مانيكان.. أرجيلة.. حشمة

 

 

سليم البيك 

 

ليس للفلسطينيين أعضاء جنسية، هم فقط مجاهدون. قد يفهم بعضهم في السياسة، وجميعهم يفهمون في الدين. جميعهم متديّنون. جميعهم ذكور. جميعهم يريدون مجتمعا مخصيّا في العلن. لا نساء في فلسطين، أو في غزّة حاليا. هنالك فقط أم الشهيد وأخت الأسير. لا نساء في الشارع، حتى أم الشهيد وأخت الأسير، لا تظهران في الشارع، حفاظا على الأخلاق العامة. في الشارع ترى ذكورا، فقط ذكورا، وفقط متدينين. هكذا تريد حماس. النساء في البيت، حفاظا على الحشمة والأخلاق العامة في المجتمع الفلسطيني. هنّ ماكينات تفريغ رغبات جنسية ليلا ومطابخ ومكانس نهارا. لا نساء في المقاهي، حرام. لا نساء تدخن الأرجيلة، حرام، وكذلك حفاظا على المظهر العام، ونشرا للحشمة رغما عن أنفها. النساء هنا فقط محجّبات، عفوا، منقّبات. المظهر العام للمدينة الفلسطينية هناك ومخيماتها هو: ذكور ملتحية وكتل سوداء بلا ملامح، تتحرّك، يفترض الجميع بأنها إناث، نساء، هن كذلك لكن في بيوتهن فقط. حشمة. في الشارع، أو خارج عتبة البيت، لسن حتى أمهات شهداء أو أخوات أسيرات، فما الحال لو قلت عاشقات مثلا. وكل ذلك حفاظا على الحشمة. أليست المرأة فتنة؟ وأولوا الأمر الناصحون منتشرون على شواطئ غزّة وفي مقاهيها نشرا للفضيلة. هكذا تريد حماس. ليس للفلسطيني أعضاء جنسية، هكذا قرّرت حماس. الفتنة في أجساد النساء ووجوههن وأصواتهن، لا في عقول الرجال. المريض ليس العقل الذكوري بظلاميته ورجعيته والذي يجرّه أولئك المسيطرين على غزّة وعلى كل تفاصيل الحياة الفلسطينية هناك، الحياة التي تكاد تخسر سمة "الفلسطينية" لأنها على ما يبدو سمة غير محتشمة ومخلة بالآداب العامة. المريض هو أي شيء آخر، أنا ربّما. المتسلّطون هناك يريدونها بلادا مخصيّة. ذكورية ولكن مخصيّة. وكلهم مجاهدون أيضا. لا إعلانات لملابس داخلية، حرام عيب ممنوع. ربما لأن ليس للمجاهدين والمتدينين ونسائهم المجاهدات والمتدينات، ليس لأي منهم أعضاء، كغيرهم من البشر، تحتاج لكلاسين. وعيب أن يفكّر أحد بأن مجاهدا ما قد يلبس كلسونا. أو زوجة أسير قد تلبس ستيانة. بل هذا أساس العيب، والعيب أن يكتبه أحد على الملأ ودون خجل أو حشمة - من تلك التي توزعها شرطة حماس- لأن هذا وهذه وأهل غزة كلهم ليسوا بشرا، بل ماكينات جهادية تخضع، كغزّة، لسيطرة حركيّة "إسلامية" تريدهم هكذا. تريد أن تغصبهم على رضاها عليهم. وفوق كل ذلك أتتنا المانيكان، دمى العرض في المحلات التجارية. هي أيضا، كتواجد النساء العلني في الشوارع، تخدش حياء الرجال، وتثير فيهم أفكارا غرائزية أعفانا الله وإياكم من ذنوبها، ليس لأن المانيكان تترك عارية أمام واجهات المحال. ولكن حتى لو تركت عارية، ما العيب؟ العقل الذكوري المريض هو الأوجب بتعريته، ولا عيب في تعرية المانيكان فاقدة الملامح والحلمات، رغم أنها تُعرض محتشمة هي الأخرى. وقد تتنقّب، أيضا، من تلقاء نفسها، بل العيب في عدم تعرية تلك العقول المطبِقة والأرواح الحبيسة. مجتمع غزة أصبح بلا نساء، كلهن في البيت وإن خرجن يتحوّلن إلى كتل من قماش غامق كئيب. والفضل دائما للحركة المجاهدة وما تريده لغزّة. المظهر النسائي الوحيد قد تكون المانيكان، رغم أنه مظهر بلاستيكي كذّاب بلا روح، لكنه "صنم" لشيء فيه روح، وهو المرأة، وذلك حرام. لكن لحظة، أليس في ذلك ما يبعث على التفاؤل وهو أن للنساء أرواحا بالنسبة إليهم؟ هم ينشرون الفضيلة في مجتمع مهما كان محافظا سيظل مليئا بالذنوب إلى أن "يتحمْسَن" كل أفراده، إلى أن تقتنع النساء بأنهن فتنة وأنهن حرمات. حرمات بعولهم الذكور، وتحديدا عقولهم وأعضائهم المريضة، هكذا تريد حماس. لن أتذكّر كل ما ابتدعته تلك الحركة الجهادية المسيطرة على غزة، لكن ما يجمع كل ذلك هو حرصها الدائم على منح المجتمع الغزّي كل ما يفيض عندها من حشمة وأخلاق وتديّن. وليذهب التراث الفلسطيني إلى الجحيم. التراث المتنوع دينيا وفكريا. التراث الذي صنعته نساؤنا قبل رجالنا. والذي خرج منه "قول يا طير" بحكاياته التي كانت تحكيها جدّاتنا قبل أن تتورّم هذه البلاد بحماس و"الإخوان" من قبلها. هذه الحكايات أيضا تخدش الحياء. منعو الكتاب لذكر كلمة "بز" في إحدى الحكايات. سأجرب أن أخدش حياء القارئ إن صحّ زعم مجاهدي حماس: بز بز بز بز بز بز بز. هل خُدش أيّ حياء؟ وهذا مجرد مقال وليس حكاية شعبية في التراث الفلسطيني تذكر إحدى أكثر الكلمات شيوعا عند الفلسطينيين. هنالك بالمناسبة كلمات أخرى تشير إلى أعضاء ومناطق أشد حميمية في جسم الإنسان، وهي أكثر شيوعا، عند الفلسطينيين، من غيرها، وتستخدم علنا في كل الحالات النفسية والمناسبات الاجتماعية. لسنا ملائكة ولا مخلوقات مثالية تتمتع بكل الصفات المؤهلة لدخول الجنّة. لن أحصي كل ما اقترفته حماس بحق الثقافة والتراث والهوية الفلسطينية، وبحق المجتمع الفلسطيني، وبحق أهالي غزة، نسائهم قبل رجالهم، فليس الأمر بهذه السهولة مع حركة كحماس. أمر أخير، ولأن فتح "أضرب" من حماس في أحيان كثيرة، أرجو من الفتحاويين ألا يعمّموا هذا المقال فرحين بحركتهم، المخزية هي الأخرى.