عن نسرين فاعور وكلامٍ آخر

 

 

سليم البيك 

 

    كان لديها ذلك الشعور بأنها لن ترجع من المهرجان إلى فلسطين دون الجائزة المُرشّحة لها كأفضل ممثلة عن الأفلام الروائية، ربما لأن فيلم "أمريكا" الذي أدت نسرين بطولته، وأخرجته الفلسطينية شيرين دعيبس، تعوّد أن يخرج من المهرجانات السينمائية بجائزة على الأقل، أو استحسان النقاد والجمهور، وربما جاء هذا الشعور ضمن سياق فلسطيني عام، حيث استولى الفلسطينيون على الجوائز الأولى في المهرجانات العربية مؤخرا، ولم يكونوا بعيدين عن ذلك في المهرجانات الأوروبية. وقبل كل ذلك لأن المُشاهد، سيضطر إلى أن يحضر الفيلم مرتين، مرة أولى بإخراجه ونصه وممثليه وحبكته وكل تفاصيله، ويستمتع بكل ذلك، ومرة أخرى لمشاهدة أو مراقبة أداء نسرين في الفيلم والمحاولة العابثة لاستيعاب أداءها على أنه ضمن حدود التمثيل، والتمتع بهذا الأداء، أو التمثيل، أو لابد هنا من كلمة أكثر حقيقية وتلقائية من كلمة تمثيل.

***

    ستكفي هذه الأسباب كي تشعر نسرين حقا بأنها المرشحة الأقوى للجائزة، لكني في الأيام الأولى لمهرجان دبي السينمائي وفي سهرة مع نسرين وصفاء حتحوت من عكا والياس حبيب من حيفا وسهيل نفار من اللد، وكلهم أتوا للمهرجان من فلسطين عن فيلمي "أمريكا" و"حاجز الصخرة"، بدأتُ، بل بدأنا جميعنا نشعر بأن الجائزة لنسرين وأن لا كلام ولا نقاش في ذلك ودون أن نتكلف عناء إيجاد سبب لمُسلّمتنا الجديدة، لكن النقاش كان فيما ستقوله نسرين حين تستلم- وليس إن استلمت- الجائزة. حمل سهيل كأسا بيده ووقف وأصرّ على نسرين أن تحفظ حركاته وكلماته، حرفيا، كي تؤديها حين تستلم الجائزة، حمل الكأس وقال: أنا بهدي هاي الجائزة لألله اللي خلقني.

    طبعا "الله- اللي خلقنا- ستر" أن نسرين لم تقل وتفعل ما نصحها به سهيل- وهو بالمناسبة عضو فرقة الراب "دام"، وهي الأقوى عربيا- رغم أن الجميع تبنّى فكرته: أن تهدي الجائزة لألله اللي خلقها. وعبارة "الله اللي خلقني" شائعة فلسطينيا، ولها مضامين ساخرة. وأحببت أنها بمضامينها ذاتها مايزال يستخدمها الفلسطينيون على طرفي حدود الوطن، رغم الـ 62 عاما.

    حسنا، أخذنا حينها المسألة هبل بهبل، وجود مغنيَي راب كصفاء وسهيل ووجود الياس عازف الإيقاع مع أمل مرقس، ولعزف الإيقاع جنونه الخاص، وأنا "براسي اللي ناتعه"، كان لابد للهبل أن يسيطر، رغم أن حضور نسرين فرض بعض "الرّكازة" لنتكلم أكثر عن الفن في فلسطين، في أرض الـ 48 خاصة، عن صمود الناس هناك، عن النهضة الثقافية والفنية الفلسطينية، عن الجبهة الثقافية كما سماها جورج حبش، وعن الجبهة الأخلاقة كما سماها إدوارد سعيد، وعن الجبهة الترشحاوية كوني ونسرين من هناك.. لا لم نتكلم عن ذلك بالمرة، فإنْ "مرّقلنا اياها" الياس (حيفا)، فإن صفاء (عكا) وسهيل (اللد) ما كانا ليسمحا بذلك، وكنا سنسمع مصطلحات محلية كـ "شخّرله" العكاوية و"فقدان شمطان هسهسة" اللداوية. لست متأكدا من معانيها ولكن لا يبدو أبدا أنها تُطمئن.

***

    سأترك للنقاد السينمائيين أن يُعجبوا أكثر بأداء نسرين في الفيلم، وأن يكتبوا أكثر عنه، وأن يتوقعوا فوزها بالجائزة وأن يرشحوها لجوائز أخرى، لكن صفاء وسهيل والياس وكاتب هذه السطور عرفوا بالهبل النتيجة مسبقا، حميمية وعبثية السهرة ربما أعطت هذا الشعور (التقينا وكأننا التقينا آخر مرة قبل 62 عاما) فكان النقاش فقط على ما ستحكيه نسرين حين تستلم الجائزة، وجيد أنها كانت أعقل من تأخذ بكلام هؤلاء المجانين.

    نسرين بإنسانيتها وحلاوة روحها وعمق انتمائها لبلدها، وضحكتها الجميلة والأنيقة والحقيقية والتي لا تفارقها، وبسعة معرفتها وأدائها الذي ينقل فيلمها إلى مساحة أكثر واقعية- وأيضا بما حكته لي عن ترشيحا- ستصير، أو صارت مسبقا، من بين تلك الأسماء التي ستحكي للعالم بالفن والجمال والسينما عن بلد اسمه فلسطين.