|
سليم البيك
يكفي أن
نسمعها لنقرّر بأنها أجمل من غنّى درويش، وأكثر من
أوفى قصائده حقها. في بالي الآن بضع أسماء عربية
غنت قصائد لمحمود درويش لكني لا أذكر أن الأغنية
ارتقت لمستوى القصيدة وأعطتها بقدر ما أخذت منها
إلا ويتناهى إلى مسمعي من مكان ما في الجليل غناء
أمل مرقس لإحدى تلك القصائد. كتبتُ مرة أنّي أسمع
قصائد درويش أجمل إن ألقاها بصوته وبوقع نبرته، من
أن يغنيها آخرون. لم أذكر حينها أمل مرقس كون
المقالة انتقدت حالة معيّنة- التسلّق على قصائد
درويش- لم تكن أمل من ضمنها، بل هي في النقيض
تماما. وربما حان الوقت للحديث عن غنائها تلك
القصائد، وربما تأخرتُ في ذلك، فلأتحدّث إذن عن
"للحياة غنائي".
سأستطيع الآن
الاعتراف بأن سماع قصائد درويش بصوته يخلق عندي
رغبة ملحّة وقوية للبكاء، خاصة بعد أن اكتشفت أن
أمل تشاركني هذه الهشاشة، وأن كثيرين لابد أنهم
يفعلون، ويخجلون أن يفصحوا. ليس انحيازي للصوت
النسائي، ولا انحيازي لصوت أمل تحديدا ولا لأمل
ذاتها وأداءها ومشروعها الغنائي سأقول بأن قصائد
درويش إن غُنّيت فلتكن أمل، وإن أُلقيت فليكن
درويش، وإن كان لابد من الاختيار، فأجمل هيئة يمكن
لتلك الكلمات أن تُقدّم بها ستكون حتما بصوت وغناء
أمل مرقس، ولن أدلي باعترافات تخص صوتها قبل أن
أجد من يشاركني قليلا هذا الجنون الهش.
في البروفا
قبل حفلتها في ديسمبر سمعت أمل تدندن "على هذه
الأرض ما يستحقّ الحياة..(..).. رائحة الخبز في
الفجر..(..).. أول الحب..(..).. وخوف الطغاة من
الأغنيات"، تدندنها وكلمات من خارج القصيدة، وبلحن
أقرب للتهليلة والصلاة. على المسرح غنّتها، وعرفتُ
مجددا أن قصيدة درويش لن يُمكن تقديما بأجمل من
ذلك، وأسفت جدا أنه لم يعش ليسمعها، وخجلت من
السؤال إن كان الميّت حقا يسمع ما يريد، من عالمه
الآخر.
"غراسياس
ألافيدا": شكرا للحياة. أغنية شعبية لشاعرة تشيلية
يسارية، لحنها فولكلوري لاتيني غنته مارسيدس سوسا
الأرجنتينية، والتي تُعتبر صوت الفقراء والمهمشين
في أمريكا اللاتينية. أمل التي تربّت في بيت
المناضل الشيوعي العريق نمر مرقس، وقد كان أيضا
معلّم درويش ورفاقه في مدرسة دير الأسد
الابتدائية، أحبتها منذ كانت طفلة، وقد كبرت على
أغان ثورية وأممية تتشارك وأغانينا الفلسطينية
المضامين ذاتها المهمومة بحب الحياة، وبالإنسان
والأرض والحرية والكفاح من أجل كل ذلك. ومنها أغان
لمارسيدس سوسا، وخاصة "غراسياس ألافيدا".
عملت أمل على
تعريب إيقاعي لنص الأغنية بما يمكنّها من غنائها
باللحن الأصلي لها مع الحفاظ على روح النص، وقد
وجدتْ فيه ذلك الإصرار على الحياة التي لن تكون،
عند أمل، إلا على أرضها وفي وطنها وجليلها بما فيه
من تفاصيل صغيرة وجميلة، وهو ما كبرتْ عليه وما
قرأتْه في قصيدة درويش.
أثناء التحضير
لحفلتها في حيفا في أكتوبر بمناسبة العيد التسعين
للحزب الشيوعي، اختارت أن تغنّي "غراسياس ألافيدا"
بنصّها العربي، كتحية للوفود الشيوعية اللاتينية.
أمامها تلك الروزنامة التي تحوي رسومات لشخص درويش
وقصائد له، وكانت "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"
على شهر حزيران، وأمل لم تكن تقلب صفحاتها حتى
تاريخ حفلتها.
انتبهت
للقصيدة أمامها، بدأت بشكل تلقائي تدندن كلمات
درويش على لحن سوسا، ليتطابقان في العدد والمقاطع،
فمزجت بين القصيدتين. ومع النص واللحن التشيلي
والغناء الأرجنتيني والنص الفلسطيني والهم/الحب
الأممي ستغنّي أمل منذئذن لفلسطين والإنسانية
"للحياة غنائي"، وستزيد من تلك التفاصيل
الفلسطينية التي سنستحق الحياة على أرضنا أكثر من
أجلها، كأغنيات أمل التي يخافها الطغاة.
ستبقى الحياة
على هذه/تلك الأرض، على فلسطين، استحقاق لابد من
نيله، لأسباب منها أن قصائد لمحمود درويش أتت من
هناك، وأن أغنيات لأمل مرقس أتت وستأتي من هناك،
ولأن فلسطين ستكون أجمل كلما تذكّرتُ أن أمل تغنّي
من هناك.
|