|
سليم البيك
بالأمس فقط
-فعلياً ليس بالأمس لكن لعلّي أتوفّق ببداية
سكسيّة- مررت على مكتبة، وفيها مشيت إلى قسم الصحف
الأجنبية، البريطانية تحديداً، ممارسة مازوشية إلا
أنها لا تشبه أبداً تلك التي ذكرتها في المقالة
السابقة والتي خصّت تصفّح ملحقٍ ثقافيٍ لإحدى
الصحف العربية، بل أن الممارسة هنا تخصّ تصفّح
الصفحات والملاحق الثقافية لصحف بريطانية، وذلك
لما فيها من تذكير لا بالملحق (العربي) عينه فحسب،
بل بجميع الصفحات والملاحق الثقافية لجميع الصحف
في بلادنا، هنا البؤس.
ذا غارديان، ذا
تيليغراف، ذا صنداي تايمز، عند هذه الأخيرة وقعتُ
على ملحق ثقافي من 61 صفحة، صفحة تنطح صحفة.
فلأتكلم أكثر عن
المواقع الالكترونية لهذه الصحف، أو لصفحاتها
الثقافية. كوني لن أملك الكثير من الوقت ولا
الهمّة ولا الرغبة –بعد تجربة الـ 61 صفحة- في
المرور على تلك الصفحات ورقياً مجدداً. وكوني على
اطلاع لا بأس به وشبه يومي على مواقع تلك الصحف
الالكترونية وصفحاتها الثقافية.
بماذا أقارن
الصفحة الالكترونية للصفحات الثقافية في جريدة كـ
ذا غارديان مثلاً؟ لن أذكر أسماء، لكن في الصحف
العربية (المعدودة جداً) الجديرة بالمتابعة،
تحديداً التي أتابع صفحاتها الثقافية عبر مواقعها
الالكترونية، سذاجةً وكسلاً ظاهرين أولاً في رصّ
المواد فوق بعضها، رصاً، وتالياً في عدم وضع
تصنيفات لهذه المواد، وحين أصل في الحديث عن ذا
غارديان ستتوضح فكرة التصنيفات. أعرف أن الأمر
يرجع كذلك إلى التصميم الأساسي لموقع الجريدة
(العربية) بالكامل، وبالتالي لمصمم الموقع على
الشبكة، لكن الأمر يتطلّب اهتماماً أكبر من قبل
الإدارة والتحرير لا يقلّ عن اهتمامهم (في حال
تواجد) بالإخراج الفني للجريدة على الورق، لأنهم
جميعاً يعرفون جيداً أن أغلب قرّاء الجريدة
يتصفّحون نسختها الالكترونية، لا الورقية.
أما بالنسبة للكم
(لم أنته من نوعية ومضمون الصفحات) فليس في جميع
الصحف التي أتابع صفحات ثقافية تكون يومية. وإن
تواجدت، لن تزيد عن الصفحتين، وإن كانت أربعاً
يكون أبو زيد خالها. أما الملاحق الأسبوعية فلن
توجد في معظمها، وإن وجدت فعدد صفحاتها قد لا يزيد
عن عدد صفحات ثقافية يومية في صحيفة إنجليزية
كالتي نتكلّم عنها.
نرجع إلى الموقع
على الشبكة، يزعجني أمر رصّ المواد فوق بعضها
عندنا مثل البْلوغ (المدوّنة) البدائية، وكيفما
اتّفق، وعند آخرين نجد وعياً بأهمية الموقع
الالكتروني في المؤسسة الصحافية وبإمكاناته، وذلك
ما يتطلّب مقاربة صحافية مختلفة عمّا يخص النسخة
الورقية: تصميم الموقع بالجمع بين الجمالية
والبساطة، ترتيب المواد على الصّفحة وسهولة
التصفّح، الخدمات الالكترونية والتفاعلية، إشراك
التقارير الخاصة المصوّرة ولقطات من يوتيوب في
بنية المواد في الصفحة، ارتباطات تشعّبية لصفحات
قد تكون من خارج الصحيفة نفسها لاطلاعات أوسع،
تفعيل الميديا الاجتماعية كـ فيسبوك وتويتر و،
حديثاً، غوغل بلس، فرد مساحة للأخبار السريعة 7/24
والتي لن تنتظر صدور الصحيفة في اليوم التالي أو
بعد عطلة ما، وأمور أخرى توسّعوا بها، في بريطانيا
مثلاً، إلى أن تعدّوا مرحلة الممارسة العملية في
الصحف، إلى الدراسة الأكاديمية للصحافة
الالكترونية والاجتماعية...
