|
سليم البيك
رجعت إلى البيت،
فتحت اللابتوب وكدت أفلقه، كتبت على فيسبوكّي:
ذهبت إلى السفارة، طلبت بكل تهذيب اصطحاب الملاحق،
وافق بكل تهذيب، درت بين الطاولات، ثم رجعت
بأربعة، والليلة حفلة سمر من أجل 5 حزيران. بالإذن
من سعدالله ونّوس.
ذهبت إلى السفارة
السورية، كأن طيور شرق المتوسّط كلها اجتمعت هناك،
وعلى رؤوس الحاضرين تحديداً، دخلت وانشدهت (الكلمة
الواردة مليون مرة في ترجمات دار التقدّم
الموسكويّة) وتسمّرت مكاني وكدت أسأل الجميع: إيش
في؟
عادة ما أذهب إلى
هناك، ألملم بعض الملاحق لأقرأها كممارسة مازوشية
ثقافية لا بدّ سترحل.
سألت أحد
الموظفين، بكل تهذيب، عن امكانية اصطحاب الملاحق
الثقافية، وكانت جميعها لجريدة "الثورة" السورية
–ها قد ذكرت هذه الصحيفة، لا مفر من الإقرار بأن
الممارسة المازوشية هذه، مرضيّة. للأمانة الموظف
محترم، وأنا أتعاطف مع الموظفين الصغار في ظروف
كالتي يعيشها هذا المحترم. أجابني بعين مكسورة
وصوت مرتعش وتهذيب مبالغ فيه: تفضّل تفضّل.
درت بين الطاولات،
أنبش الجرائد وألملم منها الملاحق، لم أجد غير
أربعة منها. شعرت بأن الجميع يحملق بي، هم وأسراب
الطيور على الرؤوس، شعرت للحظة بأني مندَس، بأني
سلفي. فكّرت في نفسي: لن أضوّع فرصة لملمة أكبر
عدد من أعداد الملحق، ثمّ سأتفق لاحقاً مع نفسي
على مبرّرات لهذا العقاب. ثمّ فكّرت كذلك: بأني إن
اقترب أحدهم منّي، أكان موظّفاً أم مراجعاً،
سأفهمه بأني فلسطيني، أي لست "السوري"، بل "ومن في
حكمه"، وبذلك سيرجع إلى مكانه متمتماً: هاد
فلسطيني ما بيقعد ع طيزو.
ثم أن أياً كان
سيتفهّم حالتي حالما يعرف بأني أفتّش عن الملاحق
الثقافية، وقد يطيّب خاطري بعبارات مثل: الله
يهديك يا ابني، من زمان إنت هيك؟ وقد يضع في يدي
ورقة نقدية خضراء بقيمة خمس ليرات، "عائفة ربها"
من بقايا الصمغ والشرائط اللاصقة والجعلكة
والإهانة والاحتقار وآثار شحم وعرق وبصاق وسوائل
منوية.
لملمت ما لملمت،
وانسحبت إلى بيتي سالماً، ثمّ فتحت اللابتوب وكدت
أفلقه.
فتحت ملحقاّ، نعم
هكذا دفعة واحدة ودون أية مقدّمات ومحفّزات نفسية،
ودون مبرّرات أو روادع أخلاقية، أول ما تلفّظت به
كان: أوه شِتْ، وهو مجرّد انطباع أوّلي قابل
للتدهور. كتمت أنفاسي وسددت مَنخريّ باصبعيّ،
وبدأت جلسة التعذيب، وكانت الصفحات كالأقبية.
بدأت أقلّب بين
الصفحات، وبدأت نفسيّتي تتقلّب وتضطرب هي الأخرى،
كي تأتيني فكرة كتبها غسان كنفاني في إحدى مقالاته
النقدية، بتصرّف: أن عدد جريدة الثورة الذي يوزّع
معه الملحق، لمَ، مثلاً، لا يوزّع معه كذلك
خيزرانة ينهال بها القارئ على نفسه حال انتهائه من
الملحق.
فكّرت باقتراح ذلك
عليهم، وإلى حينه قد أقترح على السفارة بترك
الملاحق في مطار دمشق من مبدأ: بلاش نشر الغسيل،
خلوها بيناتنا، مش حلوة قدّام الناس، أو حتى: وإذا
ابتليتم فاستتروا...
ألقيت الملاحق
الأربعة في "السلّة".
كان ذلك نوعاً من
"الكاثارسيس"، أي التطهّر الفجائي المتطرّف في
العواطف عند شخصيّات في الدراما اليونانية وغيرها.
ثمّ سألت نفسي
(ملحق كهذا بخلّي الواحد يحكي مع حالو): كيف لملحق
ثقافي ألا يتناول ثورة تشتعل في بلاده؟ بل واسمه
ملحق الثورة الثقافي. حسناً سيقول أحدهم أن طلبي
هذا سوريالياً كون جريدة الثورة حكومية. سأكون
حيادياً للحظة أعيد بها صياغة السؤال: كيف يمكن
لملحق ثقافي ألا يتناول ثورة تحدث في بلاده، أكان
معها أم ضدّها؟ كيف له أن يتجاهلها تماماً؟ ما هذا
الفصل المفاجئ والمريب والأبله بين الثقافة
والسياسة والمجتمع؟
|