امتنان..
الثوريون لا يموتون

 

 

سليم البيك 

 

    فتحتُ المظروف فورا، وحين مسكته بيدي، تأكّدت بأني الآن بالذات عرفت ما سيكون كتابي المقدّس.

    خرجت من مكتب البريد وبيد أحمل مظروفا أصفر كتب عليه: لمى جورج حبش، وبالأخرى كتابا يحوي الحوارات الأشمل التي أجريت مع الحكيم، مكتوبا عليه: الثوريون لا يموتون أبدا.

    صرت أتامل "جورج حبش" المكتوبة على المظروف، بقلم حبر ناشف أزرق، بخط عادي، كُتب على عجل لكنه واضح ويقرأ بسهولة، كل الصفات الحقيقية فيه، كُتب كما أكتب أنا أي شيء، لم أستطع حينها إدراك حقيقيتها بكل هذه البساطة، ولا بأني أستلم مظروفا بريديا مكتوبا عليه اسم الحكيم، كتابة وليس طباعة، أرسلته ابنته. "شيء حقيقي من ريحة الحكيم".

    كنت كلّما التقيت بأحد من فلسطين، والجليل تحديدا، تلك البقعة ذات البنية الرومانسية الهشّة في مخيلتي، أخذت أستنشق ريحة البلد، وهي ذاتها التي استنشقتها في كتاب الحكيم فور إخراجه من المظروف، وصلتني بكثافة رغم رائحة الورق الحيادية. الكتاب والمظروف من ريحة الحكيم، التراسل مع ابنته من ريحة الحكيم، مشاهدة صور وفيديو من فلسطين عبر الإنترنت من ريحة الحكيم، قراءة خبر عن مسرحية في عكّا مثلا من ريحة الحكيم، والتراب والزعتر والنعنعة وكل ما أتاني من الجليل هو من ريحة الحكيم، وكل فلسطين من ريحة الحكيم تماما كما كل ما يخصّ الحكيم من ريحة تلك البلاد.

    وكلّما قرأت شيئا عن الحكيم أو رأيت صورا له قلت في نفسي: من ريحة البلد. الحكيم الذي تهجّر من فلسطين منذ النكبة مازال وبعد 60 عاما يعبق بريحة البلد وكأنه لتوّه أتى من هناك، أو أنّ قطعة من أرض فلسطين نُزعت حين تهجّر.

    وكلّما سمعت صوته خشعت، لأن فلسطين لو كان لها أن تختار، لن تختار غير تلك النبرة وتلك اللهجة وذلك الصوت بما فيه من جلالة، كما أنها لم تختر غير الحكيم ليكون ضمير ثورتها ورسولها على الأرض.

    يروق لي أن أرى فلسطين بصيغتها الأجمل والأطهر والأصدق، ولا بد لذلك أن أرى الحكيم، وفقط الحكيم. هو التجسيد الآدمي الأطهر لتلك البلاد، وفلسطين تلك إن أرادت أن تروي سيرتها لابد أنها ستقرأ علينا هذا الكتاب، فكيف لا يكون إلاّ كتابا فلسطينيا مقدّسا؟

    وكيف يموت الثوريّون وجورج حبش أميرهم؟

    ليس هذا مقالا عن الكتاب، بل رسالة امتنان إلى ابنة الحكيم لمى حبش على إرسال الكتاب، وقبل ذلك على حرصها على إعداده ليخرج لنا بالصيغة التي هو عليها، وإلى ابنة الحكيم ميساء حبش، وإلى زوجته وشريكة نضاله السيدة هيلدا حبش التي كانت، وميساء ولمى، شريكا أساسيا في مسيرة الحكيم التي تستزيد فلسطينُ منها طهارةً بين فينة وأخرى، كلّما حاول آخرون تلطيخها.

    سأرجع إلى المظروف ثانية وأقرأ اسم لمى جورج حبش، سأغار منها، سأكتفي بأني أشارك جورج حبش هذا الوطن، وسأكتفي بأني أشارك هذا الوطن سيرة واسم جورج حبش، سأتأمل الأمر قليلا..

    فعلا، كم جميل، في هذا العالم، أن أشارك الحكيمَ الوطنَ ذاته.