|
سليم البيك
أليس هنالك من
رأسمالي فلسطيني "ابن حلال" أو مؤسسة فلسطينية
تعنى بالثقافة والآداب والفنون –وما أكثرها- أو أي
جهة مدنيّة مستقلة يمكن أن تصدر جريدة أو مجلة
تعنى بالثقافة الفلسطينية على اختلاف أشكالها
وأجناسها، والأهم، على اختلاف أماكن تجمّع/تشتّت
شعبها؟
هنالك حراك ثقافي
فلسطيني نشط وملفت، في مجالات مختلفة: الكتابة
والأدب، الموسيقى والغناء، السينما والمسرح،
التشكيل والتركيب.. وعلى المستوى الفردي أكثر منه
على المستوى الجماعي أو المؤسساتي، بنوعيّة وكمّية
ملفتة أيضاً عربياً، ولا بأس بها عالمياً.
في كل مجتمع، وكل
حراك ثقافي، لا بدّ من صحافة توفّر التقارير
والتقديم والنقد والتحليل والمراجعة والرأي
والنصوص وكل ما في ذلك من إعلام وإعلان، في
تغطيتها لذلك الحراك، وفي مجلات ثقافية متخصّصة،
أو صفحات وملاحق ثقافية ضمن الصحف اليومية. أما في
حال الثقافة الفلسطينية، فليس هنالك من صحافة في
هذا العالم تكون الثقافة الفلسطينية عندها من ضمن
اهتماماتها المحلية، حيث تُعطى الأولوية.
لأفصّل أكثر:
الصحف الفلسطينية
تهتم كل منها بأوليات تحدّدها أماكن تمركز هذه
الصحف، وللجغرافيا السياسية رائحة مزكمة هنا،
ولازلت أتكلّم عن الصحافة الثقافية المطبوعة:
الشتات: ليس هنالك مجلة ثقافية فلسطينية، ولا حتى
صحيفة يومية معروفة بأنها صحيفة فلسطينية تصدر
خارج الوطن.
فلسطين الـ 48: هنالك صحف يومية ومجلات أدبية،
متواضعة، لكن الأولوية تكون دائماً لما يصدر هناك
تحديداً، من آداب وفنون، أي أنها ليست فلسطينية
بالمعنى الأشمل.
الضفة والقدس: يمكن نسخ/لصق ما كتب عن "فلسطين الـ
48"، وإن فاقها الوضع سوءاً.
غزة:
يمكن نسخ/لصق ما كتب عن "فلسطين الـ 48" و "الضفة
والقدس"، وإن فاقهما الوضع سوءاً.
وهنالك إضافة لذلك،
المجلات المتخصصة والصحف اليومية العربية والتي
توفّر تغطية للحراك الثقافي الفلسطيني، لكنه يبقى
من الدرجة الثانية وما بعد، وذلك مفهوم طالما أن
الأولوية تعطى للحراك الثقافي في بلاد تلك المجلة/الصحيفة.
بالمحصّلة، ليس
هنالك حالياً صحافة فلسطينية بالمعنى الشامل
الممتلئ، حيث تعنى بآداب وفنون هذا الشعب في كل
أماكن تجمّعه أولاً، وكهمّ محلّي أساسي أوّلي لهذه
الصحافة ثانياً.
وهذا ما يخلق لدى
الأدباء والفنانين الفلسطينيين شعوراً موازٍ
لشعورهم الإنساني أينما حلّوا. بالنسبة لي مثلاً،
كلاجئ فلسطيني، سأكون دائماً "غير منتمٍ" أينما
حللت في هذا العالم، أي أن هنالك دائماً أولويّة
لأهل البلد الذي سأكون فيه، وأني لن يحدث بأن
أتمتع بكوني "من أهل البلد" حيثما أكون، وهو حال
الثقافية الفلسطينية في الصحافة العربية والعالمية.
وهو كذلك الشعور الإنساني لدى فلسطينيي الـ 48،
وحتى، وإن بنسب أقل، لفلسطينيي الضفة والقدس وغزة
كونهم يعرفون أن الأقوى على أرضهم هو المحتل.
فالفلسطيني –واللاجئ خاصة- أينما حل، لن يتمتّع
بشعور "المواطنية" الذي لا بدّ أن يرافق أي شعور
لأي انتماء لأي دولة على أي أرض وتحت أي سماء.
هو ذاته "شعور"
الحراك الثقافي الفلسطيني بأفراده ومؤسساته أينما
حلّوا، وتجربتي الشخصية قد تأثرت بحالة اللاانتماء
واللامواطنية تلك أينما حللت، بل وحالة اللاانتماء
لديّ توجّه أيضاً إلى "الصحافات" الثقافية
الفلسطينية داخل الوطن كوني –اللاجئ الفلسطيني:
الأديب الفنان المثقف.. المهما أكن- آتي لاحقاً.
كما توجّه، بحالها الطبيعي، إلى الصحافة الثقافية
العربية.
لن أكون إذن ضمن
الأولويات، أو الأخبار الأهم كونها المحلية، في أي
مجلة/ملحق/صفحة ثقافية عربية، أو فلسطينية. فصحافة
الـ 48 والضفة وغزة لها موادها الأهم والتي تحددها
الجغرافيا السياسية كما سبق وذكرت، والصحافة
العربية لها أولوياتها المفهومة، كذلك.
هنالك شعور عام
وبشع عند الفلسطينيين بأننا نحن ضفة وهؤلاء 48
ونحن فلسطينيي 48 وهؤلاء غزة ونحن خارج وهؤلاء
داخل ونحن غرة هؤلاء 48 ونحن ضفة وهؤلاء خارج ونحن
وهؤلاء وهؤلاء ونحن.. والصحافة الثقافية
الفلسطينية –مهما تواضعت- لم تفلت من ذلك.
لعلّ هذه الأسطر
تصل إلى أحد المعنيين والقادرين على المبادرة
لتأسيس شيء ما يمكن تطويره ليخرج بمجلة ثقافية
تحاول خلق شعور بالمحليّة لدى الأدباء والفنانين
الفلسطينيين، شعور بأنهم لم يعودوا ثاني أو ثالث
أو آخر اهتمامات أي صحافة ثقافية في هذا العالم
أولاً، وثانياً بأنهم أولى اهتمامات هذه الصحافة
ليس لكونهم أبناء الضفة أو غزة أو الـ 48..، بل
لكونهم فلسطينيين، وهي صفة تكفي بذاتها. كما سيخلق
ذلك شعوراً بالمحلية "ثقافياً" لدى قرّاء المجلة،
وشعوراً بالتكامل الفعلي، لا النظري، للآداب
والفنون الفلسطينية المشتّتة بتشتت شعبها ومبدعيها
فيه.
الثقافة
الفلسطينية مصابة بتكتّلات هنا وهناك، تكتّلات
مشتّتة، مشوّهة، منقوصة. ومجلة ثقافية فلسطينية،
بالمعنى الشامل، المكتمل، هي حاجة ملحّة لتذويب
تلك التكتّلات في بعضها، قبل أن تتبلور و"تكتمل"
كلّ على حدة.
فالشعار الأشهر والذي لطالما نادى به الفلسطينيون:
كامل التراب الوطني الفلسطيني، بحاجة لمقابلٍ
ثقافي له سيكون: كامل الثقافة الوطنية الفلسطينية،
وما نحتاجه بالضبط، مجلة لذلك.
|