|
سليم البيك
هنالك، في هذا
العالم الكئيب والمقفر، أناس كلما رأوا شجرة عالية
يتسلّقونها، وذنب محمود درويش أن كُتب له أن يكون
زيتونة رومية ضخمة أو شجرة سرو شاهقة في جليل
فلسطين، فصار يحلو لكثير من "الطفيليات" أن
يتغذّوا على ضخامة وشهوق اسم درويش، والشاطر هو من
يلحق أن يَخرج بعمل عن درويش في هذه المعمعة
والفوضى قبل أن يتنبّه أحدهم ويُثار الموضوع ويصعب
على أي انتهازيّ أن يلحّن ويغنّي من أشعاره أو
ينتج مسلسلا عن سيرته.
لا بد من
الإشارة بداية إلى أن هنالك أغاني وأفلاما لم تتكئ
على اسم درويش، على حساب جمالية العمل واتقانه ولم
تكن حِملا بغيضا على قصائده المثقلة أصلا بهموم
ذاتية ووطنية وإنسانية، والتي لا ينقصها غَم ووطأة
يُلصَقا بها وباسم مبدعها كوطأة المسلسل السوري
(رغم تفوّق مجمل المسلسلات السورية على غيرها ورغم
حبي لها) الذي سينتجه ويقوم بدور درويش فيه ممثلٌ
لا فائدة من ذكر اسمه فلن تعرفوه، إن عرفتموه، إلا
بالشكل. وسيكتبه من حرّر الصفحات الثقافية لاحدى
الصحف الرسمية السورية لثلاثين عاما. خُدلك!
طبعا لا يمكن الحكم نهائيا على المسلسل قبل عرضه.
لكن هل ننتظر "للمهزلة" أن تحل فنقول يا حلالي يا
مالي (وفجأة هنا أتذكر ما حصل مع ألبوم سميح شقير
الأخير الذي فشل بامتياز رغم محاولاته التسلق على
قصائد درويش وصورته على الغلاف)؟ ألا يكون الـC.V
الفني للمنتج والممثل القائم على المسلسل، والسرعة
"الانتهازية" القصوى- قبل ما حدا يسبقهن- في اتخاذ
قرار إنتاج مسلسل بثلاثين حلقة على الأقل عن
درويش، والفصل "شبه" التام بين القائمين على
المسلسل وبين المقربين من درويش في دير الأسد
والجدَيدة وحيفا ورام الله وبيروت وعمّان وباريس،
وأمور أخرى وأخرى، ألا يكون كل ذلك سببا كافيا
لوقف هذه "المهزلة"؟
من الذي
سيحكّم نص السيناريو مثلا؟ وهل سيكون السيناريو
هذا مجرد لملمة لما ورد عن درويش في الكتب
والصحافة –الرسمية السورية خاصة.. أهلين!- وإعادة
ترتيبها أو خربطتها؟ خاصة وأن لا تواصل هناك بين
كاتب السيناريو الذي تنطّح للمهمة قبل أن تجفّ
دموعنا على رحيل درويش، وبين عائلة درويش
والمقرّبين منه، (وأزيدَكْ من الشّعر بِيتْ) بل
أنه لم يتوجّه أحد من القائمين على المسلسل إلى
عائلة درويش في الجدَيدة في فلسطين، والعائلة هناك
لا تخفي تذمّرها من طريقة تعامل هؤلاء "القائمين"
مع سيرة درويش، وهي الطريقة التجارية التي تستسهل
كتابة السيناريو طالما أنه "سيضمن" البيع السريع
المُأسّس على اسم درويش (وأيضا هنا فجأة أتذكّر
سميح شقير في ألبومه الأخير.. يا الله). كما أني
سألت بعض أصدقاء درويش عن المسلسل الذي لم يكونوا
يعرفون به أصلا.. كيف يُكتب السيناريو إذن؟
زد على كل ذلك
(وربما شيء من الجواب يكمن هنا) أنّ كاتب
السيناريو عمل محرّراً ثقافيّاً وكاتب زاوية في
احدى تلك الصحف الرسمية منذ سبعينيات القرن الماضي
وحتى 2008 (وهنا المهزلة بعينها) فمجمل المواد
التي كانت تنشرها هذه الصحف عن درويش خلال تلك
الأعوام الطويلة تعطي فكرة واضحة عن نسبة موضوعية
وصدقية- ولا أذهب بعيدا لأقول غاية- سيناريو
ومسلسل كهذا يُنفّذ على عجل، والأمور المنفّذة على
عجل تُبنى عادة على مواقف سابقة ومسبقة وجاهزة
ومقرفة، خاصة وإن تراكمت على مدى ثلاثين عاما،
وتجمّدت أثناء ذلك، وتعفّنت بعد ذلك.
كل ما ذُكر
يحتّم ضرورة مراجعة السيناريو من قِبل عائلة درويش
أو مجموعة من أصدقائه المقرّبين، وهو ما لن يقبله
القائمون على المسلسل لأسباب أعتقد بأن مشاهدته
وقراءة ما سيكتبه عنه أصدقاء درويش ومحبوه ممن
يكرهون لدرويش أن يتسلّق أحد على اسمه، بأن ذلك
كفيل بتوضيحها.
لمَ هذا
الاستخفاف ومحاولة العبث باسم درويش؟ آآه؟
لو أنه فقط
يعود، كم كان درويش سيسخر من كثيرين.
|