|
سليم البيك
لنتفق أولا على أن تلك البلاد المنكوبة المطلة على
البحر المتوسط هي فلسطين، وأن الضفة الغربية وقطاع
غزة أجزاء منها، وأن الجليل والمثلث والنقب أيضا
أجزاء منها، وبالتالي أنّ من يريد زيارة فلسطين لن
يبحث كثيرا في الـ Google Maps ليجدها. فلسطين
هناك، ومن يريد (أن يجرّب) النضال من الداخل
فليشرّف لعندها.
ولنتّفق ثانيا
على ضرورة مناهضة التطبيع (بكل أشكاله) مع إسرائيل
وكذلك مقاطعتها والعمل على عزلها ثقافيا
وأكاديميا، ولكن، وهو الأهم، على ألا تكون هذه
المناهضة والمقاطعة هوجاء.
أسطري هذه
كُتبت عن فئة ذي بأس من مناهضي التطبيع، وليس عن
جميعهم وإلا لطالت كاتبها نفسه.
لنفرّق (ولو
قليلا) بين فلسطين و"إسرائيل"، ولنفرّق بين
المؤسسات الفلسطينية وبين تلك الإسرائيلية، و(راح
أغلّبكم معي) لنفرّق بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، وهو الأهم.
أثار حضور بعض
الفنانين والمثقفين الفلسطينيين والعرب إلى فلسطين
غريزة بعض أشاوس مناهضي التطبيع، من ذوي البأس،
إلى إعلان بيانات حربية أقرب للمقالات، كون هذا
المثقف أو الفنان العربي أو الفلسطيني وصل به هوان
وطنيته وقوميته إلى المرور بالحواجز العسكرية
الإسرائيلية، بل (العمى) والمشاهدة الشخصية لجندي
يهودي إسرائيلي، هذا المخلوق الإكسترا-مرعب
والسوبر-عجيب، هذا "المُبَعبَع: من بُعبُع" جيدا.
يا عمّي يكفي
تخويفا من هذا المخلوق الخاكي، فالصورة الجمعيّة
عنه، أي الجيش الإسرائيلي، فقدت حالة الأسطرة التي
استطاع الجيش زرعها في العقول العربية وقامت هي
"مشكورة" بتغذيتها! آن لنا أن ننزع هذه الأسطرة عن
أفراده ومكوّناته، أي الجنود، كي لا تعود وتتسلل
أسطرة الجيش تلقائيا إلى عقولنا من حيث لا ندري
نحن، ولا حتى هم، عبر تراكمات "أسطرات" جنوده.
المسألة خطيرة
إن تراكمت، بشرفي.
ألا تلكزنا
لحظة رعب وانقباض- جحوظ لحظيّ في العينين ونصف
شهقة ونبضتين ثلاث سريعات- إن عرفنا أن أحدا يقف
قريبا منا- في أوروبا مثلا- أنه يهوديا
وإسرائيليا، و(يا حبيبي) جندي احتياط أيضا؟
عادي، هذا
طبيعي لأننا نرى على التلفزيون ما يمكن لهذا
الجندي ولأشكاله أن يقترفوه، ولأننا (وخاصة)
تصالحنا في عقولنا مع تلك الصورة الأسطورية لجندي
قوي يقتل متى يشاء ويجتاح متى يشاء وقد يطالنا-
الآن هنا في الرابعة عصرا في مكان عام في بروكسل
مثلا- شيء مما يحدث للآخرين في العالم الآخر:
فلسطين.
الحجة التي
يتسلّق عليها ذوو البأس من مناهضي التطبيع في
دعواتهم الملحّة للمثقفين العرب بألا يزوروا
فلسطين (هم عادة يسمونها إسرائيل تبريرا لدعواتهم)
هي ذلك الجندي ومؤسساته العسكرية، وأن الزيارة
إنما هي اعتراف بوجوده أو أحقيته أو سلطته أو مهما
يكن، وكذلك مسألة الختم.
لنتكلم عن
الضفة، لأن مناهضي التطبيع المناهضين لزيارة
المثقفين للضفة، هم أنفسهم يناضلون وفي الوقت ذاته
لحثّهم على زيارة غزة، لأن الموضوع كله كما يبدو
يكمن، عند هؤلاء الأشاوس، في مواجهة الجندي عند
الحدود، والحواجز، وفي الخِتم الإسرائيلي على
الجوازات العربية، يعئ قرف.
طيّب،
فليزوروا غزة، وهي الأَولى بالمناسبة، ولكن،
فليزوروا الضفة أيضا.
(آه صحيح..
فلنتّفق أيضا على أمر أخير: أن يكون للمثقفين
والفنانين زائري الضفة، وكذلك غزة، موقفا واضحا من
الاحتلال، ولا بأس بمواقف واضحة كذلك من سلطة
أبومازن وحكومتي فيّاض وهنيّة.)
إن أتت "هوشة"
و"شوبَرة" مناهضة التطبيع هذه للحفاظ على عذرية
وطهارة جوازات السفر العربية من نجس الختم
الإسرائيلي وما يرافق ذلك من حصار عربي/قومجي على
فلسطينيي الضفة ومزاودة على ربّهم وإغلاق القفص
عليهم هم ومحتلّيهم، إن كان هذا ما يناضلون لأجله،
فيا فرحتي!
ويا حلالي يا
مالي.
