|
سليم البيك
"يحرق أخت
النقد الموضوعي والبنّاء والمسؤول، منيح هيك؟"
تذخر حياتنا
كفلسطينيين بالمحرّمات والمحميّات والمقدّسات-
وكأن مقدّساتنا السماوية لا تكفينا- وأي نقد لأي
من تلك المحظيّات فهو إما ممول أمريكيا أو
إيرانيا، إما داعر وفاجر وكل ما ينتهي بالـ .. إر،
وإما... خلص بلاها. ويدخل اليساريون على الخط
ليكون الحال من بعضه، فتتماهى ردود الفعل عندهم مع
باقي التيارات والفصائل التي لم يقصّر برنامج "وطن
ع وتر" في نقدها. لعلّ بعض اليساريين لم يتعافوا
من السوفييت بعد، ورواسب الستالينية مازالت عالقة
في مكان ما.
البرنامج الساخر "وطن ع وتر" ما قصّر بالجميع:
فتح، حماس، شعبية، سلطة، حكومتين، أجهزة أمنية،
مسؤولين، إسرائيل/مصر، مجتمع محلي/عربي/دولي...
عُرض البرنامج على قناة فلسطين بشكل يومي في رمضان
وسيعرض أسبوعيا بعد ذلك، وهو فلسطيني بالكامل،
بخلاف العديد من البرامج والمشاريع والـ NGOs
هناك، المموّلة أوروبيا.
يُخرج
البرنامج رائد الحلو ويكتب نصوصه ويمثل فيه بدور
رئيسي عماد فراجين إضافة إلى منال عوض وخالد
المصو، وثلاثتهم يبرعون في أدائهم بشكل ملفت،
وثلاثتهم "لزيزين وبفقعوا ضحك".
المجتمع
الفلسطيني في الضفة وغزة- كون البرنامج يتناول
هموما محلية هناك، وإن تكن سياسية- لم يتعوّد على
نقد ساخر لفصائله وقادتها، وبقساوة ما جاء في
البرنامج، ونحن بحاجة لها على كل حال، فجاءت ردود
الفعل متحفّظة بل وهجومية متوتّرة وفي غير محلّها،
في بعضها، وكانت اجمالا من متحزّبين. وجاءت ردودٌ
مرحبّة من عامة الناس، كي لا أقول الجماهير
الشعبية، لما فيه من مصارحة وحدّة ونقل ما يتناوله
هؤلاء الناس في العتم، إلى العلن.
هنالك بالمناسبة برنامج فلسطيني آخر هو "أمواش"
(كجمع لكلمة "مش" العامية الفلسطينية) من انتاج
مؤسسة الأرز في الناصرة. يخرجه ويكتب نصوصه شادي
سرور. ويتركّز نقد "أمواش" الساخر على الهموم
الاجتماعية والسياسية والدينية والنسوية التي تخصّ
المجتمع الفلسطيني في أرض الـ 48. لم ينتشر
البرنامج عربيا، ولكن من خلال ما عرض على الـ You
Tube وغيره يمكن تلمّس "اللّزة" في "أمواش"، إلا
أنه، وكغيره من برامج عربية مماثلة، لم "يَقرص" في
الأماكن الحساسة التي وصل إليها "وطن ع وتر".
مازلنا في
حالة غير صحّية ديمقراطيا، ومازالت هذه "المشحّرة"
عرجاء: نرضى (كيساريين) على أنفسنا وعلى غيرنا
منّا ما لا نرضاه على أنفسنا من غيرنا، وإن رضيناه
من أنفسنا. "كيف يعني؟"
"روح قلبنا"
النقد الذاتي، بل نستلذّ به. نحن أشطر الناس في
النقد الذاتي، ويمكننا أن ننقد ذواتنا حتى الصباح،
بل ونجلدها إذا بدّك- وأحيانا نلجأ لسلخ الجلد عن
العظم بسادو/مازوشيّة مريبة وربما مرضيّة- ولكن
"أخو أخته" يجرّب أن ينتقدنا.
وقد تنحسر
فقرتي السابقة ضمن السادو/مازوشيّة المريبة تلك.
كان "وطن ع
وتر" هذا الـ "أخو أخته" الذي دفش الديمقراطية
الفلسطينية خطوة إلى الأمام بتوسيع دائرة النقد
الساخر ليطال ليس الفصيلين المتحاربين فقط، وإنما
اليسار الفلسطيني كذلك.
وضعنا يحتاج
لسخرية أقسى مما هي عليه في "وطن ع وتر"، وعلّ
"نقد النقد" الذي وُجّه إلى فريق عمل البرنامج
يحمله في حلقاته وبرامجه اللاحقة إلى أسقف أعلى
وأماكن حميميّة وحسّاسة.. أعمق.
***
بما يشبه
الملاحظتين:
1. لسخرية القدر (هذه المرة)، بعض اليسار يفضّل
تسمية "التيار الديمقراطي" على "التيار اليساري"،
إن لم يكن خجلا بالأخيرة، فهو لأن الأولى أكثر
سكسيّة.
2. رغم أن ظهور ياسر عبد ربه في احدى الحلقات
كممثل كان بائسا ومثيرا للاشمئزاز (فنّيا) ومسبّبا
لآلام في المعدة، إلا أنه أبرع في التمثيل منه في
السياسة.
و"يحل عن ربنا
عاد، يروح يمثّل".
|