|
سليم البيك
أحسستُ بأن فلسطين
كلّها مثقفون، بل وناشطون في كونهم مثقفين، حين
قرأت خبراً عن بيان لمثقفين يدين بيان مثقفين
آخرين داعين لوقف مسلسل "في حضرة الغياب" والذي
يصوّر سيرة الشاعر محمود درويش. ولمن لا يعلم، في
فلسطين –ورام الله تحديداً، ودوار المنارة وشارع
ركب فيها، أو (طبعاً) حيفا ومقهى فتّوش فيها- يكفي
التلفّظ بـ "محمود درويش" ليكون المرء مثقفاً، بل
وناشطاً، وإن حالفنا الحظ سيهيل علينا بعض آرائه
النقدية. ومؤخراً بات يلزم لكسب هذا الاعتراف
"الثقافي" حساب على الفيسبوك، وفي مرحلة متطوّرة
تجميعاً للستاتوسات في مقال ينشره أحد المواقع
الالكترونية المنفلشة هناك، ليصبح "المثقّف"
"كاتباً".
الآن، والحالة
الفلسطينية قد تعرّضت للنشوء الفقّاعاتي لهذا الكم
من المثقفين والكتّاب الجدد ممن يكتفون بالفيسبوك
كمورد معرفي (طبعاً لا أعمّم)، فلا بدّ أن ينخرطوا
جميعاً في ما قد يرونه الواجب الوطني الثقافي
(وردّ الجميل) تجاه أوّل ما أعطاهم قناعتهم
واكتفاءهم الذاتي بحالتهم (أو هالتهم) الثقافية،
وهو اسم محمود درويش. الحالة التي تنتؤ كلّما أثار
اسم درويش شأناً ثقافياً، الآن يثيره مع المسلسل
المذكور.
المشكلة تكمن حين
يأتي الموقف الثقافي عن ثقافة شعبية دون أية خلفية
معرفية لا يكون موردها الأساسي التلفزيون
والفيسبوك ودوّار المنارة وإحدى صحف رام الله
الأشبه بنشرات محلّية، والأسوأ، دون أي عقلية
ديمقراطية في تلقّي (لا "بناء" حتى) هذا الموقف.
مشكلتي أكثر مما
هي مع المسلسل المهزلة، هي مع رد الفعل الثقافي
الفلسطيني تجاهه، فلنتّفق أولاً بأن المسلسل
انتهازي، تجاري، سطحي، مغالط، سخيف، ركيك، ولا
يستحق المشاهدة، سأترك الكتاية عن ذلك لنقّاد في
شعر وسيرة درويش، وفي الميديا والدراما تحديداً،
وأتمنى فعلاً أن يُكتب نقد جاد للمسلسل دونه لن
يُثبتَ لا مقال رأي كهذا ولا "الستاتوس الجمعي"
لمثقفين فلسطينيين جدد ولا معركة البيانات
والبيانات المضادة حول دوّار المنارة، فشل
المسلسل.
مشكلتي الأساسية
إذن هي مع رد الفعل الفطري الطارئ والمتأخر. قبل
سنة ونصف (في فبراير 2010) كتبت على هذه الصفحات
مقالي
"فليعبثوا بعيداً عن سَكينة درويش" منادياً
عائلة درويش وأصدقاءه المقرّبين بأن يفعلوا شيئاً
حيال المسلسل، طارحاً آرائي الخاصة في رفضه قبل
البدء بتصويره، ومتشكّكاً من السيناريو ومستزنخاً
الممثل. وكما قلت لأصدقاء: أخاف أن يتسلّل شيءٌ من
زناخته (اللا مُطاقة عندي) إلى شخصية درويش
الكاريزماتيّة في أذهاننا.
أما الآن، وقد بدأ
المسلسل عروضه، فإني أرفض بشدّة المطالبة بوقفه،
من مبدأ أن للعمل الفنّي (لنفترض أنه عمل فني مهما بلغت منه المهزلة) الحق في التعبير الحر
والعلني عن ذاته، كما لغيره الحق في نقده دون
المطالبة بمصادرته.
ألقي بلومي أولاً
على عائلة الشاعر ومؤسسة محمود درويش في فلسطين
لعدم أخذ الموضوع على محمل الجد منذ البداية، ثم
على مارسيل خليفة الذي لن يجد ما يبرّر به تلحينه
(التواطئي) لموسيقى المسلسل، ثم المثقفين،
فلسطينيين وعرباً، (بل وربّما ألومهم قبل الجميع)
ممن تركوا المعارضة (الخفيفة) للمسلسل قبل عرضه،
لحيطان الفيسبوك، حيث يُطالَب الآن بشدّة بوقف عرض
المسلسل، في موقف متطرّف قد يُعزى لحالة اللاموقف
النسبية قبل غرّة رمضان إذ بدأ المسلسل حلقته
الأولى. أخيراً ألوم تلفزيون فلسطين الذي تنطّح
لعرض المسلسل.
أما بالنسبة
للمثقفين الجدد، مثقفي الفيسبوك وتلفزيون فلسطين (مجدّداً،
لا أعمّم)، سأقترح التخلّي عن فكرة المصادرة،
ومقاطعة المسلسل، والأهم، قضاء ولو نصف وقت عرضه
في قراءة "في حضرة الغياب"، وكتبٍ غيره لدرويش
ولغير درويش، وإن استُصعب أمر القراءة! فلا بأس في
مشاهدات لأمسيات درويش الشعرية عبر اليوتيوب، لكن
أرجوكم، دون إدراجها على الفيسبوك، لأني أمقت هذا
الحب الموسمي والاهتمام الطارئ والتطرّف في كليهما،
كلّما تعلّق الأمر بمحمود درويش.
|