من يريد من العرب، ويستطيع إجرائيا، أن يكفّ عن
كونه متفرّجا مشجّعا محمّسا لإثارة- هم يسببونها
عادة- على الملعب كالـ cheer girls، فليعضّ على
جواز سفره "ويشرّف ع الساحة" وليتحمّل (الله بعين)
النجاسة التي أنزلها على جوازه العربي الأصيل
إصرارُه على أن يكون في ساحة النضال، ولو لأيام،
ريثما ينتهي مهرجان ثقافي أو فني ما.
ثم ليترك أهل
الضفة ومحتلّيهم "يخَبْطوا ببعض".
وعلى كل حال،
حجّة الختم هذه التي تشبّثوا بها "بتمرقش ع حدا"
لإمكانية الدخول دون "المساس" بالجواز. معظم
المثقفين والفنانين العرب الذين قدموا إلى فلسطين
جاؤوا عن طريق تصريحات خاصة تصدرها السلطة
الفلسطينية.
وأيضا. ماذا
عن آلاف الفلسطينيين في الخارج والذين استطاعوا
زيارة وطنهم (وطنهم يا ناس) واضطروا للمرور عبر
الحواجز؟ حتى هؤلاء مطبّعين؟ لااااااااأ تِخْنِت
هيك.
الحملة المتحاملة- معظم حملاتهم متحاملة- على
الراحل محمود درويش حين زار حيفا، وابراهيم
نصرالله حين زار رام الله مؤخرا وغيرهم ممن لا
يعنيهم حبر الختم الإسرائيلي (إن وُجد، ولم يوجد)
بقدر ما يعنيهم النضال من الداخل، والمواجهة
المباشرة لا المتوارية والخجولة، وبقدر ما يعنيهم
التواصل مع أهلهم في الضفة والجليل، ومشاركتهم
حياتهم اليومية والثقافية وهي بكل تفاصيلها
"أنْضَل: من نضال" من التشجيع والمزاودة من
الخارج، من المدرّجات، و"أنضل" طبعا من "الشوبَرة"
الصامتة العبثيّة كما يفعل فيدو ديو في إعلان 7 up
(إلاّ أنه لزيز ورايق في حين أنهم في معظمهم
متوتّرون اجمالا)، هذه الحملة المتحاملة، إذن،
متحاملة جدا وفقط.
أسماء بحجم
درويش ونصرالله لا تحتاج من يدافع عنها، فكيف
يُزاوَد عليهم في انتمائهم وحبهم وعطائهم لشيء
جميل، يجعلونه هم أجمل، اسمه فلسطين؟.. آه؟
طيّب، زيارات
لم الشمل للاجئين "ختايرة" إلى الداخل الفلسطيني
في الجليل، تلك التي استطاع تدبيرها عزمي بشارة..
أم أنّ مناضلا ومفكّرا وأديبا وقائدا وطنيا
وسياسيا بحجم بشارة يحتاج إلى من يدافع عنه؟
وأن
"هالختايرة" مطبّعين؟
شو بَقبر
حالي؟؟
بالمناسبة،
منطق المقاطعة الأهوج هذا ومناهضة التطبيع هكذا:
"سَبَهللة" وبالضرب العشوائي الذي غالبا ما يصيب
الفلسطينيين قبل غيرهم في هذا العالم، هذا المنطق
هو المكمّل للحصار الإسرائيلي على الثقافة والفن
في الداخل الفلسطيني، وهو "نوع المواجهة" الأسهل
والأسلم والـ"من بعيد لبعيد" دون أي فقدان لأي
عذريّة مفترضٌ وجودها.
سأشير قليلا
إلى رواية "الولاعة" لحنّا مينة، والترهيب النفسي
الذي يمارسه المتديّن لاونديوس (اقرأ: المناهضون
الأشاوس) على الناس فيما يخص الخطيئة والجنس،
وتأثير ذلك على السلوك اليومي للطفل الساذج
المتأثر به، ليصبح الجنس هاجسا مرضيّا عنده،
ليتفاقم لاحقا هذا الهاجس ويفقع بعدّة خطايا "على
كيفك". كأنّ شيئا ما ذكّرني بـ"الولاعة" الآن.
قد يتنطّح لي
أحدهم من الضفة، مثلا، ويحكي باسم أهل الضفة
(قالْ)، أنهم لا يريدون هذا التضامن وأن اسمه
تطبيع وليس تضامنا، لكن كون أحد ما يعيش في الضفة
فهذا لا يصيّره المتحدّث الشرعي والوحيد باسم أهل
الضفة. وقد "يصدّق" أحد آخر من أهل الضفة على هذه
الأسطر، وذلك أيضا لن يعطيني الحتمية في صوابية ما
كتبت لأنه أيضا لا يتكلم باسم أهل الضفة، ولأن أهل
الضفة ولكونهم يعيشون هناك لا يتمتعون بالضرورة
بالملكية الحصرية لصوابية ما يخص الضفة، ولأن، وهو
الأهم، المسألة وطنية فلسطينية بامتياز، في صميم
الانتماء لهذا الوطن.
صمت. موسيقى.
رواااااااق.
فلنتكّلم الآن
عن ضرورة وطُرق تفعيل المقاطعة الثقافية
والأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية.. لكن دون الضرب
العشوائي، وبلا شوبَرة تِسلمولي.
|