|
سليم البيك
أحيانا كثيرة
تكون اللامباشرة في الأدب أصدق وأكثر أناقة من
المباشرة، وعلى النسق ذاته قد تكون هنالك مقاربات
عدة لفلسطين في الأدب غير ما يسمى بأدب المقاومة،
ولعلّها تكون الأرفق بتلك البلاد التي أُجهدت في
الأدب كما في التاريخ. لعلّها، البلاد، أرادت سماع
بعض القصائد عن جماليّات تفاصيلها (شرفات مبانيها
مثلا) وعن آلام يوميّة رقيقة وهشّة لنوستالجيا
فردية بعيدة عن استراتيجيّات القصائد الملحميّة
الجمعيّة، ولكلٍّ قيمتها.
وفي قصائد
"وفي رواية أخرى" لسمر عبد الجابر، نقرأ عن تلك
التفاصيل وعن أخرى وعن أشياء لا خصّ لفلسطين بها
(كما نظن) وكذلك عن تفاصيل لا تكون إلا هناك، وعن
جاردينيا وحزن وفراشة ووحدة وأوتوستراد وانتظار
وصورة ودرابزين ومياه على طريق وضباب خفيف وغبار
قليل وسجادة وأرق وأشياء أخرى قد يبدو أن لا خصّ
لفلسطين بها في النصوص، إلا أن حالة ما لنوستالجيا
ما إلى حيفا واحدة رُحّل أهلها، أتت بمسحة حنين في
ثنايا تلك النصوص:
أدرك فجأةً/
ثمّة حياة/ في الأشياء المكسورة أحياناً/ كما
الخزانة/ التي فقدت بابها/ من فرط ما تأرجح.
الحنين إلى
شيء لا يَلزم الإشهار، ولعلّ الأصدق من بينها هو
ما يظهر بغير هيأته، الخجول المتواري ويمكننا
القول: الأنثوي، كما في هذه النصوص. يظهر وكأنه
صدفة غير مقصودة في ثنايا قصيدة (مثلا) لا علاقة
علنيّة بينها وبين ثيمة الحنين، في لعبة يرتّب لها
تواطؤ لاوعي ووعي الشاعر(ة) من حيث لا (تـ) يدري.
وهنا، من حيث لا تدري سمر، كتبت:
الهواء/ كان
هائجاً/ أيضاً/ وعلى صخرةٍ/ بجانبي/ كان ثمّة/
سيجارةٌ مطفأة/ تتحرّك.
وربما، أيضا،
من حيث (لا) تدري كتبت عن مدينتها:
حيفا/ يقول لي
جدّي دائماً أنّ حيفا هي أجمل مدينة في العالم/
أنا لم أرَها../ وجدّي لم يزر كل مدن العالم../
لكنّي، رغم هذا، أصدّقه كثيراً..
تحكي قصائد
سمر كثيرا عن حياة أخرى، لاحقة ربما أو سابقة أو
موازية، فيها نقيض شيءٍ من وحدة وحالة انتظار
وملل، وأحيانا، ما يصل بها الأمر لقتل فراشة بمبيد
حشري. تحكي عن حيفا: تلك الحياة النقيض، كما في
قصيدة "صورة من حيفا" التي تنتهي بـ :
في الصّورة
أيضاً/ فتاةٌ/ في الشارع المقابل/ تصوّر/ حياةً/
تقشّر/ بياضها.
الحياة وشرفات
المباني هناك في حيفا تقشّر بياضها لتبدأ دورات
حياة جديدة قد تَلحق سمر بإحداها. أما في البعد عن
حيفا، في المنفى، فـ:
أحياناً/
أتقصّد وضع الأشياء/ في غير مكانها المعتاد/ لأوهم
نفسي/ أنّ أحداً غيري في المنزل.
فتكون هي في
منزل آخر على احدى الشرفات في حيفا حيث:
على درابزين
الشرفة أيضاً/ لأنّ/ الحبال الممتدّة من الحائط/
إلى الحائط/ لا تكفي/ هذا الكمّ/ من الحياة.
مهما اختلف
التأويل في نصوص هذا الكتاب، إلا أن أمرين مهمين
لا بد من اعتبارهما:
الحياة في
المنفى حيث سترتاب سمر في هذه الـ "كما لو حياة"
وحيث تحاول أن تقنع ذاتها: "سأكون على ما يرام"،
والنقيض من تلك الحياة بما فيها من ارتياب، وهو
الحياة في حيفا، الواضحة ربما في باقي القصائد
أكثر مما هي في قصيدتي "صور من حيفا" و"حيفا".
والأمر الآخر هو الحياة الشخصية والحقيقية للشاعرة
التي لم ترز مدينتها وما لذلك من تأثير نوستالجي
على نصوصها وإن بلامباشرة أنيقة.
تتوزّع
القصائد القصيرة في مجموعتين هما: "كما لو حياة"
و"سأكون على ما يرام"، وينتهي الكتاب بقصيدتين
طويلتين نسبيّا هما "السجادة" و"الأرق". الكتاب
صادر عن دار ملامح- ومنشورات إكس أو- بعد تأخير
مفرط وغير مبرّر ولا مسؤول من الدار في إصدار
الكتاب. وصل للشاعرة بضع نسخ منه وهي "موعودة"
بنسخها الباقية، وإلى لحظة كتابة هذه الأسطر لم
توزّع دار ملامح الكتاب على المكتبات. وسمر، كذلك،
"موعودة" بتوزيع الكتاب في يوم ما.. قريبا.
"وفي رواية
أخرى" كتاب سمر الأول، ممتلئ بلقطات وتفاصيل من
تلك التي تبقى طازجة طالما حُفظت في القصائد،
ممتلئ بنوستالجيا إلى حيفاها التي لا تشبه مدينة
أخرى، مهما تعدّدت الروايات، إلى تلك المدينة
مقشّرة البياض المستلقية على كتف الكرمل والمبتلّة
بمياه المتوسّط، حيث عرف جدّ سمر عبد الجابر،
يوما، أنها هنا أجمل مدن العالم..
|