أما عن تصنيف
المواد، عن مضمون الصفحات. في نظرة سريعة على صفحة
ذا غارديان الثقافية، وهو ما قد نجده في غيرها من
الصحف الأوروبية، نجد أنها تبدأ باختيارات
المحررين لأهم مادتين تكونان رئيسيتين في الصفحة،
ثم تتوالى المواد في تصنيفات رئيسية تتفرّع عنها
أخرى ثانوية: فنون وديزاين (فن، تصوير...)، كتب
(مراجعات، كتب أطفال...)، سينما (مراجعات،
ملتيميديا...)، موسيقى (مراجعات لاسطوانات وأخرى
لعروض حية...)، عروض (مسرح، رقص...)، تلفزيون
وراديو (مهرجانات، جوائز...)، وفي جميعها تصنيفات
ثانوية عدّة منها أخبار، حوارات، مقالات، إضافة
إلى المدوّنة حيث تُعرض جميع مواد التصنيف
الرئيسي. وهنالك تصنيفات رئيسية أخرى كصفحات
موسمية خاصة بمهرجانات ثقافية...
و(للأسف) هنالك
لكل من هذه التصنيفات الرئيسية، صفحات ممتلئة
بالمواد، يتعذّر مقارنتها بصفحات ثقافية كاملة
لأعداد أسبوع كامل في جريدة عربية.
إمعاناً في بؤسنا،
سأكمل الحديث.. في وقت لا نجد فيه أي اهتمام
بالصورة المرفقة بالمواد في صحفنا، صفحة ذا
غارديان الثقافية تعبق بالصور، منتقاة، مميزة،
ملائمة للمادة. على الأقل موجودة، هنالك صورة على
الأقل! ومن مواد قد تكون الأهم في كلٍّ من
التصنيفات التي ذكرتها آنفاً، تحوي الصفحة عموداً
مستقلاً، مع صورة وعنوان المادة. أما في متن
الصفحة، فالتصنيفات نفسها: موسيقى مسرح ..الخ،
ولكنها المواد الأجدد، والصور حاضرة دائماً. ولا
بدّ من ذكر أن في صفحة كل مادة بعينها، هنالك
روابط لصفحات أخرى لمواد مشابهة، لاطلاعات أوسع،
لأخبار أحدث، لأجندة ثقافية، ولغيرها.
ننزل قليلاً في
الصفحة لنجد "الجميع يتحدّث عن..."، وهي مساحة
تفاعلية في الصفحة تقوم على تعليقات وآراء القرّاء
في كل ما يخص مواد الصفحة والحياة الثقافية إجمالاً،
وأرجو ألا تشبّهوا ذلك بما تسمّيه صحفنا: بريد
القرّاء.
ثم مساحة أخرى هي
"نقّادنا"، وهنالك التصنيفات الرئيسية نفسها، وفي
كل منها مقالات نقدية لنقّاد متخصصين. ويمكن النقر
على التصنيف نفسه أو على اسم الناقد، حيث تصفّ
أسماء النقّاد (أو كتّاب الأعمدة) إلى جانب صور
وأسماء نقّاد المواد الأجدد. هنا ألحظ اهتمام
الصفحات بكتّابها، لكلّ كاتب هنالك صورة (تُصوّر
خصيصاً للجريدة) تجانب اسمه. أما بالنسبة للنقّاد/كتّاب
الأعمدة، فإضافة إلى الصورة في الصفحة الخاصة لكلّ
منهم في الجريدة، هنالك سيرة مختصرة، ورابط لصفحة
الكاتب/ة على تويتر، وصور لأغلفة ما ألّفوا من كتب
وروابط عنها لصفحات من الجريدة نفسها. حسناً ولا
بدّ أن أنوّه بأن للجريدة دار نشر لها موقعها
الالكتروني الخاص كذلك. لكني لن أتكلّم (رأفة بي
أولاً ثم بمن تشاؤون) عن الهدايا التي ترافق الصحف
من اسطوانات وأفلام وكتيّبات وكتب..
ثم مساحة أخرى هي
"الملتيميديا الأحدث"، وفيه تصنيفات: اختيارات
المحررين، فيديو، صوت، صور.
ثم مربع يحوي
المواد الأكثر مشاهدة، والأجدد..، ومربع آخر يحوي
أجندة ثقافية في البلد، بل ويوفر خدمة شراء
التذاكر من خلاله.
هذه نظرة سريعة
على صفحة ثقافية لجريدة بريطانية نوعيّة الحبر
والورق في نسختها الورقية بائسة جداً، بل ومثيرة
للشفقة إذا ما قورنت بجريدة عربية متوسّطة الحال،
ولا أقول الممولة من رؤوسمال ضخمة.
كنت قد كتبت بعض
الملاحظات النقدية على الصحافة الثقافية العربية،
كمنهج ومحتوى وشكل، لأصيغها في فقرات هنا، لكن
صفحة ثقافية لجريدة هي فقط مثال لكثير غيرها -ليس
عندنا- استحوذت على كامل المقالة. علماً بأني لم
أحرص على أن أقدّم نظرة شاملة لها. قد أصيغ
الملاحظات في مقالة منفصلة.
حاولت تقديم بداية
متحمّسة بل سكسيّة للمقالة، لكني انتهيت محبَطاً..
لا بأس.
|