|
سليم البيك
بداية أود
الاعتذار عن عدم إمكانيتي الحضور بينكم، ولو
افتراضياً عبر السكايب، ولكني آمل أن أكون فعلاً
بينكم في أمسية لاحقة في فلسطين، قد تكون عن
الكتاب اللاحق لراجي بطحيش. راجي.. أعرف أن ما
سيخطر ببالك الآن: "يا للحب الفلسطيني المبتذل
هذا"، تعليق منك مأخوذ من "بر-حيرة-بحر" لحالة
مماثلة لما قلتُه أعلاه.
وددت فعلاً لو
استطعت الحضور لأسباب منها أني لن أستطيع تفويت
أمسية كهذه لصديق كراجي. ثم أن، على ذمّة راجي،
سيكون الحضور ممتلئاً بمن أحب .
على كل حال، إضافة
لما منعني –إجرائياً- من الحضور عبر السكايب،
هنالك أسباب قد تكون أقوى، مثلا: أني متحدث بائس،
لكني حين أكتب أخالني أقل بؤساً، أو آمل ذلك.
إن كنت سأبدأ
بالكلام أو الكتابة، سأحكي عن راجي كما عرفته من
خلال المراسلات ونصوصه، ثم عن قراءتي الذاتية
لكتابه.
هنالك ما يربط بين
نصوص راجي وبين شخصيته، قد يكون شيئاً من الصراحة،
الوضوح، اللغة المباشرة، الفجة أحياناً كثيرة، لا
يتعامل راجي البتة مع السمايليز (هذه في مراسلاته
طبعاً). أخبرتي إحداهن: راجي صاحبك ناشف. أخبرتها
بأنه فقط لا يحب السمايليز، ولا يحب الحكي الزائد.
أنا شخصياً أتمنى لو أملك تلك اللامبالاه والـ
"متل إجري" التي يمشي عليها راجي في نصوصه، ولولا
ذلك لما كتب ونشر كتابه الأخير، ولا كان راجي الذي
عرفت.
نصوصه في الكتاب،
وغيرها، فيها من المباشرة ما سيزعج القارئ
المحافظ، ومن التركيب ما سيزعج القارئ السهل، ومن
الجرأة ما سيزعج المهذب، ومن التجريب ما سيزعج
الكلاسيكي، ومن الذاتية ما سيزعج الأحمق، وهؤلاء
كثر، جداً، ولن يجابههم غير كاتب يكون بلامبالاة
راجي، بنزقه، بتأففه. لعله أكثر من لا يبالي
بالقرّاء أثناء كتابة نصوصه، ممن أعرف من الكتّاب
على الأقل، وهذا تماماً من حسن حظ قارئيه، وأنا
منهم.
يذكرني "بر-حيرة-بحر"
بأفلام فيديريكو فلّيني. الآن تذكرت: مرة سألني
راجي عن أحد نصوصه فأجبته بأن فيديريكو فلّيني لو
كان موجوداً وقرأ النص لاقترح عليك إطالته ليصنع
هو منه فيلماً. لو كنت قارئاً تقليدياً لتلقى راجي
مني ذلك الرد كأني لم أفهم على ربّ هذا النص وأني
لم أحبه كما لا أحب أفلام فلّيني، لكني أخال أني
لست تقليدياً (إعجابي بنصوص راجي قد يدل على ذلك).
ثم سألني: إيش يعني مش فاهم. وطبعا دون سمايليز
ولا حتى إشارة استفهام (بسيطة: شيفت وحرف ظ). لكني
استدركت بأن ذلك كان إطرائي لنصه، وهو ذاته إطرائي
لنصوص كتابه الأخير.
الجميل في الكتاب
أن جميع نصوصه ترتبط بخيط رفيع، منقطعة متصلة،
الحقيقة أن النص الواحد منها منقطع متصل بحد ذاته،
وإن استطاع القارئ أن يجابه هذا التجريب في النصوص،
إن لم يتعب من الصفحات الأولى، سيجرّب بنفسه متعة
قراء نصوص متجدّدة بذاتها، عفوية، تلقائية، دون
رتوش وهاجس "اللمسات الأخيرة"، دون مجاملات، دون
حكي زائد ولا حكي فاضي ولا أكل هوا، هي بذات الوقت
معقودة جيداً، مركبة جيداً، ليست صلبة ولا طريّة،
هي كتلك العصا الصلبة التي يمكن ثنيها من خلال عقد
فيها لتأتي بأشكال لا متناهية، دون أي تنازلات عن
صلابتها ودون أي إيحاء برخاوتها.
