كلّما انتصف أيار

 

 

سليم البيك

 

اليوم صباحاً، الخامس عشر من أيار، صديقي يتّصل بي:

-       شو، مش كاتب شي عن النكبة هالسنة؟

-       لا ما كتبت، شو لسا الواحد بدو يكتب ولا يحكي؟ كل شي انحكى.

كل شيء "انحكى"، صحيح. لكني ها أنذا أكتب أسطري الأولى من كتابة ما عن النكبة، أكتبها لأقول أن كل شيء "انحكى"، وأن –وهو الأهم- كل شيء لا بدّ أن يُحكى ويُحكى ويُحكى إلى أن تنتفي أسبابه.

أقفلت الخط، أدركت بأني كنت على خطأ. ما الذي أعنيه بأن "كل شي انحكى"؟ أن لا نحكي بالموضوع كي لا نكرّر ذواتنا كلّما انتصف أيار؟

ثم بدأت بالكتابة.

أدركت بأني على خطأ، وخطأ فظيع في وعيِ أهمية إحياء ثم إعادة إحياء ذكرى النكبة بالطرق القديمة التقليدية ذاتها وبطرق جديدة مستحدثة، بأن النكبة التي أخرجت جدّي من ترشيحا وكل الجليل، وبسببها أعيش حالة لجوء ولاانتماء أينما حللت، بأنها لن تكون الكتابة (أو الكلام) عنها ترفاً إلا بزوالها، بزوال أسباب نشوئها، بزوال تبعاتها، بزوال حالة اللجوء عندي وعند ستة ملايين لاجئ، أو من يرغب منهم على الأقل. فطالما أن هنالك نكبة دائمة مستمرّة بآثارها وما تراكم عليها وتأثيراتها عليّ شخصياً في كل لحظة أعيشها، في طريقة تفكيري، في استيعابي لكل الأمور وتفسيري لها، في موقفي من كل شيء في السياسة والثقافة والتاريخ والفكر والأدب والسينما والموسيقى.. في قياسي الدائم لفداحة أي حدث في التاريخ بمقاربته لفداحة النكبة من تهجير واحتلال، في فصلي للتاريخ المعاصر بما قبل أيار عام 48 وما بعد أيار عام 48، وإدراكي له على هذا الأساس، لا بدّ من إعادة الإحياء.

النكبة موجودة طالما تبعاتها المادية –على الأقل- موجودة: دولة اسمها إسرائيل وستة ملايين لاجئ فلسطيني. وكلّ ما دونهما مجرّد تفريع عنهما.

إلى أن نصل إلى اليوم الذي تكون فيه النكبة ذكرى لا بأس في اللامبالاة حيال إعادة إحيائها، إلى أن تصير النكبة بكل تبعاتها المادية ضمن الذاكرة الجمعية لهذا الشعب، إلى أن يتشكّل حاضرٌ منقطعٌ عن تلك التبعات، حيث يكون عام التحرير والعودة تاريخاً يفصل كل الأحداث التاريخية المعاصرة، إلى أن أستوعب التاريخ المعاصر بـ: ما قبل العودة وما بعدها، حين يُقسّم التاريخ زمنياً على هذا الأساس، حينها وفقط حينها، سأكتب عن أفخاذ النساء مثلاً، في منتصف أيار كذلك، بل وتحديداً.

 

في القدس العربي