"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

شعب الله المخ طار

 

 

سليم البيك

 

    تفاءلتُ كثيرا حين قرأت يوما خبرا عن قناة تلفزيونية جديدة تأخذ اسمها من القدس العاصمة، وتفاءلت أكثر حين عرفت بأن مقرّها الرئيسي لا يقع في الضفة ولا في غزة ولا في أي مدينة عربية، فظننت بأنها مستقلّة، أو لدقّة أكثر أقول "غير منحازة"، مع يقيني بأن هذا الكوكب يكاد يخلو من فلسطينيين غير منحازين إلى فصيل أو حزب أو تيار ما.

    تلاشى تفاؤلي هذا كما يتلاشى الذباب عن... الذباب لا يتلاشى إجمالا ولكن مشاهدة هذه القناة لأيام جعل تفاؤلي، مش بس يتلاشى، بل يخرّ من رأسي خرّاً.

    كي لا أكون حقودا جانيا ظالما شائثا- الآن اخترعتها وليس لها معنى- وربما، قريبا؛ سلطويا عميلا ملحدا ، كما يحب إسلاميو فلسطين نعت من تسوّل له نفسه أن يخالفهم الرأي، والنفس- كما أثبتت البحوث- أمّارة بالسوء، وفي محاولة تملّص من كلّ تلك النعوت أعلن رأيي بأن القناة بحد ذاتها، كفكرة وكتجربة ومؤخرا كتغطية للحرب على غزة، خطوة إلى الأمام في مجال الإعلام الفلسطيني المقتصر- تلفزيونيا- على قناتي "الأقصى" الحمساوية و"فلسطين" الفتحاوية السلطوية، المنفلتتين على بعضيهما كثورين هائجين مهتاجين على بقرة غير حلوب، وهذا لا يعنيهما على ما يبدو؛ كونها حلوب أم لا.

    أخبار القناة تركّز على القضية الفلسطينية والقدس خاصة، كما أن العديد من برامجها، بل ومعظمها متعلّق بفلسطين ومن عدّة نواحي، وذلك تماما ما شدني إليها، وما أتوقعه من قناة تلفزيونية تُحسب على الفلسطينيين كقناة فلسطينية لا هي رسمية ولا هي حزبية.

    أما بعد،

    فللقناة- ويا لفرحتي- توجّه ديني إسلامي واضح كعين الشمس في عزّ دين "طقّة" الظهيرة. أحترم محاولة القناة الإلمام بتفاصيل ونواحي القضية، ولكن التوجّه الغالب لهذا الإلمام كضيوف ومضامين هو ما لم أعد أطيقه كفلسطيني. فمع تلفزيون الأقصى وحركتي حماس والجهاد، مع احترامي للأخيرة، وحزب التحرير- العمى- وصحف حماس كصحيفتي الرسالة وفلسطين، ومواقع الإنترنت الإسلام\سياسية الفلسطينية المريعة والآن هذه القناة، كِمْلِت يعني، بتُّ الآن- وقد كنت قبلاً حقاً مصدقاً بأن اليهود هم الشعب المختار- مؤمنا بأننا نحن الجديرون بنعت "شعب الله المختار"، وأننا بذلك شعب الله المخ طار، وهو أفضل ما يمكن نسبه لمجتمع زاد عدد متديّنيه بل وزادت نسبة تديّن متديّنيه.

    طيّب، لماذا تُفتتح القناة بكلمة للقرضاوي؟ ما سرّ أن تكون مذيعات/مقدّمات القناة محجّبات، وكذلك من رأيتُ من مراسلات؟ وما سر أن يرخي بعض مذيعوها/مقدّموها لحاهم وبشكل جماعي، وإن بنسب متفاوتة؟ يا أخي لماذا الإدغام والإخفاء والإظهار حين يتكلّم أحدهم الفصحى؟

    صورة الفلسطيني كإنسان متدّين تتفاقم، وبالتالي تتشوّه أكثر مع الأيام والحمد لله، والبركة طبعا في مشايخنا السياسيين، أو سياسيينا المشايخ، الذاهبين بفلسطين إلى مجاهل تورا بورا وأزيائها الأفغانية.

    القناة العتيدة لم تكمل سنتها الأولى بعد، وهنالك فرصة كبيرة- وهي جديرة بذلك- لأن تكون قناةً لكل الفلسطينيين، بمن فيهم العلمانيين، وهؤلاء كثر بالمناسبة.

    أحب أن أُنهي عند هذا الخبر الكافر: أنهم كثر بالمناسبة. هو كذلك، خبر كافر، فإن لم يكن كافرا، يكون حتما فاجرا، أو داعرا، أو زاعرا- وهذه الأخرى اخترعتها الآن، وقد استخرجتها من كلمة "أزعر" .

    وبالمناسبة، إذن، هم كثر.