بلى عن الكبّة النيّة.. لا ليس عن الكبّة النيّة

 

 

سليم البيك 

 

كنت أتمشّى محاذيا البوفيه، أتفحّص متلذّذا روائح وأشكال الطبيخ الفلسطيني (مفتول، مقلوبة، مسخّن، ورق دوالي.. الخ) حين نوّه إليّ "صديق" لي (من الضفة) دعاني لحضور أمسية فلسطينية (حفلة، علاقات عامة، طق حنك، زناخة، إحباط، شعور وطني ينبثق مرّة في السنة ويكون زائدا عن حدّه لدرجة القرف، تبادل للبزنس كاردز..) في أحد الفنادق الفخمة في المدينة، يعقبه بوفيه مفتوح. نوّه إليّ: شايف، حتى البوفيه عملناه فلسطيني لنخلق جو للناس. سألته: وين الكبّة؟ مش شايف كبّة نيّة. فأخبرني وهو ينظر إلى غير مكان، وبقهقهة نمّت عن زناخته المكبوتة إلى لحظتها: مش من عنّا الكبّة هئ هئ هئ.

***

سيدة مثقّفة لها مقال أسبوعي في إحدى صحف الضفة، كتبت مرة عن الأكلات الشعبية الفلسطينية، وغابت الكبّة عن مقالتها. لا أقرأ لها عادة لكن الموضوع شدّني لعلاقتي الحميمة بالطبيخ (أو ببطني كما تدّعي أسماء). أرسلت "للمثقّفة" بأن المقال افتقد للكبة، فأرسلت إليّ بأن الكبة ليست فلسطينية وبالتالي من الطبيعي أن "تُقصى" من المقالة. ودون أي سمايلي فيس.

***

سأدّعي بأني لا أكتب دفاعا عن الكبّة وكونها واحدة من التفاصيل "الكريمة" في حياة الفلسطينيين في قرى ومدن الجليل وفي المخيمات خارج الوطن، وكونها أهم الأكلات "القومية" هناك، بنسب تختلف من قرية/مدينة لأخرى، وأن أي عزومة "تُقصى" عنها الكبّة تكون ناقصة وقد تدلّ على تأهيل متمنّع بالضيف (وعن قصد)، وذلك بكل المناسبات. هذه الكبّة التي قال لي عنها أحدهم (وكنت التقيته للمرة الأولى، في زيارة لأصدقاء في مخيم اليرموك) حين عرف أنني من ترشيحا، فورا، وبلا أي تحذير مسبق قال وقرّر بأن: كبّتنا أطيب من كبّتكم. سألته (متظاهرا بروح رياضية غير موجودة أصلا): طيّب من وين إنت؟ أجاب: من الجِشْ (بالمناسبة كنت ذقت كبّة أهل الجش ويا مَطيَبْ كبتنا قدّام كبتهن المايطة). عادة أتجنّب مجادلات كهذه لأن الكبّة الترشحاوية تسود كل "وصيفاتها" وكفى، ولشو وجعة الراس؟ وعن هذه الكبّة تجادلنا مرّة أنا وأحد "الرفاق" الختايرة في مخيّم حمص، إن كانت تؤكل كوجبة رئيسية أم كمازة تسيق الوجبة الرئيسية. "الرفيق" من حيفا، وهو يدّعي بأن الكبّة خُلقت لتؤكل كمازة (مع كاس عرق وتبّولة ومتبّل وحمّص..) وأنها كذلك في حيفا. أنا لم أستطع تجاهل هذه الإهانة لأن ليست الكبة "من" يُمزمز عليها، وليست الكبة "من" تُسخّر لغيرها (وكدت أن أقول: فهمت؟) ولم "أحطها واطية" حينها. وتجادلنا إلى أن انتصرت عليه حين أستغلّيت بلؤمٍ "ماركسيّته" وأخبرته بأنكم: إنتو بحيفا برجوازيين، بتمزمزوا ع الكبّة عبين ما تبلشوا بوجبة تانية، إحنا بترشيحا فلاحين وفقرا، الشي اللي بتمزمزوا إنتو عليه، إحنا مناكله كوجبة رئيسية. فانحاز رفيقنا، أخيرا، إلى طبقته.

***

الزّنخ الذي دعاني إلى البوفيه كنت شتمته في سرّي شتيمة تتناول بالتفصيل الأعضاء الحميمة لِـ... "يعني شتيمة من الزنّار و.. جوّا".

***

ولأني أدّعي بأني لا أكتب، هنا، عن الكبة، سأكتب مستغربا صحف الضفة (الثلاث) التي "تقصي" عكا وبير السبع وصفد وكل مدن الجليل والمثلث والنقب عن صفحة الأخبار المحلّية وكذلك عن زاوية الطقس اليومية (كتّر خيرهن اللي بحطوا غزة). ومستغربا كذلك لأمر شكى لي عنه، متألما، بلال، وهو مخرج سينمائي من قضاء الناصرة، أخبرني بأنه بعد عروض لفيلمه الأخير في حيفا وغيرها من مدن الداخل، عُرض الفيلم في إحدى مدن الضفة، وفي التقديم قالوا بأنه يعرض للمرة الأولى في فلسطين، رغم علمهم بعروضه السابقة في حيفا، وما كان منه إلا أن صحّح لمقدّمةِ الأمسية معلوماتها عن جغرافية فلسطين.

***

حسنا، أنا أكتب عن الكبة، وعن حقّها في أن لا تُقصى عن فلسطينيّتها وعن انتمائها لمنطقة الجليل (كما لمناطق "شاميّة" أخرى) وعن حق مدن وقرى الجليل والمثلث والنقب أن لا تُقصى عن فلسطينيّتها، وعن أن هنالك أيضا مخيمات خارج الوطن، لا يمكن إقصاء أهاليها عن انتمائهم لتلك المدن والقرى التي لا يمكن إقصاءها عن فلسطينيّتها، وبالتالي لا يمكن إقصاء أهالي المخيمات عن فلسطينيّتهم، وعن أن الأكلات في تلك المناطق من فلسطين، والتي حملها أهالي المخيمات معهم إلى مخيّماتهم، هي، بالتالي، أكلات فلسطينية. وأخيرا، أنّ فلسطين لم "تُخلق" فجأة عام 67 كما يظن الكثير من الفلسطينيين.

***

أخبرتني سحر مرّة بأنها في زيارتها الأخيرة لإحدى قرى رام الله، سألت طفلا هناك: حبيبي إنت بتحب فلسطين. فقال: آه كثير.. بس يا خسارة بعمري ما شفتها.

 

 

في القدس العربي