|
سليم البيك
في هذه الأيام،
تمرّ السنة الثانية لرحيل جدي سليم محمود البيك،
والذي على عظمته وكبريائه وقوته، لم يكن ليحبس
دموعه، وفي أشهره الأخيرة تحديداً، كلّما تحدّث عن
ترشيحا، البلد التي هُجّر منها عام 1948.
كان يحبّ الحديث
عن بلده، عن المقاومة الشعبية هناك، ضد العصابات
الصهيونية. لم يكن حديثه يخلو من بطولات وخيبات
وسخرية حتى. سجّلت معه ما يقارب الخمس ساعات يحكي
فيها ما يذكره من أيام ترشيحا قبل النكبة، بل منذ
ثورة عام 1936 والتي شهدها صغيراً، ثم النكبة، ثم
التهجير من فلسطين، فرحلة التهجير إلى حلب عبر
لبنان، ثم عن المخيمات ثم حلب.
حين سألته عن سبب
اختيار حلب وهي المحطة الأخيرة للقطار الذي مر
بمدن لبنانية ثم دمشق فحمص إلى حلب، أجاب بأن
جدّتي العروس في حينه كاملة القاضي كانت في القطار
قد ذكّرته: ألم تعدني بأن نقضي شهر العسل في حلب؟
المدينة التي عرفها جدّي قبل زيارته "النكبويّة"
إليها. فردّ العريس بأنه الآن سيفي بوعده، لينزلان
في محطّة القطار الأخيرة.
في حلب كتب جدّي
شعراً وزجلاً وقد أهداني قصاصات ورق ودفتراً يحوي
تلك الأشعار، واحتفظت بها في كيس عتيق أحفظ فيه ما
يرسله لي أصدقاء من ترشيحا وكل فلسطين. سأنشر هذه
الأشعار في كتاب. من بين ما جاءني من ترشيحا كان
فيلم "عروس الجليل" لمخرجه وصديقي باسل طنّونس،
الفيلم يحكي عن قصف ترشيحا عام النكبة واحتلالها
إثر ذلك، وهو ما كان أخبرني به جدّي: أن التراشحة
دافعوا عن بلدهم، بل وشكّلوا فرق جهادية للقتال في
القرى المجاورة كالكابري ومعليا وغيرها، أخبرني
بأن اليهود بعد أن فشلوا في احتلال ترشيحا براً،
قصفونا بالطائرات. وقد سقطت ترشيحا في أواخر تشرين
الأول (أكتوبر)، أي بعد خمسة أشهر من إعلان قيام
دولة الاحتلال. ويقال بأن ترشيحا بسقوطها، قد سقط
الجليل بأكمله.
أما بالنسبة لقصف
ترشيحا، القصة التي تناولها الفيلم من خلال
الرواية الشخصية لفاطمة الهواري، إحدى جميلات
ترشيحا والتي تسبّب القصف بإقعادها، وفاطمة لا
تزال حتى الآن هناك في ترشيحا تشهد على جمال وصمود
وقوة هذه البلد، فقد أخبرني باسل في مكالمة
تلفونية بأن هنالك احتمال كبير أن يكون جدّك سليم
البيك هو المقصود من هذا القصف، لكن لا من دليل
على ذلك.
كان جدي قد أخبرني
بأن القذيفة التي أتت على بيت فاطمة الهواري كادت
تودي به، وبأنه لا يدري كيف نجى منها وقد اقتربت
كثيراً منه، وحين أخبرته بما قاله لي باسل، ردّ
بأن القصف أتى على كل ترشيحا وهنالك من قُتل
فعلاً، ولم يدر إن كان تحديداً هو المستهدف أم لا.
قبل أيام، أخبرتني
عمتي إليسار (كان جدّي قومي سوري العقيدة: عمتي
إليسار وأبي زينون) بأنها شاهدت على تلفزيون
فلسطين فيلماً عمّن قصف ترشيحا وبيت فاطمة الهواري
تحديداً، الطيّار إيتان، وقد قال في الفيلم -كنوع
من التبرير- أنه لم يقصد أن يقصف مدنيين (!)، بل
كان المقصود من القصف أحد أبناء ترشيحا وقد كان
قائد ومنظّم المجموعات القتالية هناك واسمه سليم
محمود البيك وهو الآن في حلب.
الحوار مع جدي
منشور في موقعي على الشبكة، أشعاره سأنشرها رغم
أني لا أدري لماذا فكّرت بدفن القصاصات في تراب
أحمر رطب أتاني من ترشيحا في مرطبان متوسّط الحجم،
ولي من جدّي مِسبحة عتيقة كان قد أوصى والدي بأن
يوصلها إلي قُبيل وفاته. أنا لم أرَ جدّي في أيامه
الأخيرة، أردت زيارته في حلب لكن أبي لم يرد لي أن
أراه وقد بدت آثار الموت عليه قبل حلوله. المسبحة
الصفراء العتيقة، كان جدّ جدي، من طرف أمه، من
قرية شحيم اللبنانية، قد أهداها لوالد جدّي، ومنه
انتقلت لجدّي، ومنه لي، وأنا سأحفظها إلى أن أرجع
بها، إلى ترشيحا وبيت جدي تحديداً.
لطالما كان يقول
بأن من لا يحبّ المحشي لا يدخل الجنة، وجدي كان
يحب المحشي كثيراً.
حين سألته إن لم
يحمل معه أي مفتاح من ترشيحا، ردّ بأنه كان يعرف
بأنه تحديداً لن يرجع، وبأنه مطلوب بالاسم وإن رجع
سيُعدم، وأن العرب سلّموا فلسطين لليهود بعد أن
نزعوا أسلحتنا. والدا جدي وأخوته بقوا في ترشيحا،
أخوته هناك حتى اللحظة.
حين كنت أسجّل معه
ذكرياته، كان يفوقني حماسة لها، وكان دائماً
يدفعني: شو جدّي ما بدّك تسجّل؟ الآن تحديداً،
أشعر بندم كبير على أني لم أسجّل أكثر من خمس
ساعات، لم أكملها إلى عشر أو عشرين، لكني قد أعزّي
نفسي بأنه أخذ كلّ راحته ووقته في الكلام، ولم
أنته إلا حين انتهى هو وقال: هنا أكتفي بروايتي.
ليست هنالك نهاية
لرواية جدي، هنالك بداية جديدة ستكون حين تعود
سلالته إلى بلده وبلدها، حين أعود أنا إلى ترشيحا،
وكل اللاجئين إلى كل فلسطين، هناك ستبدأ حكاية
جديدة لسليم محمود البيك، الإنسان الذي خلق تلك
المساحة للبلد في قلبي وعقلي ومن ثمّ على أوراقي.
الحصّة الكبرى في
حبي لهذه البلد يدين بالولاء والامتنان له، ولحبي
له، جدي الذي حين رحل قبل عامين، وعيتُ أكثر أن
جيلاً كاملاً من الفلسطينيين يرحل ويفلت من بين
أيدينا. رأيت بأمّ عينيّ اللتين بكتاه بحرقة،
القدْر الذي يمكن لإنسان أن يحب فيه بلده، القدْر
الذي يمكن لبلد فيه أن تُحب، رأيته يحمل هذا الحب
معه إلى موته، يفيض بهذا الحب إلى سلالته من بعده،
ويبقى في كل حالاته شديداً شديداً شديداً، إلى أن
يليق بترشيحا، ليلتقي حامله بها.
|