الجرأة والتجريب
يظهران أساساً من الغلاف، العنوان الغرائبي المثير
للاستنكار، وحده يستلزم بعض التفكير ويستدعي
السؤال: إيش هاد إيش يعني مين هاد. ثم ينزل القارئ
المحتمل، الشاري المحتمل للكتاب إلى تصنيفه:
بورتريه منثور. وكأن راجي من خلال العنوان
والتصنيف سهّل القرار على القارئ السهل بأن: هذا
الكتاب ليس لك أفففف.
راجي كنصوصه، لا
يحب أن ياخد ويعطي كتير بالحكي، لا يحب الحشو،
يمقت الازدحام، ولو كان سينمائياً لكان الأمر أصعب
عليه، السينمائي يحتاج لفريق عمل، لو كان سينمائياً
لكان كفلّيني، يصعب إيجاد من يفهمه، من يفهم
أفلامه/نصوصه، والجميل بالاثنين هو اللامبالاة،
وهو برأيي أحد أهم الأسباب في جمالية نصوص راجي،
وفي إعجابي بشخصه كذلك.
قد أتكلم قليلاً
عن راجي الذي عرفته أكثر منذ بدأ الكتابة في رمّان.
كنت قد اقترحت على الكثيرين الكتابة في المجلة،
لكنه كان الوحيد الذي وافق منذ البداية، والتزم
بكتابته الدورية في مجلة جديدة صغيرة ودون مكافأة
مالية، وهو شريك في النجاح الذي وصلتْ إليه، مهما
كان نسبياً، يكفي أن مقالاته فيها هي أكثر ما تثير
ردود الفعل. سأتكلم الآن كمحرّر، تلك العفوية
والتلقائية التي تكتنف نصوصه وشخصيته، تظهر كذلك
في شكل تلك النصوص، وطبعاً يتعبني راجي من هذه
الناحية حين يرسل نصاً يحوي أخطاء طباعية وترقيمية،
أحياناً أفكر بأنها ربّما مقصودة وأن راجي يحب أن
يربط بين شكل النص ومضمونه (وهو ما وجدته في بعض
نصوص كتابه الأخير، وهذا خطأ المحررين في دار
النشر إن وجدوا). لن أستطيع تفسير ذلك، ولا مشكلة
لديّ مع ذلك، لكنه لن يُفسّر بأنه لا اهتمام
بالمجلة، فالتزام راجي بمقاله منذ بدأ، والأخص
بأنه لم يتأخر أبداً بإرساله كلما بشّرته/أنذرته
باقتراب صدور العدد، يشير إلى ذلك، وخاصة أنه
يتحكّم بكمية الكلمات في مقالاته للمجلة، وهذا
يصعب "معنوياً" على كاتب مثله لن يقبل أي تحكّم في
نصوصه ومقالاته، وأي حدّ للحرية المطلقة التي
يمنحها إياها، أو يمنح نفسه إياها من خلال تلك
النصوص.
في العدد الأخير
من المجلة، كنت طلبت من راجي مقالاً "سكسياً"
كالعادة، وكعادته، ردّ علي بالسؤال متى أريد
المقال وأنه ليس الآن في ذهنه ما يكتبه (ردّ راجي
الطبيعي) ثم أرسلتُ أسأله: ليس في ذهنك ما تكتبه
حين رددت على إميلي، الآن وأنت تقرأ هذا الإميل،
أمازال "ليس في ذهنك ما تكتبه"؟ قد يكفي راجي أن
يهزّ رأسه ليخرج بكتابة تحتاج أفكارها واللغة التي
كتبت بها وقتاً (من غيره) أكثر من ذلك الذي يستغرق
راجي، ولعلّه سيضيق ذرعاً، سيمل، إن استغرقت منه
الكتابة أكثر مما تعوّد. راجي يمنح كثيراً من وقته
للكتابة، لكنه لن يمنح نصاً بحد ذاته إلا القليل
من وقته. لعل ذلك يعود إلى النزق والملل والحر
الذي سيشعر به (حتى في كانون) إن أخذ النص أكثر من
وقته، على قياسات راجي. بعد أقل من ساعة أرسل لي
مقاله.
الآن، بعد أن قطعتُ
شوطاً في هذه الورقة والتي لا أريدها أن تطول أكثر،
تذكرت أن من بين الأمور التي يجب أن أتحدث عنها
كما أخبرني راجي هي "الكتابة الجديدة في فلسطين"،
إضافة إلى كتابه. لكني بعد مراجعة الورقة، لم أجد
أي تعديل قد يطرأ عليها إن كتبتها متقصّداً
الكتابة الجديدة في فلسطين، لا كتابات راجي.
مداخلة قُرئت في الصالون الأدبي الذي نظمته جمعية
الثقافة العربية في الناصرة، في قراءة للكتاب
الجديد لراجي بطحيش.
|