اليسار سائدة أصلا بين الكثير من شبيبة تلك
الأحزاب قبل أن تسود في مجتمعاتها، فلن تتصحح صورة
الأحزاب اليسارية في أذهان الناس إلا إن تصححت في
أذهان أبنائها. أقول تتصحح ولا أعني بذلك أنها
عاطلة، تبقى أفضل بكثير من صور غيرها، كفتح وحماس
المنفلتين بكلّيتيهما مثلا؛ من الرئاسة و"جاي".
فلسطين بحاجة
لـ(فكرة) أن يلمّ يسارها نفسه في جبهة واحدة- أما
(الورقة) فسآتيها لاحقا- فلتكن جبهة يسار فلسطيني
إذن، ولتؤسس لمكانة ومصداقية مجتمعية أكبر على
المدى البعيد، ولذلك أتكلم عن أمور مهمّشة، أمور
ليست ربما بحساسية البرنامج السياسي والفكري
والتنظيمي، ولكنها تفاصيل يومية، وهي، قبل غيرها،
التي تنقش صورة اليسار في أذهان الناس على المدى
الطويل. كي يقول المسؤول ذاته يوما ما إلى حفيده
ابن العشرة أعوام آنذاك: ولك يا عرص ليش بعدك مش
فايت بشبيبة اليسار؟
....................
هذا المقال والجزء
الثاني منه كُتبا قبل مجزرة رأس السنة في غزة. قد
يكون نشرهما الآن يعيد تأكيد أهمية تشكيل جبهة
يسار فلسطينية شاملة.
|